إشكالية التاريخية

“القرآن صالح لكل زمان ومكان”
شعار رفعه المسلمون في القرن الأخير, رداً على متبني المناهج الحداثية الغربية من أبناء جلدتنا العرب, والذين نادوا ب “تاريخية النص القرآني” مثل نصر حامد أبو زيد وأدونيس, كما نادى فلاسفة التنوير الغربي في أوروبا مسبقا بتاريخية التوراة والإنجيل, وأنهما لم يعودا صالحين للمجتمعات المعاصرة, وأنها –أي الكتب السماوية- كانت مرحلة من مراحل التطور الإنساني تم تجاوزها!

إلا أن عامة المسلمين, إسلاميين كانوا أو عوام, يرفضون القول بتاريخية النص القرآني, لأن القول به يعني عدم صلاحيته وتحديداً عدم صلاحية آيات الأحكام, ومن ثم عدم مناسبته للإنسان وللمجتمعات المختلفة, ومن ثم فإن هذا يعني إعلان فشل للكتاب!! كما يعني عدم تنفيذ أمر الله وضياع وطمس الهوية الإسلامية التي يعتزون بها كثيرا!

ولا يختلف حال المسلمين في هذا الشأن عن غيرهم من أتباع الأديان الأخرى, فكل أتباع دين يرون حتماً أن كتابهم المقدس لا يزال صالحا هادياً, فلا يوجد إنسان يؤمن بكتاب “متعطل”!

وتختلف مناهج القائلين بصلاحية نصوص الكتب المقدسة بين مدارس تجديدية, تحاول أن تقدم قراءات “تأويلات” حداثية للنص الديني, وبين مدارس تقوم بتفسير النص تفسيراً إشارياً رموزيا, وبين أخرى “سلفية” في كل الأديان, ترى أن على الأتباع التمسك بالنصوص كما هي, وأن على المجتمعات التغير تبعاً للنص, وليس العكس.

ولولا ارتباط “التاريخية” بالتعطيل والقول بعدم الصلاحية, لما تحرج المسلمون كثيراً من القول بهذا, فالقرآن نص تاريخي (حتى وإن كان إلهيا وإن كان مطلوباً إعماله إلى نهاية الحياة) بمعنى أنه “وُجد” في زمان ماض وليس في زماننا المعاصر

كما أن القول بأنه تاريخي يعني أنه كان له وجود حقيقي في فترة زمنية, وليس أنه كان أسطورة متوهمة! ومن ثم فالربط بين “تاريخية النص” وبين “بشرية المؤلف” أو “محدودية الصلاحية” ربط اصطلاحي وليس من المترتبات الطبيعية للمصطلح.

وعدم ظهور إشكالية تاريخية النص في التاريخ الإسلامي أمر منطقي, فإذا كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة حول “خلق القرآن”, هل القرآن قديم “أزلي” أم أنه جديد محدث كما ترى المعتزلة, قد وصل بتكفير القائلين بأن القرآن مخلوق, فهل من الممكن أن يظهر من يناقش مسألة صلاحية النص نفسه!

ورغما عن أن أهل السنة تقول بأن القرآن غير مخلوق, إلا أن كتب التفسير وعلوم القرآن كانت تتحدث دوما عن أسباب النزول, بل ووجدت كتبٌ متخصصة في أسباب النزول,

ومن ثم فهناك “سياق تاريخي” للنص القرآني, ومن ثم يمكن الحديث عن “تاريخية للنص القرآني” إلا أن بعض الباحثين المعاصرين قاموا بحركة التفافية لتجاوز هذه الإشكالية, فقالوا أن هناك “مناسبة للنزول”, وليس سبب نزول!

(وكنت أنا ممن قالوا بهذا مسبقا في كتابي الأول!!), إلا أنه تجاوزٌ شكلي ظاهري للحقيقة الصارخة بأن لسور القرآن أسباب نزول, وأنها تتحدث -بخلاف قصص القرآن الذي قص عن أفعال وأحوال الأمم السابقة- عن مواقف وأحداث في زمان البعثة, وعن أوامر وتوجيهات متعلقة بتلك الحوادث حصرا.

ولا يعني قولي بأن القرآن نص تاريخي إقراري بعدم صلاحيته, ولا بالقول بأن نصوصه الخبرية إشارية أو رمزية (مثل أولئك الذين يقولون بأن قصص القرآن لم يكن واقعاً في يوم من الأيام وإنما قصص للعبرة والعظة, مثل محمد أحمد خلف الله!!)
وإنما دعوة للتفريق بين النصوص (الأحكام) المطلقة, التي خاطب الله فيها المؤمنين وأمرهم بها بشكل مطلق, مثل أحكام المواريث وأحكام الأسرة, فهذه مما يجب تطبيقه وتنفيذه في جميع الأزمنة والأمكنة, وبين تلك النصوص التي جاءت كتوجيه للرسول والمجتمع المسلم آنذاك في حادثة بعينها

وأبرز الأمثلة على هذا هي كثير من الآيات الواردة في سورة التوبة, مثل قوله تعالى: ” فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة : 5]”

 فهذه الآيات توجيه لتصرف في حادثة بعينها, ولا يمكن القول أنها مما يطالب به المسلمون الآن! ومن ثم ينبغي أن ننظر إليها حالياً باعتبارها من “قصص القرآن”, وأنها مما قد يُعتمد على مجموعه في استنباط أحكام في العلاقات والمعاملات.

وقولي ب “تاريخية النص” هو كذلك دعوة للنظر والتدقيق ومراجعة وتمحيص أسباب النزول الواردة بشأن الآيات والسور, والتي لعبت سابقاً دوراً كبيراً في توجيه أفهام “المفسرين” والفقهاء للنص القرآني إلى وجهة معينة! وإلى القول بأحكام “فقهية” أظهرت الدين الإسلامي بمظهر المستغل و “المتمسكن” حتى التمكن, مثل كثير من أحكام العلاقات والمعاملات ومبررات إعلان الحرب ضد غير المسلمين
والتي سيظهر للباحث عند عرض هذه الأسباب على النص القرآني أنها غير صحيحة ولا منسجمة معه ولا مع باقي تاريخ البعثة, وأنه ثمة إشكاليات كبيرة تحتاج إلى تمحك لتمريرها والقول بصحتها!

ولكن هذا يحتاج إلى إجراء “قراءة تاريخية” شاملة للنص القرآني, يُستنبط من خلالها الأسباب التاريخية الحقيقة التي أدت لنزوله .. وحتى الآن لم تظهر مثل هذه القراءة, ولكن .. لربما تصدر هذه القراءة قريبا!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.