هل الفلسفة .. فلسفة؟!

في مبتدأ كتابتي “الفلسفية”, أبدأ بالتساؤل –كما يُفترض في أي نشاط “تفلسفي”- حول الفلسفة نفسها, فأقول: هل الفلسفة حقا “فلسفة”؟!

قد يبدو السؤال غريبا, فماذا تكون الفلسفة إن لم تكن فلسفة؟!

الذي نعرفه جميعا أن “الفلسفة” تعني أصلاً “حب الحكمة”, وأن سبب هذه التسمية هو “فيثاغورس”, والذي قال: “أنا محب للحكمة (فيلوصوفيا), الإله وحده حكيم”, فهو نفى عن نفسه زعم امتلاك الحقيقة أو زعم الحكمة, ثم أشار إلى أنه فقط محب للحكمة وطالب لها!

ومع مرور الزمن تشكلت الفلسفة بقوام ما واستقرت على مسلكٍ متأثرٍ بما خطه لهم أسلافهم, ومع دأب أرباب كل فن في السير على خطى سابقيهم .. واتباع سنن “آبائهم الأولين”, حمل من جاء بعدهم وسار على نهجهم هذا الاسم, ورضوا ب “الفلسفة” منهجا, وب “الفيلسوف”, نعتا ووسما!

وهنا أتوقف معترضاً:
إن من نسميهم ب “الفلاسفة” ليسوا طلاب حكمة, ومن ثم فعلينا أن نعطيهم اسماً أدق يعبر عن واقعهم! (ومن العجيب أن من يتوقفون مع كل كبيرة وصغيرة لا يتوقفوا مع أنفسهم ليلحظوها!)

وأفصل فأقول:
إن الحكمة في اللغة مرتبطة بالجانب العملي, فالإنسان الحكيم هو الإنسان الذي يحسن التصرف, وينزل الأمور منازلها ويقدرها بقدرها ويحسن تصريفها, -ولا يكون هذا بكل تأكيد إلا بتفكر ونظر

فالحكيم هو من جمع “الفكرة والعمل”, أو كما نقول: النظرية والتطبيق! وعكس الحكيم هو الإنسان الجاهل (الأخرق, بمصطلحاتنا المعاصرة), الذي لا يحسن التصرف, (لاحظ أن المسلمين الأوائل سموا “أبا الحكم” ب “أبي جهل”!), فهل الفيلسوف حقا “طالب حكمة”؟!!

إن هذا يدفعنا بشكل مباشر للتساؤل: لماذا تفلسف –من عُرفوا ب- الفلاسفة قديما, ولا يزالون؟!
نترك الإجابة لبعض رؤوسهم, فنجد أن أفلاطون قد قال أن أصل الفلسفة هو “الدهشة”, -ناقلاً عن أرسطو- إن الدهشة هي التي دفعت الناس للتفلسف! وذلك لأن الدهشة تستتبع التساؤل .. والتساؤل –قد- يؤدي إلى المعرفة والشك!!

وهنا أتساءل: هل كانت “الدهشة” حقاً هي دافع التفلسف؟! إن البشر كانوا ولا يزالون يندهشون من كثيرٍ من الأمور التي يتعرضون لها, ولم يتفلسف منهم إلا نسبة لا تكاد تُذكر .. وهم “محبو المعرفة والفهم .. أصحاب الفضول!!

وأضيف فأقول:
في هذا السياق لا بد من التفريق بين محاولة العقل البشري الأولى للاستكشاف, والظهور على علل الأشياء, وبين المنهج والمسلك, الذي عُرف فيما بعد بالفلسفة! فمحاولة معرفة الإنسان الأول كيف ينشأ الحريق وكيف تُشعل النار هي ليست من الفلسفة بالتأكيد!

والملاحظ أن الفلسفة لم تنشأ مع الإنسان الأول, وإنما نشأت بعد أن تكون لدى البشر قدرٌ لا بأس به من المعرفة .. المختلفة والمتنوعة والمتشعبة .. والمتعارضة! فالفلسفة كانت خطوة لاحقة على المعرفة! ومن ثم يمكنني القول أن دافع الفلسفة كان “الاعتراض والرفض”, وليس الاندهاش!

فسبب ظهور “نشاط التفلسف”, هو أن بعض الأفراد كان –ولا يزال- لديهم قدرٌ لا بأس به من المعرفة, دفعهم لعدم الاقتناع بتفسير أو بتعليل لمسألة ما, ومن ثم البحث وراء “التوصيف” أو التفسير أو التعليل الأصيل الحقيق لهذه المسألة!

وبطبيعة الحال فهناك الكثير من البشر ممن يتعرضون لمثل الموقف عدم الاقتناع أو تحرك الفضول لاكتشاف السبب, فيحاولون البحث عن تعليل أو تفسير. وهنا يظهر الفارق بين من يسمون بالفلاسفة وعامة البشر! فالإنسان قد يتفكر طيلة حياة في بعض مسائل معدودة, على فترات متباعدة متفاوتة

كما أنه غالباً ما يكون الدافع للتفكر “عملي”, فهو يريد حل مشكلة ما أو رفعة درجة ما! بينما مسلك “التفلسف” هو غالباً مسلك مستمر متواصل, كما أنه منهج “نظري” في المقام الأول! فالفلسفة منهج أكثر منها مبادئً, وهي أسئلة أكثر من كونها أجوبة, وهي مسار أكثر من كونها نقطة الوصول!

ومن ثم فالفلاسفة لم يكونوا يريدون طلب الحكمة وحسن التصرف, وإنما كانوا بدرجة كبيرة “طلاب معرفة”, أو كانوا متمردين على الواقع وراغبين في تقديم بدائل –يرونها- أفضل أو أصح أو أنسب لمجتمعاتهم أو للإنسانية! ومن ثم فإنني أطالب بالبحث عن اسم آخر لهذا “العلم” ولهؤلاء القائمين عليه, غير “الفلسفة والفلاسفة”! فماذا يا تُرى يكون هذا الاسم؟!!

(نعم, نعلم بوجود ما يُعرف ب “الفلسفة العملية”, وأن الوضع الآن اختلف كثيراً عن السابق, ولكن دوما تظل العبرة في التسمية بالأكثرية السائدة وليس بالأقلية)

في الختام أقول: لا يعني هذا أنني أقلل من قدر “الفلاسفة”, وإنما أود أن أقول: إن البشرية تعاني من غياب لمتخصص يقومون بأدوار حاسمة, وللأسف تتوزع هذه الأدوار وتتشتت بين أفراد وهيئات عدة, ولهذا لا تثمر كثيراً, فالبشرية مثلاً بحاجة ماسة إلى “مربين”, (وليس المدرسين ولا رجال الدين ولا الخادمات بكافيينوإنما لا بد من وجود: مربي, يتولى أمور التنشئة الأخلاقية والوجدانية),

وكذلك هي بحاجة إلى صنف جديد من أرباب الفكر هم “الفلاسفة/ محبو الحكمة”, الذين يعنون بالجانب التطبيقي بنفس درجة العناية بالجانب النظري, -وهم من عرفتهم المجتمعات القديمة باسم: الحكماء-, فكما أن لدينا “علماء طبيعين”, و “فلاسفة”, فنحن كذلك بحاجة إلى “حكماء” .. قادرين على تقديم أيسر التطبيقات لعامة البشر, بل ويعلمونهم كيف يطبقون هم بأنفسهم!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.