سورة الروم: وعد الله بالنصر حق!

تكاد تُجمع كتب علوم القرآن والتفسير على أن سورة الروم مكية, وأنها نزلت لأن المشركين فرحوا لانتصار الفرس على الروم, وقالوا للمؤمنين أن الروم أهل كتاب مثلكم وقد انهزموا وإننا إن قاتلناكم لنهزمنكم! وهناك من قال أن فيها آيات مدنية, ورأي قال أنها مدنية!

أما أنا فأقول أنها مدنية, وهي السابعة نزولاً بعد الشورى. حيث بدأ بعض غير الموقنين تشكيك الرسول في نزول النصر, )؟! كما كان بعضهم يراود النبي والمسلمين ليدعو أولياء –مع دعائه الله- بحجة أنها شركاء لله وأنها تنفع وتضر وتشفع عند الله.

فأنزل الله سورة الروم ليؤكد للرسول أن الله لا يخلف وعده –وهو المحور الرئيس الذي تدور السورة في فلكه-, وأن هؤلاء المشككين غافلون عن الآخرة ولا يتفكرون ولا يبصرون آيات الله حولهم الدالة على اليوم الآخر وعلى لقاء الله. فإذا كان قد وعد بالنصر فسيأتي (النصر من عند الله والأمر لله وحده, وهو ينصر من يشاء) وإذا كان وعد بالآخرة فستأتي وإذا كان وعد أن يجازي الناس على أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة فسيحدث.

والسورة امتداد صريح للشورى, حيث استكملت الرد على المجادلين في الساعة/ اليوم الآخر, وأمرت بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه, مواصلةَ الحديث عن الرزق وعن رحمة الله وعن “الظالمين” وعن أن السيئة بما كسبت أيديهم.. مستخدمة كثيراً من المفردات والتعبيرات المذكورة في الشورى.

ونفصل فنقول:
كان المسلمون في تلك الفترة يتعرضون لاعتداءات من غيرهم, وكان التوجيه الرباني لهم في الشورى بأن المغفرة والصبر أفضل: ” وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)”,
ومقابل هذه الاعتداءات ظهرت مجدداً تساؤلات من بعض غير الموقنين عن النصر ومتى يأتي, وهل سيتحقق ما وعدنا الله به!
فأنزل الله سورة الروم ليؤكد للرسول صدق وعده, فبدأت السورة بالقول أن الروم –تلك القوة العظمى- قد هُزمت وأنها ستنتصر في بضع سنين, ولله الأمر من قبل ومن بعد “ألا إلى الله تصير الأمور”, مقدمة نبوءة أخرى للرسول وهي أن نصرك سيواكب غلبة الروم على الفرس, ويومها سيفرح المؤمنون بنصر الله

وهذا سيتحقق لا محاولة فهذا وعد من الله وهو لا يخلف وعده, ولكن أكثر الناس غير قابلين للعلم, نعم هم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا (وليس حقيقتها, فحتى أنفسهم التي هي من أكبر آيات الله لم تقدهم إلى حقيقة أن كل شيء بأجل وإلى إعادة!!

على الرغم من أنهم ساروا في الأرض ورأوا عاقبة السابقين لهم الذين كانوا أشد قوة وكيف أنهم أُهلكوا بظلمهم وبتكذيبهم رسلهم فهل ستفلتون أنتم؟!!) وكان عاقبة فعل هؤلاء الأقوام للسيئات (من تبذير وأكل الربا وخلافه) أن كذبوا بآيات الله أي اعتبروها كاذبة فليس فيها دلالات ولا إشارات على الغائية في خلق الكون!! ومن ثم أصبحوا عنها عمين حتى ضاع ملكهم وهلك نتاجهم بل واستهزئوا بها (الأمة الغافلة عما يجريه الله حولها)!:

الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) -أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ!- مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) -أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10)- اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)

وكما ردت الشورى على المكذبين بالساعة والمتمسكين بالشركاء تواصل الروم مسلسل الرد, فتقول أنه حين تقوم الساعة يبلس المجرمون, ولن يجدوا شفعاء من هؤلاء الشركاء المزعومين وسيكفرون بهم, ويومها سيتفرقون, فالمؤمنون في روضة وأما الكافرون المكذبون بآيات الله ففي العذاب محضرون,

فسبحان الله عما يصفه به المشركون وعن الشرك الذي يلحقون به (في تقلبات الزمن المختلفة), فله وحده الحمد في السماوات والأرض (فلا يُحمد صنم ولا ملك ولا بشر), فسيخرجكم كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها. ثم يواصل الله الحديث عن “ومن آياته” والتي بدأها في سورة الشورى,

(ولم يرد هذا التعبير في السور المدنية إلا في هاتين السورتين) الدالة على اليوم الآخر والإحياء (القائمة على برهان التبديل والإعادة, فالله تعالى يبدل حال المهزوم إلى نصر, والمتكبر المفسد إلى هلاك, والميت إلى حي والحي إلى ميت, والليل إلى نهار, وكلها أدلة على عملية التبديل الكبرى: اليوم الآخر), وفي مقابل هذا التبديل والتنوع فإن دين الله واحد ثابت لا يتبدل ولا يتغير

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) -وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ- وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) -يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)

وبعد ذكر آيات الله تعود السور لذكر ما تفرد به الله, فكما له الحمد فله وحده من في السماوات والأرض وله المثل الأعلى وهو المبدئ المعيد. وترد على من ينسب الشركاء لله (من الملائكة) ويزعم أن لهم تصريفا للأمور بالقول أن الله ضرب لهم مثلاً من أنفسهم (وهو الوارد في سورة النحل المدنية:
وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ [النحل : 71])
أنه: إذا كان للإنسان ملك يمين, فهل يكون له شركاء منهم في ما رزقه الله فيستويان في التصرف في الأمور؟ إن الإنسان لا يقبل أن يتساوى في التصرف مع من يملكه, فكيف تنسبون هذا إلى الله وتقبلونه؟!

إن المسألة مسألة هوى ولن يهدي من أضل الله أحد. فإذا كان كل ما في السماوات والأرض لله فلا تلتفت إلى ما يدعونك إليه من الشرك وأقم وجهك دوما وعلى كل حال للدين حائدا عن كل شرك, فهو فطرت الله وهو الدين القيم (نفس النعت المذكور في: يوسف) و(لن يقدر أحد على تبديل خلق الله, وأنيبوا إلى الله واتقوه وأقيموا الصلاة,

ثم تؤكد السورة على ما جاء في الشورى: ” … أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ..” فتنهى الرسول أن يكون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا, الذين يدعون الله مخلصين إذا نزل بهم الضر فإذا أذاقهم رحمة منه أشركوا, وليس لهم سلطان فيما يفعلون من الشرك بالله, فلم ننزل عليهم شيء يسمح لهم بهذا:

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ -فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ- وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا -فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ- (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)

ثم تواصل السورة الحديث عن الرزق والمبتدأ به في العنكبوت ثم الشورى فتقول: إن المشكلة الكبرى أن الناس أصبحوا يفصلون الأعمال عن مسببها (وعن عواقبها البعيدة), فإذا أذاقهم الله الرحمة فرحوا –ولم يشكروا ولم يحمدوا- وإن أصابتهم السيئة بما قدمت أيديهم يقنطوا –بدلا من أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه ويعتبروا أن هذا ابتلاء- على الرغم من أن في بسط الله الرزق وتقديره آيات, -فافعل مستوجبات الزيادة واترك مستوجبات النقص والتقدير- فتصدق إن كنت تريد وجه الله.

ونلاحظ هنا أول ظهور للحديث عن الربا, والذي حدث من المسلمين عند احتكاكهم باليهود والذين يستحلونه, فذمت الآيات هذا التعامل, مبينةً أن ما تؤتون من زكاة ابتغاء وجه الله (الذي خلقكم ورزقكم ويميتكم ويحييكم, بينما لا يفعل أي من الآلهة المزعومة شيء, فلماذا تتقربون إليها؟!!!) فسيضاعف لكم. إن الفساد ظهر في البر والبحر بأفعال الناس, والله تركه يظهر ليذيق الناس بعضا مما عملوا لعلهم يرجعون إليه, وأمرْهُم بالسير في الأرض حتى يروا كيف كان عاقبة المكذبين وكيف أن أكثرهم كان من المشركين –وكان هذا سبب هلاكهم-. ولا تسمع لهم.

ثم يأتي الأمر مجددا بإقامة الوجه للدين القيم “من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله” فكل سيتحمل نتيجة أفعاله, فالكافر يحمل نفسه مهلكات والمؤمنون يمهدون لأنفسهم عند الله ليجزيهم, وهو سبحانه لا يحب الكافرين:

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)

ثم يعود الحديث مرة أخرى عن “ومن آياته”, فمن آيات الله –وليس للشركاء يد في هذا- أن يرسل الرياح مبشرات –بقرب نزول الماء- وليذيقكم من رحمته لعلكم تشكرون ولكنكم لا تفعلون

وكذلك أرسلنا رسلا إلى قومهم بالبينات ليهتدوا فلم يستجيبوا فانتقمنا من المجرمين, فنصر المؤمنين حق علينا–فلا تستبطأ النصر- فهو يرسل الرياح وينزل المطر بأقوام وصلوا لمرحلة الإبلاس قبل أن ينزل عليهم فيستبشرون بذلك, (ومن يحيي الأرض بعد موتها يحيي الموتى) بينما لو أرسلنا ريحا محملا بالرمال لظلوا يكفرون “وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور”

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) – وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)

ثم يثبت الله الرسول المتأثر بعدم استجابة المعاندين, بالقول بأنه لن يسمع الموتى ولا الصم ولن تهدي العمي, وإنما تأثيرك مع من يؤمن بآيات الله –ولا يقول بالصدفة ولا بالطبيعية- فهم مسلمون.

إن الله (محيي الموتى) خلقكم في حالات مختلفة تتقلبون بينها ثم تعودون إلى الحالة الأولى (وكذلك يعيدكم في اليوم الآخر). وفي ذلك اليوم سيقسم المجرمون أنهم ما لبثوا غير ساعة, ويعرفهم الذين أوتوا العلم أنهم لبثوا في كتاب الله, ويومها لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون.

ثم يختم الله السورة بالقول أنه من لا يؤمن لن يؤمن, فلقد ضرب الله الأمثلة في القرآن, وهي أكثر من كافية للإيمان, فمن لم يؤمن بها لن يؤمن إذا جاءت الآية, فاصبر يا محمد فوعد الله حق (وهذا دليل على أن الوعد كان سابقاً وليس أول ذكر له في السورة هنا) ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53)- اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)

وبعد أن بينا للقارئ وحدة السورة الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها ندعوه لأن يفتح المصحف ويقرأ سورة الشورى ثم سورة الروم, ليبصر بنفسه المفردات والتعبيرات المشتركة بين السورتين, وكيف أكملت الروم الرد على القضايا المطروحة في سورة الشورى, غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.