صلاحك .. بأربابك!

كثيراً ما يتكبر الإنسان ويطغى ويتجبر, وتعظم نفسه أمام عينيه ويظن أنه “فرد فذ” لا نظير له.ووصل طمس البصيرة بكثيرٍ من البشر أنهم نسوا فضل ربهم عليهم, وأصبح لسان حالهم “قاروني” صارخ ب: إنما أوتيته على علم عندي. فيظنون واهمين أنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه بجهدهم وذكاءهم وعبقريتهم!
ووصل الحال ببعضهم إلى أن ظنوا أن الكون كله سائر بذاته لا يحتاج إلى مسير, فقال أن لا خلاق!

ولهؤلاء المغرورين المتكبرين أقول:
لقد كتب الرب الحكيم على الإنسان أن يكون “تابعاً” طيلة حياته, له أرباب توجهه, وبقدر صلاح أربابه يصلح حاله, وبقدر فساد أربابه –أو غيابهم- يفسد الإنسان ويضل! فلا ينصلح حال الإنسان بنفسه أبدا! ولا حرج في استخدام “الرب” مع غير الله, فهو واقع من الله وغيره, فنحن نقول: “رب الأسرة”, والله العليم نفسه قال: “فيسقى ربه خمرا”, والحرج في استخدام “الإله” مع غير الله.

وسنكتفي بالحديث عن أهم ربين –بعد الرب الأعظم الواحد الذي لا شريك له- يتحكمان في مسير الإنسان:
فالإنسان يولد عاجزا لا يستطيع شيئاً سوى البكاء, والرب الأعظم سخّر لهذا الكائن الضعيف “ربين” أبا وأما يتعهدانه بالعناية والرعاية والتربية والتهذيب, ويحرصان أشد الحرص على حمايته وجعله على حال أفضل من الحال التي كانوا عليها.

فإذا كان الأب فاسداً فإن الابن يكتسب منه أسوء الصفات, أو يدمر الأب شخصية الابن فيخرجه كائنا “ممسوحاً”! أو إذا كان غائبا, فوُلد الابن يتيما, فإن الابن يعاني أشد المعاناة, فأحد الوالدين لا يسد بأي حال من الأحوال مكان الوالد الآخر الغائب, نعم تقلل الرعاية الجيدة للوالد الآخر وللدولة من المعاناة ولكن يظل الابن كثيراً.

وشخصية الإنسان هي بدرجة كبيرة ما غرسه الوالدان فيه في صغره, سواء إيجاباً أو سلباً, وكذلك المشاكل النفسية أو “ضعوف الشخصية” التي تلازم الإنسان هي آثار تربية ربيه “أبيه وأمه”, وكذلك اختياراته في الحياة هي إما سير على ما رسمه له ووضعه فيه والداه أو تمرد عليه! أو خليط منهما وهو الغالب في فعل البشر, ومن ثم فهو في نهاية المطاف صنعة والديه.
ومن ثم فلا إنسان صنع نفسه بنفسه أو ذو شخصية مستقلة أو لا فضل لأحد عليه.

ولا يقتصر الأمر على الإنسان في مرحلة الطفولة والصبا فإذا كبر تحرر ولم يعد ل “رب” فضل عليه! فإذا كبر الإنسان وأصبح هو نفسه “رب أسرة” فإنه يظل تابعاً لرب أكبر هو “المملكة, الدولة, القبيلة .. الخ” يسهل عليه حياته, وعدم وجود هذا الرب الكبير أو ضعفه يجعل حياة الإنسان أصعب, فمجموعة الأسر التي تعيش فوق جزيرة ما بدون وجود حكومة تنظم العلاقات والاحتياجات تعاني أشد المعاناة, وذلك لأن كل منها يحتاج للقيام –تقريبا- بأكثر شئون الحياة والاحتياجات من توفير طعام ومسكن وأمن .. الخ

بينما يختلف الحال كثيراً عند وجود حكومة توفر الأمن والاحتياجات الأساسية للناس من مطعم وملبس ومأوى وكذلك توفر الخدمات العامة من طرق ومواصلات وصرف ومشافي .. الخ

ويختلف الحال أكثر عندما تكون هذه الحكومات قوية عادلة فلا تظلم مواطنيها, وتوفر لهم هذه الاحتياجات بمقابل بسيط, بحيث لا يضطرون للعمل ليل نهار للحصول عليه, ومن ثم يبدؤون بالتفكير في أنفسهم وأحوالهم وكيف يحسنونها .. وهكذا.

وفي مراحل حياة الإنسان المختلفة يقابل “أرباباً” مختلفين, يكون لكل واحد منهم دور وفضل وعطاء يوجه الإنسان ويحركه, إلا أن هذه “الأرباب” من معلمين وخبراء يختلفون من شخص لآخر.
الشاهد أن الله كتب على الإنسان الاحتياج إلى غيره وعلى الناس أن يتعاونوا فيما بينهم, وأن يكون بعضهم أرباباً –مرحلين- لبعض, إذا أرادوا الوصول إلى أقوم النتائج والحصول على أيسر الأدوات وعلى الرفاهية.

نعم نحن لا نبطل ولا ننسى الفروق الفردية والاجتهادات الشخصية التي تختلف من شخص لآخر, ولكن هناك دوماً أسرة ومجتمع كان لهم عظيم فضل عليه.
وقبلهما كان الرب الرزاق العليم الحكيم الذي:
في كل شيء له آية تدل على أنه –الرب- الواحد
الذي جعل الكون و”نظام حياة” الإنسان إشارة ودليلاً عليه, فالدين والواقع يصرخان بأن الربوبية هي الأصل وبها الفلاح! والملحدون –والمغرورون- ينفون ذلك ورغما عن أنوفهم يلتزمونها غافلين عن كونها آيات بينات.

في الختام أقول:
ما أجمل أن تفهم الكون والحياة بالله
وأن ترى سننه في خلقه وكيف جعلها بحكمته وعلمه دالة عليه دلالة قاطعة.
فالله العليم الحمد والفضل أولاً وآخرا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.