ما هو الاستغفار؟!

لقد خلق الرب الحكيم العليم الإنسان من الطين مختارا ولم ينشأه مقهورا مجبورا, ولكونه من الطين ولكونه مخيّرا فإن الإنسان تتعاوره حالات بين سمو وعلو وتزكية تثمر قربا من الحبيب الأول الأوحد “الله الأعظم” وبين إخلاد إلى الأرض واتباع شهوات ينتج تدسية للنفس وتدنيسا,يشعر معهما وبعدهما البشري ذو الفطرة السليمة أنه في حاجة ملحة إلى تطهير نفسه من تبعات هذه المعاصي والانحرافات فيلجأ إلى الله الغفور الرحيم يسأله مغفرة ما صدر منه من آثام وذنوب, يستغفره ليتوب إليه.

ولأننا رأينا أن أكثر المسلمين لم يعرفوا ما هو الاستغفار بله أن يحسنوه إذ صيّروه كلمات تلوكها الأفواه وتكررها الألسنة, حتى اعتبروا الاستغفار نوعاً من الذكر!!!!!!! نتوقف مع الاستغفار لنبين ما هو, آملين أن نُعرف بالطريقة المثلى له.

ما هو الاستغفار؟
إذا سألنا عامة المسلمين: ما هو الاستغفار, فإننا سنجد الإجابة الجاهزة عند كثير منهم: الاستغفار صيغة استفعال من: غفر, والغفر في اللسان يدور حول الستر والتغطية, ومن ثم فالاستغفار طلب ستر الذنب وتغطيته.

فنقول: تعريف لغوي طيب, يُفهم منه أن الإنسان يطلب من الله أن يستر ذنبه! إلا أن هذا التعريف لا يشفي الصدور ولا يتفق مع الواقع, فهل الإنسان الذي يذنب ذنبا يدعو ربه لكي يستر ويغطي ذنبه! (فما الذي استفاده من تغطية الذنب فهو كما هو موجود؟!)

العجيب أن السابقين تجاوزوا هذه النقطة -وتبعهم اللاحقون – بحركة التفافية بسيطة ولم يشغلوا أنفسهم بها ولم يطيلوا فيها التفكر ليبينوا كيف ولماذا يطلب المذنب المغفرة, ومن ثم اكتفوا بأن قالوا –كما جاء عن ابن الجوزي- أنه تغطية الذنب بالعفو عنه!
وهكذا أصبح العفو هو الغفران –بقدرة بشر!!- وأصبحت التغطية هي المحو أو عدم العقوبة!! وهي معانٍ ومدلولات لا تتفق بحال مع المعنى الأصلي للكلمة, ومن ثم يظهر السؤال مجددا: ما المقصود بالاستغفار؟!

نقول: الاستغفار هو فعلاً طلب الستر والتغطية, والسؤال المحوري في هذه النقطة: بم تُستر الذنوب؟ هل تُستر الذنوب بغطاء يوضع عليها؟! بداهة لا, فهي أمر معنوي قبيح, ومن ثم فإنها بحاجة إلى أمور معنوية حسنة تسترها.

ومن ثم فإن الاستغفار هو إقرار من البشري أنه أتى أمراً قبيحا لا يريد له الظهور وإنما يريد له الستر, ويطلب إلى الله أن يستره له بأن ييسر له الأعمال الصالحة التي تواري هذا العمل القبيح فلا يظهر وينكشف ويُلصق به فيكون كالغصة التي تنغص عليه حياته, وكذلك التي تستره من نفسه فلا يكون ظاهرا أمامها تنازعه نفسه في العود إليه.

ومن ثم فالاستغفار هو نوع من قتل ومواراة الذنوب بالأعمال الصالحة, كما أن “الحسنات يذهبن السيئات” (واتبع السيئة الحسنة تمحها).

فإذا قارنا بين مدلول الاستغفار وبين ما يقوم به المسلمون وجدنا أن أكثرهم حول الاستغفار إلى نوع من الذكر, فيكرر بلسانه مرات عديدة: استغفر الله استغفر الله استغفر الله, وربما يستغفر في اليوم مائة مرة أو أكثر (وكنت أنا نفسي أفعلها), وذلك راجع إلى الروايات الواردة عن النبي والتي قالت أنه كان يستغفر في اليوم مقدار كذا وكذا.

وهذه الروايات لا حرج ولا إشكال فيها, وإنما الإشكال كله في فهم الاستغفار بأن يقال:
استغفر الله استغفر الله! إن هذا الفهم قريب ممن قال: سبح الله سبح الله, ردا على من قال له: سبّح الله!
إن من يقال له: احمد الله! لا يقول: احمد الله, وإنما يقول: الحمد لله, اللهم لك الحمد … الخ
وكذلك الحال في الاستغفار الأصل فيه أن يقول المرء: اللهم اغفر لي , غفرانك, وكما ورد في الحديث عن الرسول: “سيد الاستغفار أن يقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك على و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
فهنا نجد أن الاستغفار جاء بصيغة الدعاء: اغفر, وسُبق بالثناء على الله.
ولا يعني هذا أننا نقول أنه لا يمكن أن يقول المرء: استغفر الله, فهي مساوية لمعنى: اللهم اغفر لي.
إنما اعتراضنا على تحويل الاستغفار لذكر, فالاستغفار هو إقرار بذنب وطلب ستر, فهل الإنسان في حالة طلب المغفرة من البشري يقول له: اغفر لي اغفر لي اغفر لي اغفر لي اغفر لي اغفر اغفر اغفر!!

أم أنه يمهد بأعذار معلنا ضعفه ويثني على المستغفَر ويعد بعدم العودة إلى الفعل؟! وبدرجة أعلى يكون الحال مع الله, فالإنسان الذي أثقل الذنب قلبه يفيض لسانه بالتوسل إلى الله وبالثناء عليه وبالإقرار بالذنب وطلب المغفرة, بما يفتح الله عليه, مصحوباً بنداء القلب بما ينادي به اللسان.


ولهذا وجدنا أن استغفار بعض المذنبين من الصحابة كان بالأسحار, فالذنب لم يجعل أجفانهم تهنئ بالنوم وجعلهم يلجئون إلى ربهم قبل الفجر يسألونه المغفرة عما صدر منهم. والنبي الكريم كان يستغفر ربه مرارا وتكرارا عندما يرى من نفسه أنه غفل ولم يذكر ربه, وهو مقام رفيع للذاكرين المداومين على الاتصال بربهم, فيستغفرون من التقصير في المداومة على الطاعة, شعورا منهم بالتغيير الذي طرأ على قلوبهم.

والأكثرية الساحقة من البشر لا يرقون إلى هذه المرتبة العالية في الذكر والقرب من الله, ومن ثم ينحصر استغفارهم في كلمات يلوكونها بألسنتهم ولا تمس شغاف قلوبهم, لذا نقول:
نحن لا ندعو الناس إلى أن يتركوا ذكر الله, فنحن ندعو دوما للثناء على الله الكبير المتعال وذكره بما هو له أهل, وأن يكون قلب الإنسان ولسانه رطبا دوما بذكر الله, وإنما دعوتنا هنا لأن يطابق اللسان حال القلب, فإن كنت في ندم فاستغفر داعيا الله أن يغفر لك متوسلا له بما يفتح عليك, شعرت بتقصير فاستغفر, وليكن استغفارك بأحسن الهيئات وأفضلها وأجودها وليس مجرد تكرار كلمة: استغفر الله!
غفر الله لنا ولكم وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وفضله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

2 تعليقان

  1. ربنا إن طبقت ذنوبنا ما بين السماء والارض لن يردنا اليأس عن توقع غفرانك ولن يصرفنا القنوط عن انتظار رضوانك تجاوز عنا يا كريم اللهم اغفر لنا ما أذنبنا في حق أنفسنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.