سورة الحديد والأمر بالإيمان والإنفاق

اختلفت كتب أسباب النزول في مكية السورة ومدنيتها, فقال الجمهور أنها مدنية, وقيل أن صدرها مكي وباقيها مدني أو فيها مدني! إلا أنه من خلال نظرنا في السورة رأينا أنها مدنية ومما تأخر نزوله في المدينة وأنها نزلت قبل سورة محمد (ثم وجدت بعض كتب أسباب النزول تقول أنها نزلت بعد سورة الزلزال وقبل سورة القتال “محمد”)

ففي تلك الفترة كان هناك استنفار للمؤمنين للإنفاق في سبيل الله في معركة ضد بعض أهل الكتاب “تبوك” (وهو ما ورد في بعض الروايات), وكان الناس في حالة عسر وضيق بسبب مصيبة نزلت بها قبلهم, وكان قد دخل في الإسلام بعض أهل الكتاب ظاهراً ولا يزال في قلوبهم بقايا من عدم إيمان بالرسول, فأنزل الله العظيم سورة الحديد آمرا هؤلاء بالإيمان التام بالرسول الأخير (كما آمنوا بمن قبله من الرسل) والإنفاق نصرة للدين (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه)

والاتصال بين السورة والسابقة لها جلي, فلقد قالت السورة الماضية باستمرار التكذيب وأنه لن ينقطع إلا عند وقوع الواقعة, وبينت السورة في آخرها أن المكذبين الضالين يتخذون كذبهم وسيلة للرزق, فيكذبون ويداهنون:

“أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)”

وهنا تأمر سورة الحديد بالإيمان والإنفاق, وكيف أن على الإنسان أن يؤمن ويصدق أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ومن ثم ينفق للدين ولا يخشى, فسيعوضه الله العليم في الدنيا قبل الآخرة!

وكما خُتمت الواقعة بالأمر بالتسبيح, تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى ” سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ….”
وكما خُتمت بالحديث عن مشهد التوفي وكيف أننا لا نملك إعادة النفس إلى الجسد, تأتي الآية التالية فتقول: ” لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بتسبيح الله وبالحكم أن له وحده الملك والإحياء والإماته وأنه عليم وقدير على كل شيء وأنه بصير وعليم بكل ما يصدر وإليه ترجع الأمور وأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل (إشارة إلى ما يعتري القلوب) وأنه عليم بذات الصدور.

وبعد هذه المقدمة التي تذكر بعلم الله وإحاطته يأتي الأمر بالإيمان بالله والرسول والإنفاق معرفا أن من آمن –حقا- وأنفق له أجر كبير, وتتساءل السورة:
ما المانع لكم من الإيمان والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم (فهؤ ربكم أهل الكتاب فلم يأمركم بالإيمان برب آخر) الذي أخذ ميثاقكم (وأهل الكتاب والأنبياء هم من ذكر الله أنه أخذ ميثاقهم) إن كنتم مؤمنين. وهو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور, لذا فما لكم لا تنفقون ولله ميراث السماوات والأرض, -وإن كان لا يستوى السابقون باللاحقين ولكلٍ الحسنى-

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)

ثم تحس السورة على الإنفاق بالقول أن هذا قرض لله فمن ذا الذي ينال هذا الشرف وله المضاعفة والأجر الكريم يوم ترى المؤمنين ..
يوم يطلب المنافقين إلى الذين آمنوا الانتظار ليأخذوا من نورهم فيقال لهم ارجعوا فيفصل بينهم بسور, وعندما ينادونهم يردون عليهم بأنهم فتنوا أنفسهم وغرتهم الأماني (لا يعلمون الكتاب إلا أماني, ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ومأواكم النار (فإذا كان الحال أنكم ستتمنون الإنفاق لتنجوا أنفسكم في اليوم الآخر ولن يقبل منكم فلماذا لا تفدون أنفسكم في الدنيا بالإنفاق؟)

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)

ثم يسأل الله المؤمنين ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم في قسوة القلوب, ويأمرهم بالعلم أن الله يحيي الأرض بعد موتها (وكذلك يحيي القلوب), ثم يخاطب الله المؤمنين بأن المصدقين المقرضين منهم لهم المضاعفة والأجر الكريم, والذين آمنوا بالله ورسله (من أهل الكتاب) هم الصديقون والشهداء ولهم أجرهم ونورهم وأما الكفار المكذبون فلهم الجحيم.

ثم يأمر الله بالعلم بحقيقة الحياة الدنيا حتى لا يغتر بها أحد فتكون سببا في الإمساك والبخل, ثم يأمر الله بالمسابقة إلى المغفرة والجنة (بالإنفاق) ويذكرهم بأن أي مصيبة تنزل هي في كتاب قبل أن تُبرأ (وليس من قبل خلق السماوات والأرض) لكيلا يحزن الناس الحزن الشديد ولا الفرح المطغي بغير الحق فيؤدي إلى الاختيال والفخر, فأولئك الذين يبخلون ويأمرون بالبخل لا يحبهم الله وهو الغني الحميد

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

(ولا يعني أمر الله بالإنفاق أنه في حاجة إلى الناس فلو شاء لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) فهو أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد ليعلم من ينصره ورسله بالغيب, ولا يعني كون الإنسان من ذرية معينة أن يكون على صواب فكثير من ذرية هؤلاء الأنبياء فاسقون, ثم قفي على آثار هؤلاء الأنبياء السابقين بالرسل وبعيسى ابن مريم وجعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية (فهؤلاء زهدوا في الدنيا وتركوها كلها, وأنتم لا تؤمرون بهذا وإنما بالإنفاق فقط وعدم البخل) فمن آمن منهم أوتي أجره وكان كذلك كثيرُ منهم فاسقين

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

ثم تُختم السورة بالمحور الرئيس لها بأمر المؤمنين من أهل الكتاب بالإيمان بالله والرسول والقول بأنهم سيؤتون كفلين من رحمته ويجعل لهم نورا يمشون به ويغفر لهم والله غفور رحيم لأن أهل الكتاب لا يعلمون أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله وهو ذو الفضل العظيم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

وبعد أن بيّنا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة ندعوه لأن يعيد قرائتها مجددا على مرة واحدة فسيرى فيها اتصالا بديعا وسيفتح الله عليه فيها بإذنه ما لم نذكر نحن إنه هو الفتاح العليم, والحمد لله رب العالمين.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.