“الفرقان” أم ضلال السبيل؟

نواصل تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بفضل الله وفتحه لسورة الفرقان, فنقول:

سورة الفرقان سورة مكية نزلت بعد بدء تشريع الأحكام, والتي تمسك بها المؤمنون وأعرض عنها الكافرون, والذين اعترضوا على -اسم الله: الرحمن, الذي لم يكونوا يعرفونه ورموه بالعجز –زاعمين أن آلهتهم ستنصرهم-, ورموا الرسول بالضلال والإضلال

(ويبدو أن أحد أقارب الرسول كان عنصرا رئيسا في محاربة الدين والرسول في تلك المرحلة). كما كان المشركون غير راضين بالوحي كبرهان أول على كون الرسول من عند الله وطالبوه بأن يقدم ما يثبت به ترفعه عن البشر, ومن ثم فيمكن قبوله كرسول, فطلبوا إليه أن يأتي معه ملك أو يلقى إليه كنز فلا يحتاج للاختلاط بالناس, فأنزل الله سبحانه سورة الفرقان ليبين لهم أن:

الرضا بالأدنى وضلال السبيل هو جزاء من يرفض نور الله, وهذا هو المحور الرئيس للسورة التي تدور في فلكه.

والسورة امتداد واضح لسورة النور, والتي بينت أن الوحي هو نور العقل, ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور, وأن الهداية في طاعة الرسول “وإن تطيعوه تهتدوا”

وهنا فصلت السورة فبدأت بالحديث عن الوحي, وأطالت في ذكر نماذج جلية لضلال سبيل المعرضين عن الوحي وكيف أنهم طلبوا الأدنى ورضوا به, (عترضوا على الرحمن ورضوا بأصنام وبشر, ولم يقتنعوا بالقرآن وطلبوا جنات وعيون ورضوا بالدنيا وضيعوا الآخرة)
ثم عرضت في ختام السورة لحال المهتدين بالوحي وكيف يتصرفون في حياتهم وما هي عاقبتهم في الآخرة.

والاتصال بين السورة والسابقة لها واضح, فلقد خُتمت سورة النور بقول الرب العليم: “أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور : 64]”
وبدأت سورة النور بالقول بأن الله تبارك وأن له ملك السماوات والأرض وأن القرآن أنزل بعلم الله وبالحديث عن تكذيب المشركين بالساعة.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت بهذه المعاني فنقول:
بدأت السورة بالثناء على الذي نزل الفرقان (الرحمن) على عبده (الذي هو بشر وليس ابنا له) ردا على من طلب الملَك كنذير مساعد للرسول بالقول أن الفرقان أنزل ليكون الرسول نذيرا للعالمين, فالرحمن له ملك السماوات والأرض وليس له ولد ولا شريك وهو الخالق وحده, إلا أنهم اتخذوا من دونه آلهة لا تملك شيئا, ولم يكن لهم رد على الفرقان –الذي ينذرهم عاقبة غيهم والذي جزموا أنه يصعب على بشر أن يأتي به- إلا أن قالوا أنه إفك أعانه عليه قوم آخرون! ورموا محمدا بأنه ينقل من كتابات السابقين.

فيؤمر الرسول بالرد قائلا أن الذي أنزله هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض وهو غفور رحيم يغفر أقوالكم وزوركم. واعترضوا على أن الرسول مثل الناس يأكل ويشرب بل ويتاجر, فهلا أنزل إليه ملك أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة, أما الظالمون المعاندون فرموا الرسول بالسحر!

(ولأن الله تعالى رد في أول السورة على مطلب الملك يرد هنا على المطالب المادية بالقول) أنه لو شاء جعل خيرا من ذلك للرسول, ثم يقول أن المسألة ليست اقتناع وإنما تكذيب بالساعة والله أعد لمن كذب بها سعيرا وعندما يصلونها سيدعون بالهلاك, فهل ذلك خير أم جنة الخلد, ويوم يحشرهم وتلك الآلهة التي يتوكلون عليها فيسألهم هل أنتم من أضلهم أم هم ضلوا السبيل؟

فتتبرأ الآلهة المؤلهة –من ملائكة وأنبياء- من هذا الضلال, وهنا لا يستطيع المشركون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب ولا الانتصار لأنفسهم لذا فمن يتجبر منكم فسيعذب فلا تظنوا أنكم بمنجى من العذاب, ثم يثبت الله الرسول بالقول أنك لست حالة استثنائية فكل الرسل قبلك كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق طلبا لاحتياجاتهم! لأنهم بشر يعيشون وسط بشر:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)

ثم تواصل الآيات عرض مطالب هؤلاء المتكبرين العاتين فتقول أن بعضهم طلب أن ينزل عليهم الملائكة أو يرون الله, ويوم يرون الملائكة لن يكونوا بشرى (وإنما نذر عذاب) وأعمالهم لن تنفعهم فستُضيع (لاحظ استمرار الحديث عن إحباط العمل والذي بدأ في النور: أعمالهم كسراب بقيعة … هباء منثورا)

بينما المؤمنون في أحسن حال, إن في ذلك اليوم الذي تُنزل فيه الملائكة سيكون الملك للرحمن وحده وهناك سيندم الظالم على ضلاله وإعراضه عن الرسول:

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)

ثم تعرض الآيات شكوى الرسول من إعراض قومه –المشركون- عن القرآن وهجره –وكيف أنه هناك دوما للأنبياء أعداء من المجرمين يصدون عنهم- والله هو الهادي, وأن عدم نزول القرآن جملة واحدة هو لمصلحتك ولمصلحة الدعوة
فإذا كانوا يضربون لك أمثالا فنحن نذكر لك فيه الحق والذين سيحشرون على وجوههم في الآخرة لا يمكن أن يكونوا أحسن عاقبة, فلقد آتينا موسى الكتاب –جملة واحدة- وجعلنا معه من يساعده, فدمرنا الذين كذبوهما, وكذلك الحال مع نوح وعاد وثمود وقرون كثيرة, ولقد ضربنا لهم الأمثال فلم يستجيبوا

ولقد رأوا قرية لوط المهلكة –القريبة منهم- ولم يأخذوا عبرة, وإنما أخذوا يرمونك بالضلال والإضلال وحين العذاب سيعلمون من الأضل سبيلا ولا يُهمك أو يغمك هؤلاء المعاندين فهم أضل سبيلا من الأنعام:

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)

ثم يذكر الله الرسول بنماذج من الإماتة والإحياء والنشور التي يجريها الله في الواقع, وكيف أن الله أجرى الماء في الواقع ليذكر الناس بالإحياء إلا أن أكثرهم كفروا
إن الأدلة على ذلك جلية ولا تحتاج إلى كثير رسل- ولو شاء الله لبعث الله في كل قرية لينذر فلا تسمع لمجادلات المشركين وجاهدهم بالقرآن, فالله تعالى جعل بحرين: عذب فرات (الوحي) وملح أجاج (الإفك والافتراء) وهما ممروجان إلا أنه قد جعل بينهما برزخا, فيظل كل واحد منهما مميزا

وكذلك خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا (لغيره, وليس: ذا نسب وذا صهر!! ولم يتركه حيوانا يضاجع أي أنثى تقابله وإنما هناك تنظيم للاختلاط بين الناس ونلاحظ استمرار الحديث عن البيوت والعلاقات الذي بدأ في سورة النور)

وعلى الرغم من أن الله هو الذي خلق هذا إلا أنهم يعبدون غيره, فلا تهلك نفسك عليهم فعليك البشارة والإنذار وقل لهم أنك لا تطلب منهم أجر إلا ممن شاء أن يتخذ سبيلا إلى الرحمن سبيلا, وتوكل على الحي الذي لا يموت –بينما ماتت آلهتهم أو لم تكن حية أصلا-
فهو الأدرى بذنوب عباده والذي سيحاسبهم عليها, والذي ينفرون أن يسجدوا له –بينما يقبلون أن يسجدوا لبشر ولحجر ولكواكب!!!-, تبارك الذي جعل في السماء بروجا وشمسا وقمرا وجعل الليل والنهار متتالين لمن أراد الذكرى أو الشكور:

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)

وبعد أن ذكر الله موقف المتكبرين العاتين تجاه الوحي يختم السورة بذكر العباد الذين خضعوا للرحمن –أولهم محمد الذين أنزل عليه الفرقان- والذين استجابوا لتعاليم ربهم وكيف أصبحوا يتصرفون تبعا لها (فأصبحوا يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم وليس أن تنزل عليهم الملائكة أو يروا ربهم),

وكيف ستكون عاقبة من يخالفها منهم -إلا من يتوب ويعمل صالحا- وكيف أنهم أصبحوا يعرضون عن هذا اللغو والزور –الذي يقوله المشركون تجاه الوحي- والذين يدعون الله أن يجعل لهم بيوتا صالحة, وسيكون جزاءهم الغرفة في الجنة فنعم المستقر والمقام.


ثم تختم السورة بخطاب المتكبرين أن الله لا يعبأ بهم لولا أنهم يُدعون إليه, فإذا كانوا كذبوا فسينزل بهم العذاب حتما:
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)

وبعد أن بينا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة والأجواء التي نزلت فيها ندعوه لقرائتها مرة واحدة فسيفتح الله عليه بفضله فيها ما لم نقله, إنه هو الفتاح العليم الكريم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.