حكم الإجهاض

سألني الأخ غسان غنفوف عن حكم الإجهاض قائلاً:
حكم الإجهاض هل هو فعلا حرام إلا في حالة الضرورة ؟ وكذلك كيف تحدد هذه الضرورة ؟ وهل يعتبر الإجهاض بمثابة الوأد في القديم ؟
أولا: ما هو الإجهاض:
إذا نظرنا في لسان العرب ألفينا بن منظور يقول:
«أَجْهَضَت الناقةُ: إِجْهاضاً، وهي مُجْهِضٌ: أَلقت ولدها لغير تمام،… وقيل: الجَهِيض: السِّقْط الذي قد تمَّ خلقه ونُفِخ فيه الروح من غير أَن يعيش، والإِجْهاضُ: الإِزْلاق، والجَهِيض: السَّقِيط» اهـ

إذا فالإجهاض أصلا هو إلقاء الحمل قبل أن يكتمل بدون تعمد, وهو من نسميه في لغتنا ب: “السقوط”, فيقال: “فلانة حامل وسقطت”, أي أنها نزل جنينها منها بغير عمد بدون أن يكتمل, إلا أن الإجهاض أصبح يُستخدم في تعمد إنزال الحمل قبل تمامه.

ثانيا: ما حكم هذه الفعلة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز إجهاضه بعد نفخ الروح فيه (أي بعد أربع أشهر من الحمل) ونعرض آرائهم حول هذه المسألة (منقولة من موقع إسلام ويب):

“الجنين بعد نفخ الروح فيه لا يجوز إجهاضه بلا خلاف، أما قبل ذلك ففيه خلاف، فجمهور أهل العلم على تحريمه ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من قال بالجواز لعذر، ومنهم من قال بالجواز مطلقا ،
ولعل القول بالجواز في الأربعين الأولى إذا كان هناك عذر ومصلحة هو الراحج، وتراجع الفتوى رقم: 8781 ، وإليك تفصيل أقوال أهل العلم من الموسوعة الفقهية قال :

في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح اتجاهات مختلفة وأقوال متعددة, حتى في المذهب الواحد ,
فمنهم من قال بالإباحة مطلقا, وهو ما ذكره بعض الحنفية, فقد ذكروا أنه يباح الإسقاط بعد الحمل , ما لم يتخلق شيء منه. والمراد بالتخلق في عبارتهم تلك نفخ الروح. وهو ما انفرد به من المالكية اللخمي فيما قبل الأربعين يوما , وقال به أبو إسحاق المروزي من الشافعية قبل الأربعين أيضا,
وقال الرملي: لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز قبل نفخ الروح . والإباحة قول عند الحنابلة في أول مراحل الحمل, إذ أجازوا للمرأة شرب الدواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة , وعن ابن عقيل أن ما لم تحله الروح لا يبعث, فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه. وقال صاحب الفروع: ولكلام ابن عقيل وجه.

ومنهم من قال بالإباحة لعذر فقط , وهو حقيقة مذهب الحنفية . فقد نقل ابن عابدين عن كراهة الخانية عدم الحل لغير عذر, إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمن لأنه أصل الصيد .
فلما كان يؤاخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها – من أجهضت نفسها – إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر , ونقل عن ابن وهبان أن من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ( المرضع ) ويخاف هلاكه, وقال ابن وهبان: إن إباحة الإسقاط محمولة على حالة الضرورة.
ومن قال من المالكية والشافعية والحنابلة بالإباحة دون تقييد بالعذر فإنه يبيحه هنا بالأولى , وقد نقل الخطيب الشربيني عن الزركشي: أن المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتب عليه الإجهاض فينبغي وأنها لا تضمن بسببه.
ومنهم من قال بالكراهة مطلقا . وهو ما قال به علي بن موسى من فقهاء الحنفية.
فقد نقل ابن عابدين عنه: أنه يكره الإلقاء قبل مضي زمن تنفخ فيه الروح; لأن الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة , فيكون له حكم الحياة , كما في بيضة صيد الحرم. وهو رأي عند المالكية فيما قبل الأربعين يوما , وقول محتمل عند الشافعية. يقول الرملي : لا يقال في الإجهاض قبل نفخ الروح إنه خلاف الأولى , بل محتمل للتنزيه والتحريم , ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه جريمة.

ومنهم من قال بالتحريم , وهو المعتمد عند المالكية. يقول الدردير: لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما , وعلق الدسوقي على ذلك بقوله : هذا هو المعتمد. وقيل يكره. مما يفيد أن المقصود بعدم الجواز في عبارة الدردير التحريم. كما نقل ابن رشد أن مالكا قال: كل ما طرحته المرأة جناية, من مضغة أو علقة, مما يعلم أنه ولد , ففيه الغرة وقال: واستحسن مالك الكفارة مع الغرة.

والقول بالتحريم هو الأوجه عند الشافعية ; لأن النطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق مهيأة لنفخ الروح. وهو مذهب الحنابلة مطلقا كما ذكره ابن الجوزي, وهو ظاهر كلام ابن عقيل, وما يشعر به كلام ابن قدامة وغيره بعد مرحلة النطفة , إذ رتبوا الكفارة والغرة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنينا, وعلى الحامل إذا شربت دواء فألقت جنينا.” انتهى

وبعد أن عرضنا آراء الفقهاء نقول:
كما رأينا فقد اختلفوا في حكم الإجهاض لغير الضرورة قبل أربعة أشهر من الإباحة إلى الكراهة بل وإلى الحرمة, أما بعد الأربعة فقالوا بالحرمة إلا للضرورة الشديدة, ومستندهم في التفريق في الحكم هو الحديث الذي يذكر نفخ الروح في الجنين, ومن ثم فبالروح أصبح هذا الكائن الحي إنسانا ذا حرمة!

ونحن نحكم بوضع هذا الحديث وكذبه*, فالجنين حي قلبه ينبض قبل الأربعة أشهر, وهو بذرة الإنسان, التي باكتمال نموها يصبح إنسانا.

ونتوقف مع هذه البذرة الإنسانية لنتساءل:
إذا كان لدي جماد –قطعة أثاث, لنقل: كوب أو علبة- ورميتها بلا مبرر في الطريق, فما حكم هذه الفعلة؟
بداهة هذه الفعلة تعد من الإسراف والتبذير, وهو أمر محرم, إلا أن الحرمة بسيطة لأن الأمر في نهاية المطاف أمر هين.

فإذا تركنا الجمادات وانتقلنا إلى كائن حي, وهو النبات, فإذا أنا حفرت بأصابعي وأخرجت نواة البلح من الأرض بلا مبرر أو اجتثثت نبتة نخلة بدأت تشق طريقها خارجة من الأرض, فهذا إفساد أأثم به, إلا أن الإثم لا يماثل بحال إثم قطع نخلة مكتملة ومثمرة.

ومن ثم فإن الإنسان ليس بأقل حال من الجمادات والنباتات, لذا فإن إنزال الجنين في أي مرحلة عمرية لغير الضرورة هو حرام لما فيه من الإفساد, وتزداد الحرمة كلما نمى الجنين وكبر.

ولاختلاف الحال بين الجنين غير المكتمل وبين الطفل الذي وُأد بعد ميلاده, لا يمكننا مساواة الإجهاض بالوأد كقتل لنفس -ولا يعني هذا أنه يخلو من الإثم-, فالذي ذكره الله في كتابه هو: الولد
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً [الإسراء : 31]
والولد هو ما وُلد وعاش! أما الجنين في بطن أمه فهو “جنين”, ومن ثم فإن حكمه غير حكم قتل المولود.

وعلى الرغم من رفضنا للحديث الذي يقول بنفخ الروح في الجنين, إلا أن هذه المرحلة العمرية –مرحلة الأربعة أشهر- تعد مرحلة فاصلة, حيث يمكن أن يُنزل الجنين قبل ذلك بقفزة أو بدواء أو ما شابه, أما بعد ذلك فتكون أعضاء الجنين قد اكتملت, ولا يمكن إنزاله إلا بتدخل جراحي قد يعمل على تقطيعه لإنزاله وتزيد المخاطر التي تتعرض لها الأم في حالة نزول الجنين أو موته.

بخصوص مسألة الضرورة من يحددها نقول:
من العسير جدا أن نجد امرأة تُقدم على إنزال جنينها من بطنها عبثا هكذا بدون سبب! ومن تفعل هذا فهي امرأة حمقاء يُشك في عقلها, ومن ثم فإن المألوف أن المرأة التي تقدم على هذه الفعلة ترتكبها لسبب من الأسباب, فما هي الأسباب والأحوال التي يمكن أن تُحسب كضرورة وما لا يمكن أن يُحسب؟

نقول: تختلف هذه من حالة إلى حالة, ولا يمكننا أن نذكر كل –ولا حتى جُل- الحالات الواردة في المسألة- لذا نقول أنها كلها تُحكم بقاعدة:
المفسدة الأكبر تُدفع بمفسدة أصغر.

ومن ثم فأحيانا تُصحب المفسدة الأصغر بإثم وأحيانا لا تٌصحب, ونوضح فنقول:
بينا سابقا أن إجهاض الجنين في أي مرحلة هو مفسدة وتزيد المفسدة بتقدم عمره, لذا فإذا كان هناك ضرر على صحة الأم وحكم الطبيب بأن الحمل سيضر بصحة الأم ضررا شديدا, فيجوز الإجهاض لدفع المفسدة الأكبر بمفسدة أصغر, وهنا لا إثم على المرأة لأن هذه العملية تُعد من باب التداوي.

وكذلك إذا اغتُصبت امرأة وحدث من هذا الاغتصاب حمل, ويترتب على إتمام هذا الحمل فضح لهذه المرأة ومعاناة نفسية طيلة عمرها لعدم تقدم الأزواج للمرأة وربما قد تسلك طريق الانحراف لإشباع احتياجاتها الجسدية, وكذلك معاناة الولد طيلة عمره من وصمه بأنه ابن زنا! فيمكن لها في هذه الحالة إجهاض الجنين, ولا تأثم في هذه الحالة, لأنه دفع لمفسدة ليس لها فيها يد.

أما إذا زنت العزباء أو المتزوجة –الغائب عنها زوجها-, واللتان ستتعرضان لنفس الفضيحة, أو المتزوجة الحاضر زوجها, إلا أنها ستلحق الولد بزوجها! وتحمله أعباء تربيته والإنفاق عليه, بل ويأخذ الولد ميراثا ليس له, فإن الإجهاض في هذه الحالة يُعد دفعا لمفسدة أكبر بمفسدة أقل, إلا أنه لا يخلو من الإثم, لأنها بفعلها الفاحشة باختيارها هي التي عرضت نفسها لهذا الموقف, ومن ثم تتحمل إثم فعلتها عند زناها وإثمها عند إنزال الجنين.

وتبقى الحالة الشهيرة موطن الجدال وهي حالة إنزال المتزوجين للجنين الذين يرون أنهم لن يقدرون على تربيته, فنقول:
إذا كان الدافع لذلك الجانب الاقتصادي فقط أو عدم الرغبة في إنجاب المزيد من الأولاد في هذه المرحلة الزمنية رغبة في وجود فاصل زماني معين بين الأولاد, أو عدم الرغبة نهائيا في مزيد من الأولاد والاكتفاء بالعدد الموجود–ومن ثم فإنه ليس لدى هؤلاء الوالدين عدد كبير من الأولاد- فإنه يُلحق بآية الإسراء الناهية عن قتل الأولاد خشية الإملاق, لأن الإنسان لا يعلم ماذا يكسب غدا وهو قنوط من رحمة الله, والإجهاض مفسدة حالية متيقنة, لظن متأخر, فيأثم من يفعلها, ولا يندرج تحت دفع المفسدة الأكبر بمفسدة أصغر.

أما إذا كان لدى الوالدين عدد كبير من الأولاد فإن الوضع يختلف في زماننا هذا, لأنه من المتيقن حتما أن الوالدين لن يستطيعوا أن يحسنوا تربية أولادهم ليخرجوا أفرادا صالحين نافعين لأمتهم ولمجتمعهم, فلم تعد التربية مجرد إطعام وكساء وإنما أصبح الأمر أعقد بكثير! ومن ثم فإن حلول ضيف جديد إلى الأولاد الموجودين فعلاً هو عبء جديد يضاف إلى أعباء الوالدين.

والوالدان هما اللذان يستطيعان البت في هذه المسألة, إلى أي حد سيحسنان أو يسيئان تربية هذا القادم الجديد وإعطاءه حقوقه عليهم, فإذا جزموا أنهما سيقصران تقصيرا شديدا في حقه, مما قد يُخرج إنسانا يفسد في المجتمع, ويحملون هم وزر عدم إحسان تربيته, فهذه أوزار كثيرة ستضاف إلى عاتقهم, ففي هذه الحالة يجوز لهم الإجهاض, أما إذا غلب على ظنهم أنهم ببعض جهد سيستطيعان ذلك فلا يجوز لهم هذا.

إذا وكما بينا, فالإجهاض حرام إلا لضرورة لما فيه من الإفساد والله أعلى وأعلم.


__________________________
* بينا سابقا أن الروح لا علاقة لها بعملية الحياة والموت وإنما بالعقل, وحدثت عملية “النفخ من الروح” -وليس: نفخ الروح, كما زعمت الروايات- مع الأجيال الأولى من البشر والتي اكتسبت بها العقل وتميزت بها عن باقي الحيوانات, وأصبح أولادهم كلهم يولدون مثلهم عاقلين. ويمكن الرجوع بهذا الشأن إلى موضوعنا حول الفرق بين الروح والنفس, أو إلى كتابنا: نشأة الإنسان.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.