ما هو اليمين؟ + هل هناك يمين لغو؟!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه, عن نموذج من نماذج الانزياحات الدلالية, وكيف أثر هذا الانزياح على فهم آيات في كتاب الله تعالى, ففُهمت على غير ما أراد وقال! وهذا النموذج هو كلمة “اليمين”, وفي أثناء تناولنا لها نذكر نموذجا آخر للأخطاء الاستعمالية ترتب على الانزياح الأول,
وهو القول بوجود ما يُسمى باليمين اللغو! فنبين أنه لا يوجد ما يسمى باليمين اللغو وإنما هناك لغو في اليمين! موضحين ما هو المدلول الرئيس للغو في اليمين في كتاب الله تعالى! وكيف أن المدلولات التي يمكن أن تُلحق به قد طغت عليه وأصبحت هي التفسير المعتمد للغو في اليمين! ونبدأ باسم الله:

إذا سألت أي عربي: ما هو اليمين؟ فغالبا ما ستكون إجابته واحدة اثنتين:
اليمين الذي هو عكس اليسار (بكل مدلولاته) أو هو الحلف أو القسم!

وإذا نحن نظرنا في الكتب اللغوية أو الفقهية بحثا عن مدلول كلمة اليمين, سنجد أنها تقدم العديد من المدلولات, منها:

أ) القوة: كما قال تعالي:{لأخذنا منه باليمين}[الحاقة: 45] أي بالقوة.
ب) اليد اليمني: ويطلق علي عضو اليد اليمين، لأنه أقوي في الغالب.
ج) الحلف: ويطلق علي الحلف اسم اليمين؛ لأن الناس- قديما- كانوا إذا تحالفوا علي شيء، أخذ بعضهم بيد بعض.ثم يُعلن الشيء الذي سيُفعل أو يُترك! كأنهم قالوا ، أننا قد وصلنا أمرنا ورهنَّا به أيماننا. وربما صرحوا بهذا المعنى كما قال جساس :
سأؤدي حق جاري ويدي رهن فعالي
د) البركة.
واليمين في الشرع: هي عقد يقوي به الحالف ما عزم عليه من فعل شيء أو تركه.

وبغض الطرف عن المدلولات الأخرى التي ذكروها لليمين, فإن الذي يهمنا, هو قولهم أن اليمين يُطلق على الحلف, لذا ننظر في الكتاب والسنة لنر هل أصابوا فيما قالوا أم جانبوا الصواب …؟!

إذا نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أن كلمة “أيمان” وردت فيه 36 مرة, كما نجد أن كلمة “يمين” وردت 23 مرة. وكلها تدور في فلك اليمين والذي هو بمعنى الجهة اليمنى, كما في قوله تعالى:

ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف : 17]
” أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل : 48]”
أو اليد اليمنى (وهي داخلة تحت جهة اليمين بداهة!), كما في قوله:
“يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ[1] فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً [الإسراء : 71]”
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ[2] فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً [النساء : 33]

وهذه الآيات لا يختلف على مدلول اليمين أو الأيمان فيها, وإنما الاختلاف في الآيات التي قالوا فيها أن اليمين بمعنى الحلف أو القسم, ونقول نحن أن اليمين هو معاهدة الشخص نفسه أو غيره[3] على فعل شيء أو تركه! ولكي يتأكد هذا اليمين فإن الشخص (أو كليهما) يقسم بالله عليه!

(وكما رأينا فاليمين هنا كذلك يشير إلى اليد, فالمتعاهدان يمدان يديهما لبعض, والعازم كأنما يمد يده لنفسه ليعاهدها على هذا الفعل)

لذا فإننا سنتناول أهم الآيات موضع الخلاف, لنبين للقارئ الكريم أن اليمين هو ما يُقسم عليه, لا أنه هو القسم أو الحلف, أي أنه هناك يمين بقسم وآخر بدون!

أول موضع ذُكر فيه الأيمان هو قوله تعالى:
“وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة : 224-225]”

فالله تعالى ينهانا عن أن نجعل القسم بالله (أو حتى الادعاء أن الله حرم هذا أو لا يريده) مانعا أوحاجزا[4] لأيمان الخير, التي عُزم بها أن يبر ويُتقى ويُصلح بها بين الناس!

والآية مثل قولي: لا تجعلني مثبطا لعزمك أن تصل رحمك وتساعد الفقير!
وعلى هذا فإن جملة “أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ” هي تحديد لنوع اليمين, فهناك أيمان كثيرة, فإذا كان اليمين من هذا النوع, أي أنه (عزم على) فعل بر أو على تقوى أو صلح, فإن القسم بالله على تركه –سواء كان بعد اليمين أو قبله- لا يعتد به, فالله لا يُتحجج به على فعل الشر أو ترك البر!

[1] ال: يمن كأصل لغوي يشير إلى الانسيابية والسلاسة والتمكن, فكأن اليمين هو الوجهة التي رُكبت عليها الأشياء, لذا فإن حركتها تبعا لهذا الاتجاه لا ثقل فيها ولا استصعاب, وإنما منسجمة مع الهيئة الأصلية (لاحظ أن يمن مكونة من: يم و: ن, و يم أصلا يدل على القصد والتوجه: فتيمموا صعيدا طيبا!,

والنون صوت يدل على الاختفاء والستر, فاليمن هو قصد وتوجه مستور! ولا يكون ذلك إلا إذا كان في قمة التوافق والانسجام مع ما حوله فلا يبدو أن يتحرك أصلا!) بخلاف الشمال الذي هو عكس اليمين, لذا فإن العرب تيّمنت باليمين وتشاءمت من الشمال (لاحظ: اليمن: محل البركة والشام: موطن “الشؤم”)

[2] اختلف المفسرون في توجيه هذه الآية اختلافا كبيرا واضطربوا فيها اضطرابا عظيما, -ويُرجع في ذلك إلى كتب التفسير- لذلك فإننا نقدم هنا باختصار فهمنا لها, وهو: لكل من الرجال والنساء جعل الله موالي (مثل من تبناهم الرجل ثم ألغي التبني أو تعاقد معهم على النصرة أو ….) تعاقد معهم الآباء أو الأقربون ثم ماتوا, أو تعاقدتم أنتم بأيمانكم معهم, فهؤلاء نعطيهم نصيبهم الذي حددناه لهم في تعاقدنا معهم ولا نستكثره عليهم!

[3] إذا قلنا أن اليمين يدل على المعاهدة والعقد فإن هذا يوضح لنا أصل مصطلح “ملك اليمين” والذي ورد في كتاب الله مرات عديدة, مثل قوله: ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ [النساء : 3]“, فهذا يوضح أنهن متمَلكات بعهود وعقود, لا أنهن يُتصرف فيهن تبعا لهوى المالك!

[4] عُرضة مثل قبلة وفرصة, وهي من الاعتراض, نقول: عرض لي عارض فمنعني أو فأخرني!

وكما رأينا من الآية الأولى فإن اليمين هو فعل من الأفعال, نهانا الله عن أن نجعل القسم بالله مانعا له! وهنا نتساءل:
كيف يكون القسم بالله عرضة للقسم بالله؟!! إن القسم بالله يكون مانعا لفعل الشيء أو حتى علة له, أما أن يكون القسم مانعا للقسم فهذا عجيب!

ولأن تركيبة الآية ليس مما يكثر استعماله على الألسنة فهمها المفسرون فهما مقلوبا! ومن ذلك ما ذكره الإمام الطبري في كتابه جامع البيان, فلقد ذكر لها تأويلا صحيحا إلا أنه لم يحسن توجيه هذا التأويل فقدمه مقلوبا!!:

“قال بعضهم: معناه: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: “عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك” – أو “قد حلفت بالله أن لا أفعله”، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله. حدثنا الحسن بن يحيى،
قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:” ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم”، قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يعتلّ بيمينه، يقول الله:” أن تبرُّوا وتتقوا” هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح، وإن حلفت كفَّرت عن يمينك وفعلت الذي هو خيرٌ لك. 
(…………) السدي:” ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس”، أما” عُرضة”، فيعرض بينك وبين الرجل الأمرُ، فتحلف بالله لا تكلمه ولا تصله. وأما” تبرُّوا”، فالرجل يحلف لا يبرُّ ذا رحمه فيقول: “قد حلفت!” ،

فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبَرَّه، ولا يبالي بيمينه. وأما” تصلحوا”، فالرجل يصلح بين الاثنين فيعصيانه، فيحلف أن لا يصلح بينهما، فينبغي له أن يصلح ولا يبالي بيمينه. وهذا قبل أن تنزل الكفَّارات.

(………….) وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير. (……)عن مجاهد في قوله: “ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم”، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس. فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله، وليدع يمينه. (…….)قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية، تأويلُ من قال: معنى ذلك :”لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس”

. (………) فمعنى قوله تعالى ذكره:” ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم” إذًا: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحنث في يمينه، وليبرَّ، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه. وترك ذكر”لا” من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، (!!!!)” اهـ

وكما رأينا فلكي يجعل الإمام الطبري الكلام في الآية تبعا لما يرى! جعل العرضة بمعنى القوة, ثم ادعى وجود “لا” محذوفة! أما نحن فنفهم الآية كما هي, بدون حاجة إلى اختلاق محذوف! والفارق بين ما نقول به ويقول الإمام الطبري أننا قلنا أن العرضة هي المانع, والإمام الطبري جعلها دافعا أو قوة مما اضطره إلى القول بوجود محذوف!

وبعد أن نهانا الله عن جعله عرضة للأيمان, يقول:
” لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَأَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ”
فيبين لنا أن العزم أو التعاهد على ترك الخير أو على فعل المعصية هو من اللغو في اليمين, وأن الله تعالى لا يؤاخذنا به, فليست العبرة بالعزم على الفعل أو الترك,
وإنما ما اكتسبه القلب من الفعل أو الترك! فعندما أفعل المعصية أو أترك الخير فأنا اكتسب إثما وتنكت في قلبي نكتة سوداء! فيكتسب القلب سوادا وظلاما, وبالبر والتقوى نورا وضياء! وهذا ما سيحاسبنا عليه الله!

ولو كان اليمين هو الحلف أو القسم لكان معنى هذا أنه لا حرج في العبث في اسم الله –تعالى الله عن ذلك- عند القسم به!!
وبما أن الله تعالى قال أنه لا يؤاخذنا باللغو في اليمين فإن هذا يعني أن هذا اليمين المذكور لا نؤاخذ به ولا كفارة له! ولو كان هناك كفارة لكان معنى هذا أننا مؤاخذون به!!

وعند نظري في كتاب الطبري لأبصر ما قاله الأقدمون, وهل قال به غيري, وجدت أن هناك من سبقنا إلى هذا القول, لذا نذكر للقارئ الكريم أهم ما ذكره الإمام الطبري عند تناوله لهذه الآية:
“عن أبي هريرة أنه كان يقول: لغو اليمين، حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك. (…..)

عن مجاهد:” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم”، حلِف الرجل على الشيء وهو لا يعلم إلا أنه على ما حلف عليه، فلا يكون كما حلف، كقوله:”إن هذا البيت لفلان”، وليس له = و”إن هذا الثوب لفلان”، وليس له. 
(……..) وقال آخرون: بل اللغو في اليمين: الحلفُ على فعل ما نهى الله عنه، وترك ما أمر الله بفعله. 
(…….)عن سعيد بن جبير قال: لغو اليمين: أنْ يحلِف الرجل على المعصية لله، لا يؤاخذه الله بإلغائها.
4438 – حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن سعيد بن جبير بنحوه = وزاد فيه، قال: وعليه كفارة.
(……..)(وهذه الزيادة غير صحيحة, فالوارد عن سعيد في كثير من المواطن أنه لا مؤاخذة ولا كفارة –عمرو-)
حدثنا خالد بن إلياس، عن أم أبيه: أنها حلفت أن لا تكلم ابنة ابنها – ابنة أبي الجهم – فأتت سعيد بن المسيب وأبا بكر وعروة بن الزبير فقالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها. 
(……) أخبرنا داود، عن سعيد بن جبير قال في لغو اليمين قال: هي اليمين في المعصية، قال: أو لا تقرأ فتفهم؟ قال الله  لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ ) [ سورة المائدة: 89 ] ، قال: فلا يؤاخذه بالإلغاء ، ولكن يؤاخذه بالتمام عليها. قال: وقال:” لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم” إلى قوله:” فإنّ الله غفور حليم”
( …….) عن الشعبي، عن مسروق، في الرجل يحلف على المعصية، فقال: أيكفِّر خُطوات الشيطان؟ ليس عليه كفارة.
4448 – حدثني ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثل ذلك.
عن الشعبي، في الرجل يحلف على المعصية، قال: كفارتها أن يتوب منها.
4450 – حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي أنه كان يقول: يترك المعصية ولا يكفر، ولو أمرتُه بالكفارة لأمرته أن يَتِمّ علىقوله 4451 – حدثنا يحيى بن داود الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر، عن مسروق قال: كل يمين لا يحلّ لك أن تفي بها، فليس فيها كفارة.
(………) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رَحِمٍ فلا يمينَ له” .
4453 – حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمينِ قطيعةِ رحم أو معصية لله، فبِرُّه أن يحنَث بها ويرجع عن يمينه.” اهـ
وكما رأينا فهناك من سبقنا إلى القول بأن لا كفارة في يمين ترك الخير أو فعل المعصية!

ونلاحظ فيما ذكره الإمام الطبري أن السابقين كانوا يقولون: “اللغو في اليمين” أو “لغو اليمين”, والجملة الثانية وإن كانت قريبة المعنى من التي ذكرها القرآن, إلا أنها ليست هي, فكان أن قلبها المتأخرون, ضعاف الملكة اللسانية, فجعلوها: “يمين لغو” (ربما تأثرا ب: اليمين الغموس, على الرغم من أن هذا وصف لأثر اليمين, فهو يغمس صاحبه, لا أنه في ذاته غموس!!)

وهكذا تُدرج في الابتعاد عن المصطلح القرآني حتى غُير تماما, وأصبح حاله مثل الجملة القادمة:
أبيح لكم الكتابة في الآلة!
هو يبيح لنا كتابة الآلة!
هو يبيح لنا آلة الكتابة!
(بعد أن كان المباح هو الانتفاع (الكتابة في الآلة), أصبحت العين (الآلة) نفسها مباحة, فمن الممكن أن يكسروها أو يبيعوها أو يفعلوا ما يحلو لهم بها!!!!)
ولقد حاول الكافرون محاربة القرآن باللغو فيه:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت : 26]
بأن يُقَوّلوه ما لم يقل, وأن يقولوا عليه الأباطيل التي لا ينبغي لها أن تكون فيه!

وكذلك اللغو في اليمين, فيُفترض في من يعاهد عهدا أو يعزم عزما أن يكون ذلك في الصالح النافع, أما أن أعزم وأعاهد على الضر أو ترك الخير أو حتى في التافه الحقير فهذا لغو لا يُعتبر ولا يؤاخذ به الإنسان, لأنه كلام ساقط!
فإذا نظرنا في السنة وجدنا الحديث الذي رواه أبو داود عن عمران بن حصين أن النبي قال: “من حلف علييمين مصبورة كاذبًا، فليتبوأ مقعده من النار”

وكذلك الحديث الذي رواه ابن ماجة والترمذي عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أن رسول الله قال: “من حلف علي يمين، فقال: (إن شاءالله) فلا حنث عليه”
فنجد في الحديثين أن هناك حلف على يمين!! وهنا نسأل:
هل يكون الحلف على الحلف أم على الشيء؟! إن المعنى الواضح من الحديث أن من حلف على شيء فقال إن شاء الله فلا حنث عليه!
ولست أدري كيف يوجه القائلون بأن اليمين هو الحلف أو القسم هذا الحديث؟!!

إذا وكما رأينا فالله يمكن أن يكون عرضة لليمين! وهو ينهانا عن ذلك, كما أن الله لا يؤاخذنا باللغو في اليمين, كما أنه من الممكن أن يُحلف على اليمين! فهل بعد هذا كله من الممكن أن يكون اليمين هو القسم أم ما قلنا؟!!!

فإذا تركنا آية البقرة وانتقلنا إلى آية المائدة, نجد أن الله تعالى يقول فيها أيضا أنه لا يؤاخذنا باللغو في الأيمان ولكن يؤاخذنا بما عقدنا الأيمان, ونذكر للقارئ الكريم الآية في سياقها:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ
لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 87-89]”
وكما لاحظ القارئ الكريم, فالله تعالى ينهى المؤمنين عن تحريم الطيبات ويأمرهم بالأكل مما رزقهم, ثم يبين أنه لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم!

يُفهم من هذا أن تحريم الحلال أو تحليل الحرام هو أيضا لغو (كما رأينا في البقرة أن الحلف على ترك الخير لغو) لا يؤاخذنا الله عزوجل به, لأنه كلام ساقط, وإنما يؤاخذنا الله بما عقدنا الأيمان ثم خالفناها بعد ذلك, وتكون الكفارة هي ما ذكر الله عزوجل!

إذا فالله عزوجل لا يؤاخذنا بسقط الكلام (باللغو) وإنما بالمحكم منه, وهذا فضل منه وكرم, وبذلك نفهم قوله تعالى للنبي الكريم في سورة التحريم:
“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:1- 2]”

فالله عزوجل يعاتب النبي على استمراره في تحريم ما أحل الله من أجل مرضات أزواجه, على الرغم من أن الله قد فرض للمسلمين التحلل من أيمانهم إذا كانت لغوا, فلماذا الاستمرار في التحريم؟!

(لاحظ أن الله تعالى لم يقل:يا أيها النبي لم حرمت؟ لأنه لا يؤاخذنا باللغو في اليمين, ولو قال له لذلك لآخذه! كما نلاحظ أن الله تعالى قال: فرض الله لكم تحلة, ولم يقل: فرض عليكم! ولا يمكن أن تكون كفارة اليمين بحال للإنسان وإنما هي عليه, لأنها ليست إعفاء وإنما تكليف, أما التحلل من اللغو في الكلام وعدم الالتزام به فهو للإنسان!)

وإضافة لما قلناه سابقا, نسأل هنا: كيف نعقد الأيمان, إذا كانت بمعنى الحلف بالله؟! كما نلاحظ أن الله تعالى قال: ” ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ”, وهذا يعني أن هناك أيمان بدون حلف!! –كما قلنا سابقا!- وهذا يعني أن ما قلناه هو الصحيح, وأن قولهم أن اليمين بمعنى الحلف أو القسم غير صحيح!

وأعتقد أن فيما ذكرنا الكفاية والغناء لمن يريد التأكد من أن اليمين غير القسم أو الحلف! وأن القسم على المعصية أو ترك الخير هو من اللغو في اليمين وأن الإنسان لا يؤاخذ به!

وقبل أن نختم الموضوع نذكر آيات أخر تبين أن اليمين غير القسم:
“وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [المائدة : 53]”
فهؤلاء أقسموا بالله جهد أيمانهم, فهذا دليل على أن القسم بالله هو غير اليمين, فهنا كان القسم بالله جانبا كبيرا من الأيمان, فلا يمكن أن يكون اليمين هو القسم

والآية الثانية هي قوله تعالى:
“وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة : 12]”
فهل ينكث الإنسان قسمه بالله, أما ينكث ما عاهد عليه؟ فلقد عاهد مثلا على عدم القتال لعشر سنين, ثم قاتل, فهنا نكث ما عاهد عليه, وليس أنه نكث قول: والله!

وما قيل في الآيتين يقال في قوله تعالى:
“وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْالأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل : 91]”
فبم أوكد الأيمان إذا كانت هي القسم؟! يفترض في القسم أن يكون هو المؤكِد! فإذا احتاج إلى تأكيد لا يكون مؤكِدا!!

بهذا يظهر لنا كيف أن فهم مصطلح اليمين, لم يكن دقيقا, وكيف أن متأخري السابقين! قد أزاحوه إلى شيء مرتبط به وهو القسم!
كما قلبوا اللغو في اليمين فجعلوه بمعنى اليمين اللغو, وهمشوه في معنى فرعي وهو أن يصل الإنسان كلامه بقوله: والله, مثل: لا والله, نعم والله وهكذا, وغفلوا عن المعنى الرئيس للغو وهو اللغو!! أي سقط الكلام, وأسقط الكلام هو ترك الخير أو تحريم الحلال وتحليل الحرام, وهو ما تجاوز عنه المولى وأحله لنا, وإن كان أمرنا أن نحفظ أيماننا! فلا نطلقها لكل تافه مستحقر!

هدانا الله وإياكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!




عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.