هل الرهان في المسابقة من الميسر؟!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الرهان, والذي يفتي جل الأخوة المشتغلين بالدعوة -إن لم يكن كلهم!- بتحريمه بجميع أصنافه! وبمعنى أدق يدخلون فيه ما ليس منه, ثم يلحقونه به.

والحق يقال أني كنت منهم, تقليدا لما قرأناه وتعلمناه في كتب الفقه في الأزهر الشريف, إلى أن توقفت ذات مرة وسألت نفسي بعد إجابتي لسائل حول الرهان, ما هو الدليل على التحريم ولماذا يحرم أصلا؟!

فلما نظرت في المسألة وفي الأدلة التي يستدلون بها, ظهر لي أن مستندهم في هذه المسألة غير قويم, وأن ما قاله الإمام ابن القيم في هذه المسألة, وطمر بين صفحات الكتب, هو الأقرب إلى الصحة والصواب.

ونبدأ بعرض الأدلة التي استندوا إليها في تحريمهم للرهان, ونرد عليهم, مسئنسين بما ذكره ابن القيم في المسألة, -حتى لا يقال أن هذا مما لم تأت به الأوائل!-, مظهرين أن المسألة مما تعارف عليها الناس بلا مستند صحيح من النقل أو العقل, ونبدأ باسم الله وعليه الاتكال:

استند المحرمون للرهان إلى قوله تعالى:
“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ….. [البقرة : 219]”
وإلى قوله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 90]”
واعتبروا كل رهان ميسر! وعلى هذا الأساس قاموا بتحريمه!

ولكي يتكون عندنا تصور جيد للمسألة نعرف القارئ, كيف كان الميسر في زمان رسول الله عزوجل, والذي كان الشكل الأول الذي أسقط عليه التحريم, ومن خلال هذا التعريف سيعرف القارئ ما هو الأصل اللغوي لهذه الكلمة.
ونذكر ما قاله الإمام الفخر الرازي عند تناوله لآية البقرة, والذي ينقل فيها بدوره عن الإمام الزمخشري!, فيقول:

“المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر؛ فنقول:
الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه ؛أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره ،

وعن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.
وثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام، يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجازر، لأنه يجزىء لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور. وثالثها : قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة .

وأما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف»: كانت لهم عشرة قداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة، وهي: المنيح والسفيح، والوعد، ولبعضهم في هذا المعنى شعر:
لي في الدنيا سهام … ليس فيهن ربيح
وأساميهن وغد … وسفيح ومنيح

فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “ إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم “

وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه.” اهـ

وكما رأينا من خلال ما ذكره الإمام الفخر فإن الميسر يدل على التجزئة والتسهيل! وكما يبدو من صورته فإنه متعلق بلعب ومقامرة, يفوز فيها الإنسان بلا جهد منه, ويخسر الآخر بلا جريرة, فالأمر كله حظ في حظ!

ولا اعتراض منا أو مخالفة على تحريم القمار, وإنما الكلام على ما يسمى بالمراهنة في المسابقات! وهو –مثلا- أن يتراهن اثنان, بأن يخرج كل منهما قدرا, فأيهم سبق الآخر أو حمل وزنا أثقل من الآخر أو فاز بأي شكل كان, حصل على المبلغين.

والأخوة الملتزمون الذين يمارسون الرياضة يفعلون نفس الفعل, لما في هذا الأمر من تحفيز وتشجيع للممارس ليبذل أقصى جهده ليتغلب على خصمه, إلا أنهم ليتجاوزوا التحريم –المفترض!!- يقومون بإدخال ما يسمى “المحلل”, وهو شخص يدخل المنافسة بدون أن يدفع شيئا, فإن فاز أخذ, وإن لم يفز لم يغرم شيئا!

والعجيب أن هذا الفعل هو أيضا من باب التحايل (مع مراعاة أن الحكم أصلا غير محرم), إلا أنهم يتقبلونه ولا يرون في هذا حرجا, ثم يتشددون عند أنواع التحايل الأخرى ويرفضونها مثل محلل الزواج!

ولست أدري ما الفارق بين الاثنين, حتى يُقبل هذا ويرفض ذاك؟! أليس كلاهما تحايلا؟! ولكن لما كان هذا العنصر محمسا ضروريا وكانت المسألة في رأيهم هينة, فهي متعلقة باللهو واللعب, فتقبلوا المحلل هنا ورفضوه في غيره!

فإذا رجعنا إلى أصل كلمة “الميسر” في اللسان عرفنا أن هذا الصنف لا يدخل فيها بأي حال, فالإنسان لم يكسب هذا المال بالحظ والآخر لم يخسر كذلك صدفة, وإنما كسب الكاسب بجده واجتهاده, كما أن الغرض منه التشجيع على فعل حسن وهو تقوية وتحسين صحة الإنسان, كما أنه لا مبرر لوقوع العدواة والبغضاء في قلب الخاسر في هذا الأمر, لأن الفائز فاز بجده واجتهاده وليس ب “رمية زهر”, فهو مستحق للفوز.

فهذا الفعل من باب الشروط المعلقة على أمر جائز, والله تعالى يقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ … [المائدة : 1]
والرسول الكريم يقول: “المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا”, ولا حرمة في أن يأخذ المجتهد مكافأة على اجتهاده!

والثابت من فعل الرسول الكريم والصحابة الأخيار أنهم كانوا يتسابقون ويراهنون على ذلك, ولا يرون في هذا أي حرج, فلقد روي أن الرسول الكريم راهن على فرس يقال له (سبحة) فسبق الناس فهش لذلك وأعجبه, وكذلك كان الصحابة يفعلون!

وأما مسألة المحلل هذه فمأخوذة عن عن سعيد بن المسيب, ولم تعرف عن الصحابة ولا التابعين ولا عن النبي الكريم! وإنما قال بها سعيد تورعا, وخوفا من أن يكون هذا الأمر تابعا للرهان!
والعجيب أن اتبع سعيد وترك فعل النبي الكريم!!

ولقد فصل الإمام ابن القيم في هذه المسألة ورد على المخالفين بالعقل والنقل في كتابه الفروسية, ومما قاله في الرد عليهم بشأن اشتراط المحلل:

“بل دخول المحلل بينهما يضرهما ولا ينفعهما فهو لم يزدهما إلا ضررا فإنه إن سبقهما أكل مالهما وإن سبقاه لم يأكلا منه شيئا وأما إذا لم يدخلاه فإنه أيهما سبق صاحبه أخذ ماله وإن لم يسبق أحدهما الآخر أحرز كل واحد منهما مال نفسه وهذا أعدل لأن الغالب يأخذ بعمله والمغلوب يغرم لأنه بذل المال لمن يغلبه وأما المحلل فإنه إن كان غالبا غنم وإن كان مغلوبا سلم وصاحب المال إن كان مغلوبا غرم قالوا فمقتضى القياس فساد العقد بالمحلل”

ولقد استند القائلون بالمحلل إلى رواية ضعيفة مروية عن ابن عمر, تقول:
“عن ابن عمر: أن النبي سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا وجعل بينهما محللا وقال لا سبق إلا في حافر أو خف أو نصل”
والرواية ضعيفة ولا يصح الاستدلال بها, ولقد رد الإمام بن القيم على المستدلين بالرواية, فقال في كتاب الفروسية أيضا:
“وأيضا فلو كان هذا من حديث ابن عمر لكان مشهورا, فإنه لم يزل السباق بين الخيل موجودا بالمدينة وأهل المدينة يحتاجون فيه إلى فتوى سعيد بن المسيب حتى أفتاهم في الدخيل بما أفتاهم فلو كان هذا الحديث صحيحا من حديث ابن عمر لكانت سنة مشهورة متوارثة عنهم ولم يحتاجوا إلى فتوى سعيد ولم يقل مالك لا نأخذ بقول سعيد ابن المسيب في المحلل ولا يجب المحلل, مع أن مالكا من أعلم الناس بحديث ابن عمر, ولم يذكر عنه في المحلل حرفا واحدا فكيف يكون هذا الحديث عند عمرو بن دينار عن ابن عمر ثم لا يرويه أحد منهم وينفرد به من لا يحتج بحديثه, وأيضا فلا يعرف أن أحدا من الأئمة احتج بهذا الحديث في المحلل لا الشافعي ولا أحمد ولا أبو حنيفة ولا غيرهم ممن شرط المحلل؟!!!” اهـ

ثم فصل الإمام بن القيم في أنواع المسابقات, فقال:
“المغالبات ثلاثة أقسام قد تقدم أن المغالبات ثلاثة أقسام قسم محبوب مرضي لله ورسوله معين على تحصيل محابه كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنشاب وقسم مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبههما وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك.

فالنوع الأول يشرع مفردا عن الرهن ومع الرهن ويشرع فيه كل ما كان أدعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومن الآخر وحده ومنهما معا ومن الأجنبي وأكل المال به اكل بحق ليس أكلا بباطل وليس من القمار والميسر في شيء.
والنوع الثاني محرم وحده ومع الرهن وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء كان من أحدهما أو من كليهما أو من ثالث وهذا باتفاق المسلمين غير سائغ .
أما النوع الثالث وهو المباح, فإنه وإن حرم أكل المال به, فليس ذلك لمفسدة فيه أو لحرمته, بل لأن تجويز أكل المال به ذريعة إلى اشتغال النفوس به, واتخاذه مكسبا خاصة وهو من اللهو الخفيف على النفوس, فتشتد رغبتها فيه, فأبيح في نفس لأنه إعانة وإجمام للنفس, وراحة لها, وحرم أكل المال به, لئلا يتخذ عادة وصناعة” اهـ

وبهذا كله يثبت لنا أن الرهان حول المسابقات من المتسابقين, لا حرج فيه لأنه جعل على جهد, (أما من غيرهم فهو فوز وخسارة بدون أي فعل فهو ميسر ولا تدخل الجوائز المرصودة بداهة في باب الرهان!), ولا حاجة للمتسابقين إلى المحلل لأنه تحايل, وثبت عن النبي الكريم خلافه, وروي عن الصحابة الأبرار أنهم كانوا أعف من أن يشترطوا الدخيل (المحلل),
ويستحب أن يكون الرهان على مبالغ مناسبة للمجهود المبذول, حتى لا تتحول المسابقة إلى صنعة وتجارة مستقلة يحترفها بعض الأفراد للتكسب والعيش!
هذا والله أعلى وأعلم!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.