الحسن والقبح!

قد يبدو الاسم غريبا بعض الشيء للقارىء الغير متخصص, و قد يتسائل: ما دخل الحسن والقبح في العقيدة؟[1]
نقول: هذه المسألة التي قد لا يعرفها القارىء أو يراها هينة, تلعب الدور الرئيس في مصير كل إنسان, فهذه المسألة هي التي تحتم مصيره في الآخرة.

فمن المعلوم أن الله لما خلق الخلق, أرسل إليهم الرسل لإرشادهم, فمن آمن وعمل صالحا دخل الجنة ومن كفر فهو في النار, ولكن ما الحكم فيمن لم يصله الرسول أو الرسالة؟

هل يكفي عقله في معرفة الأمور الحسنة والطيبة في الحياة فيلزم نفسه بفعلها, والأمور الخبيثة فيترفع عنها؟
وإذا كان الحسن والقبح يميزان بالعقل, فهل يعنى هذا أن الإنسان سيحاسب على الأشياء, التي ارتكبها ويعلم أنها قبيحة فيدخل النار, ويُثاب على الأشياء الحسنة التي فعلها فيكون في الجنة؟ أم أنه لا بد من وجود الرسالة؟

والمعنى المراد من هذا المصطلح في هذا المبحث هو أن الحسن كون الشيء متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا, و القبيح كون الشيء متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا.

ويترتب على هذه المسألة أمور كثيرة في حياتنا, أهمها بالنسبة لنا كمسلمين: ما هو مصير من لم تبلغه رسالة الإسلام؟
و الذي أراه و أسمعه من كثير من المسلمين عند الحديث عن غير المسلمين, أنهم يصبرون أنفسهم بأن لنا الآخرة وإن كان لهم الدنيا! فهم كفار ونحن مسلمون, إذا هم في النار ونحن في الجنة.

ولكن لا بد للمسلم كمسلم أن يسأل نفسه: لم يدخل هذا الكافر النار؟
فمن المعروف أن الكافر لا يكون كافرا إلا إذا بلغته الرسالة ثم أنكرها وردها, أما في واقعنا المعاصر فنحن لم نبلغ الرسالة ولم نعرف الناس بالإسلام, فهل ينتظر المسلمون من غير المسلمين أن يدخلوا في الإسلام لمجرد أنه الإسلام؟
ماذا أريناهم من تعاليم ديننا حتى نقنعهم بالدخول في الإسلام؟

نحن لم نرهم ما يقنعهم بالدخول في الإسلام, بل أريناهم ما يمنعهم ويصدهم عن الدخول
في الإسلام,[2] والإسلام يُعرض عرضا مشوها لغير المسلمين, فما حكم هؤلاء يوم القيامة؟ هل سيدخلهم الله النار لأنهم لم يدخلوا في الإسلام؟ وكيف سيحاسبهم على سيئاتهم التي ارتكبوها بجهلهم؟ هل سيعفوا عنها أم سيكون مصيرهم النار؟

ونبدأ بعرض الأقوال في مسألة الحسن والقبح :
اختلف العلماء في مسألة الحسن والقبح هل هما عقليان أو شرعيان:
فيرى الأشاعرة أن الحسن والقبح لا يثبتان إلا بالشرع, فحسن الفعل ينشأ من أمر الشارع به وقبحه ينشأ من نهي الشارع عنه, فإن الفعل ليس به صفة محسنة أو مقبحة, لذا بداهة فلا عقاب على من لم تصله الرسالة .

ويرى المعتزلة أن الحسن والقبح عقليان, يثبتان للفعل لذاته أو لصفة من صفاته, فالحسن كون الفعل بحيث يحمد فاعله عاجلا ويثاب آجلا, و القبيح كون الفعل بحيث يذم فاعله عاجلا ويعاقب آجلا, ويكون هذا في المعاملات مع الناس طبعا, أما العبادت الشعائرية فلا يعرف العقل كيف هي إلا بأمر من الشارع , فيحاسب الناس على فعلهم القبيح و إن لم يكن هناك رسل .

ويرى بعض الأحناف و بعض المالكية و بعض الشافعية وابن القيم: أن الحسن والقبح عقليان, وأن الحسن ما كان حسنا لذاته أو لصفة من صفاته, والقبيح ما كان قبيحا لذاته أو لصفة من صفاته, ولكن التكليف لا يكون إلا بعد البعثة, فلا عقاب بدون إرسال رسل.

وكما نرى فقد قام الرأي الثالث بعمل خليط من الرأيين السابقين , وخرج بما مفاده أن الحسن والقبح عقليان –كما يقول المعتزلة-, ولكن لا عقاب لمن لم يأته رسول –كما يرى الأشاعرة-.

إذا وبعد أن عرضنا هذه الآراء للقارىء, نسأله:
ماذا ترى في من لم يصلهم الإسلام أو لم يسمعوا عنه إلا سمعا مشوها ساذجا؟!
هل ترى أنهم سيحاسبون على ما اقترفوه و كانوا يرونه سيئا؟

بمعنى أن الأوروبي مثلا لا يرى أن النوم مع الصديقة أو شرب الخمر قبيحا, ولكنه يرى أن السرقة والكذب والخداع والغش والاغتصاب والقتل قبيحا, فهل سيحاسب على ما رأه قبيحا فقط؟ أم سيحاسب على الاثنين؟ أم ترى أنهم كفار, ولا يعني عدم وصول الإسلام إليهم شيئا فلقد كان ينبغي عليهم أن يبحثوا عن الدين الحق؟

[1] يُطلق الحسن والقبح على معان أخرى منها: الملاءمة للغرض والمنافرة منه, وهو بهذا المعنى نسبي فمثلا ضربي زيدا حسن لي قبيح لزيد, ويطلق بمعنى صفة الكمال والنقص.

[2] سمعت هذا من بعض من أسلموا من الغربيين, أنهم كانوا يبحثون عن الدين الحق, وكانوا يبحثون في كل الأديان فلا يجدون ضالتهم, ثم في نهاية المطاف يقرأون عن الإسلام, لما للإسلام من سمعة وسيرة!! عندهم بسببنا.

نترك إجابة هذه الأسئلة للقارىء, ونعود إلى موضوعنا ونقول:
الذي نراه أقرب إلى الصواب من هذه الآراء هو الرأي الثالث, لأن القول بأن الشيء لا مدلول محدد له إلا بعد مجيء الأمر من الشارع فيصير حسنا أو قبيحا قول أحمق, فمن المعروف أن أول الأدلة هو العقل, وبالعقل يعرف الإنسان صدق الدليل أو كذبه, فالمجنون مثلا لا تكليف عليه,

و الكافر يدخل النار لأنه كفر بالقرآن مع ظهور استحالة كون القرآن من عند غير الله عقلا, فلو لم يكن هذا الأمر في غاية الوضوح لما أدخل أحد النار, وكيف ينكر أن يكون الحسن والقبح عقليين؟! ألا يعرف الإنسان بدون أي شرع الفرق بين البول والماء الزلال وبين الدم والعصير, وبين القيح وأشهى الطعام, بداهة يدرك أي إنسان عاقل الفرق بين النوعين, والله عزوجل قال في كتابه الكريم في نبيه:

“يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ [الأعراف : 157] “

فلو لم يكن المعروف عقلا معروفا, والمنكر عقلا منكرا والطيبات عقلا من الطيبات والخبائث عقلا خبائث, لكانت هذه الآية بلا معنى, إذ يكون معناها “يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم بما ينهاهم عنه” وهذا لا معنى له, ولقد سُئل بعض الأعراب “بما عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه, ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به”,
والله تعالى يقول
“وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً [الإسراء : 32]” ,

فكيف لا يكون القبح عقليا؟
والله يعلل النهي عن الزنا بأنه فاحشة وساء سبيلا, و هذا ما لا بد من إدراكه عقلا.

أما أن الثواب والعقاب لا يكون إلا بشرع فأدلته كثيرة منها “مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء : 15]”, وقوله تعالى “كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك : 8] “ , وقوله تعالى “رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء : 165]”, وكثير غيرها من الآيات.

فهذه الآيات الواضحة الدلالة على أن العذاب في الآخرة لا يكون إلا بعد إقامة الحجة على الخلق, حتى لا يتحجج أحد يوم القيامة.

والذي أراه في هذه المسألة أن في الأمر تفصيل أكبر من ذلك, فهناك أمور سيسأل عنها الإنسان عقلا, و أهمها بداهة الإله, وهناك أمور سيحاسب عنها شرعا.
والذي نراه أن آيات ضرورة الرسل تكون في المشركين أي من يشرك مع الله فيتخذ معه الشريك أو يعبد أشياءا أو مظاهر الطبيعة و يرى أنها تقربه إلى الله, فهؤلاء من لا بد من إقامة الرسل لهم حتى لا يتحججون يوم القيامة, أما الملحدين وعباد الأصنام أو الحيوانات أو الطبيعة ذاتها فهؤلاء في النار. فمن المسلم به أن من أنكر وجود الإله وإن لم يأته رسول فهو في النار, لأن هذا من المسلمات العقلية. ومن عبد الأصنام فقط أو قدسها, فهو في النار. ومن قال أن الله تجسد فهو في النار,
” َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة : 72] “

وهنا نسأل السادة العلماء: ما حكم من قال أن الله اتخذ ولدا؟ ولم تصله الرسالة التي تقول له أنك على ضلال ؟
فلقد وجدنا أن الله تعالى يقول في حق هؤلاء ” لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة : 73] “

فوصف هؤلاء بالكفر وتوعد الكفرة منهم بالعذاب الأليم, فما حكم الغافلين منهم؟
نترك الإجابة للسادة العلماء ولقلوب القراء و عقولهم.
أما من عبد الأصنام أو مظاهر الطبيعة وهو يعتقد أنها تقرب إلى الله, ولم يأته رسول أو تصله رسالة, فهذا نعتقد أنه من الناجين, أما أن يعبد أصناما كأصنام فهذا ما لا يقبل أن يدخل الجنة.

فهذا إما حيوان أو أنه يعبد هواه, وكلاهما ممن ذُرأ للنار, فالله عزوجل يقول “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف : 179] ” , ” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية : 23]” .

فهؤلاء في النار بسبب رضاهم بالعيشة الدونى عن الحيوان.

إذا فهناك من قال أن الحسن والقبح شرعيان ولا عذاب إلا بعد إرسال الرسل, وهناك من قال أنهما عقليان والعذاب يقع ولو لم يكن هناك وحي, وهناك من قال أنهما عقليان ولا عذاب إلا بعد الوحي, وأنا فصلت فقلت هناك أمور يعاقب عليها الإنسان وإن لم يكن هناك وحي, وهناك أمور لا يعاقب عليها الإنسان إلا بعد إرسال الرسل والله أعلم.

ونسأل المسلمين مرة أخرى :
هل تعتقدون أنكم أقمتم الحجة الشرعية على غير المسلمين أم أنكم صددتم عن سبيل الله؟
وهل تعتقدون أن كفرة الأزمان الغابرة سيدخلون الجنة, طالما لم يرسل إليهم رسول أو تكن هناك رسالة, وأن كفرة هذه الأيام سيدخلون النار؟ .
فتفكر عزيزي القارىء في هذه المسائل وانظر, هل ستكون ممن فازوا في الدارين الدنيا والآخرة, أم من الخاسرين فيهما؟
أم سترضى أن يفوز الآخرون بالدنيا ويكاتفونا في الجنة, فيكونوا ممن أفلح في الدارين و نكون نحن ممن بقي في الخائبين الخاسرين الراضيين بالذل والهوان؟!
هدانا الله وإياكم لما فيه خير الصواب والسلام عليكم ورحمة الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.