سيدنا داود والخصم !

استكمالا لتفنيد الإسرائيليات المتعلقة بالأنبياء نتناول اليوم إسرائيلية شهيرة وهي قصة سيدنا داود والخصم المتسورين ! وعلى الرغم من أن عامة المتدينين الآن يعرفون أنها إسرائيلية مدسوسة إلا أنا نتناولها لنوضح أن النص القرآني نفسه حام بفساد هذه الرواية , إلا أنه لما لم يكن يلتفت تمام الالتفات إلى النص ظهرت هذه الروايات وانتشرت وقبلت ووجد من يدافع عنها ويبررها, والآن إلى تحليل هذه الآيات التي ذكرت القصة, وهي قوله تعالى:
وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص : 21, 22]


فإذا نظرنا في كتب التفاسير نجد أنه قد وردت العديد من الروايات و التي مفادها أن سيدنا داود عليه السلام كان متزوجا بتسع وتسعين امرأة – تصور ! – ثم رأى امرأة وهي تستحم !! فأعجب بها فزنى بها وفي بعض الروايات أنه لم يزن بها ولكنه سأل عن زوجها فعلم أنه في الجيش فوضعه في مقدمة الجيش وكان يغلب على من يكون في المقدمة أن يقتل , أو أمر الجيش بأن يتأخر عنه ويترك وسط الأعداء ليقتل, وفعل هذا لكي يتزوجها ( وهذه الروايات هي عينها ما وردت في التوراة بالنص) فجاءه هذان الملاكان في صورة هذين الشخصين ليمتحناه وليبينا له قبح فعله .


و للأسف الشديد نجد أن هذه الرواية منتشرة انتشارا كبيرا بين عوام الناس على الرغم مما فيها من التشويه الكبير لسيرة الأنبياء عامة وللنبي داود خاصة فيها , و على الرغم من أن القصة تعارض عصمة الأنبياء معارضة شديدة فقد قبلها بعض المفسرين ونشرها الوعاظ بين الناس , ويبدو أن هذه القصة التفسيرية ذات الأصل التوراتي كانت منتشرة في أيام سيدنا علي رضي الله عنه فلذلك روي عنه أنه قال ” من حدث بحديث داود كما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ” .
وهذه الروايات وأمثالها من أكبر الأدلة على أن السادة المفسرين الأفاضل ما كان يفسرون النص مع وجود الرواية بل يغضون الطرف تماما عما يقوله النص ما دامت هناك رواية في تفسير النص ولو حتى كانت هذه الرواية حديث خرافة , ولننظر نظرة سطحية للنص بدون تأمل ولنرى بوضوح تهافت هذا التفسير الأسطوري وتعارضه الجلي مع الآيات :
الآية في بدأها تسأل النبي(ص)و كل المؤمنين هل وصل إلى علمك نبأ ” الخصم ” ؟ وكلمة ” الخصم ” أصل في وجود خصومة ولست أدري كيف تلغى ويجعل الخصمان ملاكيين لم يكونا خصميين , إذا فهذا أول اختلاف مع النص .


ونلاحظ أن النص يتكلم عن خصومة بين جماعتين وليس فردين حيث قال ” وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب “, وقال ” خصمان بغى بعضنا على بعض ” , فلو كان الخصمان شخصين فكيف يبغي بعضهم على الآخر هل بغى ذراع أحدهما على رجل الآخر ؟ هذا ما لا يصح أو يقبل .
فالنص يقول ” خصم ” والتفسير يقول : لا ليسا خصمين بل ملائكة يدعون الخصومة وكالعادة قدم التفسير الغريب المشوق وأهمل النص !!


بعد ذلك يوضح النص بما لا يدع مجالا للشك أنهما كانا خصمين بشريين عاديين بقوله “ إذ تسوروا المحراب ” , فعندما جاء الخصم إلى محراب سيدنا داود ووجدوه مغلقا تسوروا أي صعدوا على السور لكي يدخلوا إلى سيدنا داود ويعرضوا مسألتهم عليه , فلو كان الخصم اثنين من الملائكة فلِما تسوروا المحراب وكان يمكنهما أن يظهرا أمامه مباشرة ؟!
ثم إنهم دخلوا على داود ولم يظهروا أمامه! ثم عرضوا مسألتهم والتي هي على أقوال المفسرين غير حقيقية ولم تقع أساسا وإنما هي افتراضات! أي أنهم لم يبغو على بعض ولم يكن لأحدهما تسع وتسعون نعجة ولا لآخر نعجة واحدة! ولم يطلب هذا إلى ذاك ضك نعجته إلى نعاجه !!


ولا حاجة لنا إلى هذه الترهات التي وردت في كتب التفسير , ويمكننا فهم الآيات من النص نفسه بلا صعوبة , و سنجد أن الفهم لا يتعارض مع عصمة الأنبياء , فنقول : هل أتاك نبأ الخصم الذين جاءوا إلى داود في المحراب فوجوده مغلقا فلم يرغبوا في العودة فتسوروا المحراب – ولا يهمنا لم كان المحراب مغلقا فمن الممكن أن داود كان يرتاح في هذا الوقت فأغلق المحراب أو أنه كما روي قسم أيامه فكان هناك يوما للعبادة لا يقضي فيه لأحد وفي هذا اليوم جاء الخصم, ما يهمنا أنه كان مغلقا – فلمّا رأهم داود عليه السلام فزع منهم , وما أن استمع لمقولة الأول حتى حكم في المظلمة .


أما الغرض من هذه القصة :
فيمكن أن يكون أمور عدة , منها : لفت الحاكم إلى عدم التسرع في الحكم , فلقد حكم داود عليه السلام دون أن يسمع من الاخر , لذا يجب على الحاكم أن يسمع من الطرفين المتخاصمين قبل أن يصدر الحكم .
و منها لفت الحاكم إلى عدم الاحجتجاب عن المحكومين , فها هو سيدنا داود يلام على كونه احتجب عن الرعية مما اضطرهم إلى التسور , فهذا ما لا يقبل من الخليفة حتى ولو كان بحجة العبادة كما روي , بل يجب أن يكون مع الرعية دوما فالفصل في مصالح الناس وقضاء حوائجهم أفضل من العبادة لأن نفعها للعابد فقط , والله أعلم .
غفر الله لنا الزلل والخلل .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.