الحج عن الغير !

يعد الحج من فرائض الإسلام وأركانه الخمس الواردات في الحديث الشريف ” بني الإسلام على خمس …. ” وأحكام الحج مبسوطة ومنثورة في كتب الفقه ولكنا نتوقف هنا لنناقش مسألة واحدة وهي مسألة الحج عن الغير ,

فهل يجوز أن يحج إنسان عن أخيه المسلم ؟ نجد أن السادة الفقهاء يجيبون أنه يجوز بشرط أن يكون هذا الحاج قد حج عن نفسه قبل ذلك ! ونتوقف لننظر في كتاب الله تعالى لنر هل يقول ذلك أم أن هناك قول آخر ؟

إذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أن الحج مذكور كفريضة معلقة على حالة معينة
وهي حالة الاستطاعة لا أنه واجب في كل حال , فنجد أن الله تعالى يقول ” فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران : 97]

فهذه آية واضحة وصريحة في أن الحج على الاستطاعة , أما الآية التي يستخرج منها أن حج البيت فرض وليس مكتوب فهي قوله تعالى ” فمن فرض فيهن الحج “ على من استطاع إليه سبيلا ,

والاستطاعة كما قال الفقهاء استطاعة مادية أي القدرة على تكاليف السفر , واستطاعة جسدية أي القدرة على آداء مناسك الحج , وهذا الكلام الذي قلناه متفق عليه .

ولكن عند التطبيق وجدنا أن السادة الفقهاء يقولون شيئا آخر تماما , وهو أنه يجوز للإنسان أن يحج عن غيره , ويستدلون على ذلك بما رواه البخاري :
” 1720- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ “اهـ

وبما روي عن ابن عباس ! أن النبي الكريم سمع رجلا يطوف قائلا : ” لبيك عن شبرمة ” فسألة من شبرمة فقال ك قريب لي , فسأله : هل حججت عن نفسك ؟ قال : لا , قال : فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة “

والغريب أنه روي عن ابن عباس أنه لو حج الإنسان عن غيره فلا يصح عن نفسه ولا عن الغير !

ويحق لنا أن نعجب من هذا المسلم المسمى شبرمة كيف يبعث من يحج عنه بدون أن يسأل عن هذا الحكم ؟ إن الرسول موجود وهناك من الصحابة من ينقلون الأحكام منه فكيف يأتي هذا المسلم بهذا العمل بدون أن يسأل عن حكمه الشرعي ؟!!!

وهنا نسأل : لقد حج الرسول الكريم حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة والرسول الكريم قال فيها للناس : خذوا عنى مناسككم ! وهنا نسأل : هل نذرت هذه المرأة أن تحج قبل الإسلام أم بعده , وإذا كان بعد إسلامها فهل نذرت أن تحج قبل أن يفرض الحج ؟ أم بعد أن فرض , فإذا كان بعد أن فرض فهذا بداهة كان قبل أن يحج الرسول الكريم ! فكيف يقوم المسلمون بعمل لما يعمله الرسول الكريم بعد ؟

ونحن نقول هذا الحديث واجب الرد , فالله قال ” لمن استطاع إليه سبيلا “ , فإذا كانت هذه الأم ماتت قبل أن تستطيع الحج فلا شيء عليها وهي ليست مدينة بشيء بل هي مبرأة تماما , أما إذا كانت تستطيع الحج ولم تحج حتى ماتت فهي آثمة .

طبعا سيقول المثبتون للحديث : هذه المرأة من النوع الثاني , فهي مدينة وابنتها تحاول أن تقضي الدين عن أمها .
نقول : هذا معارض لقوله تعالى ” و َأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم : 39]
, فهل هذا من سعي الإنسان ؟!
بداهة ليس هذا منه , فهذه المرأة ماتت عاصية , فعليها ذنب فهي التي تكاسلت ! وإذا فتح هذا الباب لاستطاع الأغنياء أن يسقطوا عنهم كل ذنوبهم فيوصون أو يدفعون لمن يصلي أو يصوم أو يحج عنهم بعد مماتهم , وبداهة هذا مرفوض

, ولقد روى عن الإمام مالك في موطأه ” حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَيَقُولُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ” ثم كيف يقبل أن يوكل في العبادة التي لا تجب إلا على المستطيع ولا يقبل أن يوكل في العبادة الواجبة وجوبا عينيا على كل إنسان ؟!

والرسول نفسه حدد ما يمكن أن يصل الإنسان بعد وفاته فقال في الحديث الذي رواه الترمذي ” 1297- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ “
فهذه الأعمال كلها داخلة تحت ما يعمله الإنسان في حياته , ودعاء الولد الصالح كان بسبب تربيته له , واقتصر على الدعاء فقط فقد يقبل هذا الدعاء أو يرفض فلا يزيد حسناته , أما الحج أو الصوم أو الصلاة عن الغير , فهذا ما لا يصح ولا يجوز , والله أعلم .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.