حد الردة بين التخصيص والتعميم

من أهم ما امتاز به الإسلام ولا يزال يتميز به عن باقي الأديان والمذاهب الفكرية الوضعية , إقراره بالحرية الدينية في أعلى وأسمى معانيها ,
فهو يعلم أن مسألة التدين من أهم احتياجات الإنسان الأساسية الرئيسة ( سنناقش هذه المسألة عند مناقشتنا لسورة قريش إذا شاء الله تعالى ) , وهي مسألة قلبية محضة ,
فلا  ينفع فيه أي إكراه أو جبر , فمن الممكن أن أؤلف في دين قصائد مدح وأنا لا أومن به قلبا ولا قالبا وإنما هو قول باللسان , 
ولأن الإسلام هو الدين الرباني فقد أطلق للناس حرية الإيمان بمن وبما يشاؤون وحسابهم عند ربهم يوم القيامة , واكتفى بدعوة الناس إلى الإيمان بالله من خلال رسالة الإسلام ,

 
وعلى الرغم من أن الدخول في الإسلام واتباع منهجه كفيل بوصول البشرية إلى أعلى درجات التطور العقلي والعلمي ولكن الإسلام لم يأخذ ذلك حجة لإجبار الناس على الدخول فيه , كما دعى بعض الكتّاب الأمريكيين المعاصرين إلى إجبار المسلمين على الدخول في النصرانية لأنهم غير قابلين للتحضر بسبب الإسلام !!! ( وأكمل أنت عزيزي القارئ علامات التعجب إلى نهاية الكون فالنصرانية – تصور – دين يساعد على التطور والتحضر ! )

لذلك نبدأ اليوم في مناقشة مسألة حد الردة الموجود عند المسلمين , فكثير من غير المسلمين يقولون أن الإسلام لم يكفل حرية التدين بشكل كامل بدليل وجود حد الردة الذي يجبر الناس على عدم الخروج من الإسلام والتحول منه , ونحن لا يهمنا أن يقول الغربيون ما يقولون ولكنا نتساؤل فعلا , هل لدينا في الإسلام فعلا ما يسمى بحد الردة , أم أن الأمر كان من السياسة الشرعية للنبي المصطفى بوصفه قائد المسلمين ؟

يرى عامة المسلمين أن المسلم لا يُجبر غير المسلمين على الدخول في الإسلام , ولكن إذا دخل غير المسلم في الإسلام فليس له التحول عنه , فإذا ارتد أقيم عليه الحد فيقتل .

و من المعروف والمسلم به عند كل المسلمين – ما عدا القرآنيين – أن مصدر التشريع هو القرآن والسنة , 
وترى فرقة أهل السنة فقط أن السنة تستقل بتشريع لم يأت في القرآن , أما باقي الفرق فترى أن السنة لا تشرع بالوجوب أو الحرمة إلا إذا كان لهذا الحكم أصل في القرآن ,

ولقد تعرضنا لهذه النقطة في كتابينا ” لماذا فسروا القرآن , وعقائد الإسلاميين ” وأثبتنا فعلا أن السنة لا تشرع بالوجوب والحرمة إلا ما له أصل في القرآن , أما الاستحباب والكراهة فمن الممكن أن تزيد السنة في ذلك مقتفية الأثر القرآني سائرة على خطوطه العريضة , فليراجع.

وعلى الرغم من ذلك فلن نناقش هذا الحكم انطلاقا من هذا الأصل , بل سنناقش المسألة من خلال الأدلة الواردة فيها سواءا كانت كتابا أو سنة !

ونبدأ بعرض الأدلة الواردة في هذه المسألة من الكتاب ثم السنة , فإذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى باحثين عن دليل واحد يتعلق بحد الردة لم نجد أي دليل صريح أو حتى بالإشارة إلى هذه المسألة , وإنما وجدنا الكثير من الآيات التي تتحدث عن الحرية الدينية عامة بدون أي تخصيص لمن دخل في الإسلام أو لم يدخل !

إذا فلا دليل في الكتاب على هذا الحكم وإنما هناك حرية كاملة للتدين وللكفر ! نعم , هناك حرية في كتاب لله تعالى للإيمان وللكفر والكافر الذي يكفر حسابه على الله تعالى , ونذكر للقارئ الكريم هذه الآيات :
وعمدة الأدلة الواردة في الباب هي قوله تعالى ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256] “

فهذه الآية صريحة في أنه لا إكراه في الدين فمن يؤمن يؤمن ومن يكفر يكفر , لأن الرشد قد تبين من الغي . والسادة القائلون بحد الردة يقولون : ليست الآية على عمومها وإنما المقصود منها فقط عدم إكراه الناس على الدخول في الإسلام , أما الخروج منه فمخصوص بالسنة التي وضحت وجود حد فيه !

ونرد عليهم :
 الملاحظ أن الآية واردة بالصيغة الخبرية وليست بصيغة الأمر , فلم تقل ” لا تكرهوا ” مثلا , فإذا قلنا أن هناك تخصيص في الآية من الرسول أو من خلافه لكان معنى هذا كذب الخبر الوارد في الآية , أي أن الله يقول : لا إكراه في الدين في الإسلام , ثم يكون هناك إكراه في الدين في الإسلام !فعلى قولهم تكون الآية كاذبة , ومعاذ الله أن تكذب أخبار الرحمن .

إذا فالآية تفيد الأمر على عمومه , فهي ليست في صنف دون صنف وإنما هي في كل الأصناف , والآية التالية تثبت ذلك , ففيها يقول الله تعالى ” ال
لّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 257] “

فهنا يتكلم عمن يخرج من النور إلى الظلمات وهذا حتما يدخل فيه المرتد , فما كان من الله عزوجل إلا أن عقب عليه بقوله “ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ “

ثم إن الروايات الواردة في مناسبة – وليس ” سبب ” – نزول الآية أتت بالعموم , فقالوا في ذلك : : ” عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الانصار تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت النضير كان فيهم من أبناء الانصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” . و قال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من الانصار كان له غلام أسود يقال له صبيح، وكان يكرهه على الاسلام.

وقال السدى: نزلت في رجل من الانصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصينرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اطلبهما، فأنزل الله عز وجل – لاإكراه في الدين – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعدهما الله هما أول من كفر 
فهذه الرواية توضح أن الرسول اكتفى بالدعاء على المرتد فقط , ولم يأمر بأي فعل آخر , وفيها دليل على وجود روايات في السنة توافق ما نقول به , حيث يظن الأخوة أن كل الروايات الواردة في السنة متضافرة على قتل المرتد .
فهذه رواية موافقة للآية لم يأخذوا بها لتعارضها مع ما يقولون ونظرا لأن الرواية الثالثة تؤيد هذا الفهم والقول , تفضل السيد مؤلف كتاب أسباب النزول بالتوضيح أن هذا كان قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب فقال “ وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال أهل الكتاب، ثم نسخ قوله – لا إكراه في الدين – وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. ” اهـ

ولست أدري حتى على فهمه , ما العلاقة بين قتال أهل الكتاب وإجبار الناس على عدم العودة إلى الإسلام , و على حد علمي لم يوجد أي عالم يقول أنه يجب على المسلمين إجبار أهل الكتاب على الدخول في الإسلام ,
وبطبيعة الحال أهملت الرواية الأخيرة كسبب نزول ولم يسمع عنها أحد وصار المشتهر من الروايات هو الرواية الأولى والثانية لأنها توافق الرأي الذي قال به الفقهاء من وجوب قتل كل مرتد 

أما منطوقها فمخالف لهم , فحتى الروايات الواردة في أسباب النزول أهمل جزء منها ,- طبعا هي موجود في الكتب ولكن لا يشار إليها فأنا مثلا لم أسمع بهذه الرواية عندما كنت صغيرا – كأن النص القرآني ينقصه التخصيص .


فهذا الفهم المعتمد على بعض الروايات الواردة في سبب النزول يؤدي إلى القول بتخصيص النص القرآني وهذه طامة عظمى , أن نخصص ما عممه الله .

والنظرة المحايدة في الآية تقول بما نقول به , فالآية تقول ” لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي “ , فيفهم منها أنه لا إكراه في الدين بأي شكل من الأشكال , فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ,

فليس لنا أن نكره الناس على الدخول في الإسلام , كما في الرواية الثانية عن مجاهد , وليس لنا أن نحولهم من دين إلى دين , وليس لنا أن نردهم إلى الإسلام إذا ارتدوا عنه .



قد يقول قائل: هذه الآية تحدثت فقط عن عدم الإكراه في الدين فأين الآيات التي تتحدث عن حرية الكفر؟
نقول : إقرأ الآيات القادمة وأخبرني ماذا فهمت منها :
” وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 217] “
فالمتأمل في هذه الآية يجد أنها وحدها كافية لنسف ما يسمى بحد الردة المزعوم , فالله تعالى يقول فيها : ” وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ” , وعلى الرغم من أن القرآن بليغ لا يحتاج إلى أي توضيح إلا أن أصحاب الفكر المسبق لا يرون إلا ما حُفّظوه ولُقنوه ,

لذا فنحن نقول : الآية تقول من يرتدد منكم عن دينه ويظل على ردته هذه حتى يموت فيمت وهو كافر فيحبط عمله . فإذا كان هناك حد للردة فكيف تقول الآية ” فيمت ” ؟! , فإذا كان هناك أي عقوبة للردة لقال الله تعالى ” ومن يرتدد منكم عن دينه فاقتلوه , أو ” فيقتل أو يقص وهو كافر فأولئك …. ” ولكن الملاحظ أن الله تعالى يتحدث عن إنسان يرتد ويعيش على ردته حتى يموت , فأين حد الردة إذا ؟!

فإذا نحن قصدنا آية أخرى وجدنا أن الله تعالى يقول فيها : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة : 54] “ , فلم نجد أن الله تعالى يأمر بقتله وإنما تحدث عن قتال , وسنعود إلى هذه الآية عند الحديث عن الأحاديث التي أمر الرسول المصطفى فيها بقتل المرتد !

وفي آية أخرى يقول الله تعالى و َمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران : 144] , فمن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وليس له عقاب دنيوي أما الشاكرين فسيجزيهم الله خير الجزاء .

ثم نأتي إلى الآية الحاسمة في هذا الباب وهي قوله تعالى “ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً [النساء : 137] “

و تأمل في آية النساء المذكورة هذه عزيزي القارئ , فستجد أنها تذكر أن هناك أناسا ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا , و لو كان هناك ثمة عقوبة للمرتد لما حدث هذا , فكيف يحدث هذا ولا يقام عليهم الحد , ولكن لما كان هناك حرية دينية في الإسلام فقد دخل بعض ضعاف النفوس في الدين ثم خرجوا ثم عادوا فدخلوا ثم خرجوا فتوعدهم الله بالعذاب في الآخرة , ولم يذكر لهم أي عقاب دنيوي والعجيب أن السادة المفسرين عند تناولهم لهذه الآية غفلوا أو تغافلوا عن صراحتها في إبطال حد الردة فلم يوضح لنا أحدهم كيف تؤمن طائفة ثم تكفر ثم تؤمن ثم تكفر ولا يقام عليها الحد !.

هذه الآيات التي ذكرناها تثبت عدم وجود أي حد للردة المجردة , أي أنه لا عقوبة ولا حد على من دخل في الدين ثم خرج فقط والعقوبة تكون عند الله تعالى في الآخرة , ونذكر للقارئ بعض الآيات الأخرى التي تؤيد هذا الأمر :
” َقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً [الكهف : 29] “

ولست أدري كيف يقول الله تعالى ” ومن شاء فليكفر ” ثم يكون هناك حد للردة في الدنيا , كأنك تقول لي : إذا أردت أن تعصيني فأنت حر , ولكن إذا عصيتني فسأضربك حتى أوجعك ! فهل أنا حر فعلا في عدم الطاعة ؟! الآية صريحة في أن من يرتد حر في الدنيا يفعل ما يحلو له وعقابه عند الله في الآخرة .

” وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران : 72] “
فلو كان هناك حد للردة فكيف يقولون ذلك , أما علموا أنهم لو فعلوا لقتلوا ؟! ولكن لما كان هناك حرية في الإيمان والكفر صدر منهم هذا القول .
” لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ “
” َلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس : 99] ” فإذا كان هناك حد للردة أليس هذا نوع من الإكراه ؟!
“َفذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ “
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة : 119]
َّمنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء : 80]
َقالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود : 28]
فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران : 20] “

فكيف يأمر الله تعالى بإكراه الناس على البقاء في الإسلام وهو ينكر هذا الأمر على لسان نبيه نوح ! وما فائدة بقاء هؤلاء الذين لم يعودوا مؤمنين بالإسلام ظاهريا على الإسلام ,

لقد وضح القرآن أن من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فلا حرج عليه , أفنفعل نحن نفس الفعل ونكره الناس وقلوبهم طافحة بالكفر ؟! وما فائدة الإيمان الظاهري ؟! 

أم أن ديننا دين هش لا أسس له , فإذا نحن لم نجعل حدا للردة فسيتفلت منه الناس جماعات وفردانا ؟!!! ( العجيب أن صديق لي عند مناقشته في هذه المسألة عندما لم يجد أي فائدة لهذا الحد المزعوم , ما كان منه إلا أن قال : لو ألغينا حد الردة لارتد الناس ! وضع ما يحلو لك من علامات التعجب والإنكار ! )

إذا فالقرآن تحدث عن المرتد ولم يذكر له عقوبة دنيوية ولكن توعده بالعذاب في الآخرة , ولكنا نجد أن هناك أحاديث صحيحة تتحدث عن عقوبة للمرتد , وأهل السنة على الرغم من قولهم باستقلال السنة بتشريع الواجب وبالتحريم , إلا أنهم لا يقولون بمعارضة السنة للقرآن , فإذا قلنا أن هناك حد للردة مأخوذ من السنة فهذا يعني معارضة السنة لآية لا إكراه في الدينا ولباقي الآيات .

ولكن كيف نوفق بين هذه الأحاديث وبين القرآن , أم أننا سنرد الأحاديث ؟

لا , لن نرد الأحاديث ولكن سنحمل العام على الخاص وليس العكس كما فعل الفقهاء الذين حملوا الخاص على العام ! ومسألة حمل العام على الخاص من المسائل المختلف فيها في أصول الفقه فثمت فرق يقولون به وفرق ترى حمل الخاص على العام , فلسنا نحن أول من قال بهذا .

ولننظر في هذه الأحاديث :
جاء في كتاب أسباب النزول للواحدي في سبب نزول لا إكراه في الدين : نزلت في رجل من الانصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت،
فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصينرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اطلبهما، فأنزل الله عز وجل – لاإكراه في الدين – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعدهما الله هما أول من كفر “

روى الإمام البخاري ” 6411 – ……… مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ” ,
وكذلك روى البخاري ” 6370 – ………… وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ “

والمشكلة أن السادة الفقهاء حملوا الأحاديث الواردة في الباب كلها على حديث ” من بدل دينه فاقتلوه ” فحملوا الخاص على العام , ونحن نرى أن هذا المسلك هنا غير صحيح , لمخالفته القرآن أولا , ولمخالفته العقل والمنطق ثانيا , ثم إن الحديث نفسه لا يمكن حمله على عمومه , فلننظر في الحديث :

يفترض أن الرسول قال “ من بدل دينه فاقتلوه ” فهل يمكن تطبيق الحديث على عمومه , أي أن الإنسان الذي يترك اليهودية ويدخل في النصرانية نقتله , أو من يريد أن يدخل في الإسلام نقتله أيضا , ألم يبدل دينه ؟ قد يقول قائل : المعنى المراد واضح , فالمقصود من بدل دينه من الإسلام إلى أي دين آخر , فالخطاب للمسلمين فيفهم أن الحكم يطبق على المسلمين .

نقول : ولكن هذا الحديث مخصص بحديث آخر ورد في البخاري وهو العمدة حيث يقول فيه المصطفى ” وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ” وهذا الحديث هو المتطابق مع آيات القرآن , كما أن فيه زيادة تخصيص يجب حمل باقي الأحاديث عليها وإلا سترد لمعارضتها القرآن .

ففي هذا الحديث يقول النبي المصطفى ” التارك للجماعة ” أي أن من يمرق من دينه ويترك الجماعة ليلتحق بقوم آخرين ففي هذه الحالة يقام عليه الحد , ويفهم بداهة أنه إذا لم يترك الجماعة ليلتحق بقوم معادين للإسلام فلا حد عليه , وليتدبر معي القارئ الكريم في آي القرآن ليعرف أن هذا الحديث هو ما يجب حمل الباقي عليه , ففي سورة المائدة يقول الله تعالى :

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ” لذلك عقب الله تعالى بعد ذلك بقوله ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “
أي من يرتد منكم فيلحق باليهود والنصارى أو أي فرقة كانت على شاكلتهما من غير المسلمين فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم … إلخ الآيات ,
فعلمنا أن المراد من الارتداد هو ذلك الارتداد المصاحب بالالتحاق بقوم آخرين , أما مجرد الردة فلا شيء فيها ,
 كذلك فإن الردة المصحوبة بالطعن في الدين كسبه والاستهزاء به فهذه موجبة للقتل والقتال , لما في هذه الردة من الفتنة العظيمة التي تصيب المجتمع كله ” َو إِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة : 12] “

إذا نخرج من هذه الآيات أن العبرة في الردة تكون بالانضمام إلى غير المسلمين , لذلك نحن نرى صحة قتل الجاسوس أو الخائن الذي يعمل لغير المسلمين , لأن القرآن والرسول يقولان بذلك وكذلك تكون بالطعن في الدين وتكون بالإفساد في الأرض فهذه فقط موجبات القتل , أما ما عدا ذلك فلا قتل ولا حد , فإذا نحن نظرنا في سورة المائدة وجدناها تقول :
” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْس
اً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة : 32] “

أي أن قتل النفس عند بني إسرائيل أيضا كان مرتبطا بقتل النفس أو الفساد في الأرض , لذلك عقب الله تعالى موضحا أن الحكم لنا أيضا بقوله : “ ِإنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة : 33] “

إذا فالعبرة بالردة والإفساد والالتحاق بالآخرين والطعن في الدين أما مجرد الردة فقط فليس فيها شيء , ولقد بلغ القرآن في توضيح هذه المسألة مبلغا عظيما فوضح أن المرتد حتى إذا دعى إلى دينه الجديد فلا شيء عليه , فكل حر في الدعوة إلى دينه ما دام لم يجير أحد على الدخول في دعواه ,

فالدعوة إلى أي دين بالحسنى لا حرج فيها ولا ضرر , ويظهر ذلك في قصة السامري الذي أضل قوم موسى , فلقد قال الله تعالى له : ” قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه : 97] “

فلم يقتله ولم يقم عليه الحد , لأنه لم يفسد في الأرض أو يلتحق بآخرين وإنما قال له إذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس .
نخرج من هذا كله بأن العبرة بالخروج على الدين وليس من الدين , فمن خرج على الدين يقام عليه حد الردة ويقتل ولو تحصن يقاتل , ثم وهناك العديد من الأحاديث التي تنهى عن قتل المرأة المرتدة وهي تطابق القرآن , فهذا يوضح ويؤكد أن العبرة بالخروج على الدين وليس بالخروج من الدين .

أما مسألة التحجج بحروب الردة فهذا دليل لنا وليس علينا فهؤلاء قوم خرجوا من الدين وخرجوا عليه فكان لزاما قتالهم , ثم إن بعضهم قوتل من أجل منعه الزكاة وليس من أجل الردة , وفي جميع الأحوال فليس لهم حجة في هذه الحروب لموافقتها لنا فيما نقول به !

ثم كيف يعيب الإسلام على المشركين اضطهادهم للمسلمين بسبب خروجهم من دينهم ثم يفعل هو نفس الشيء ؟ ألا يعد هذا من باب ” اتمسكن لحد ما تمكن !! ” و لا يصح التحجج بأننا الدين الحق , فما من دين إلا ويرى أصحابه أنهم أصحاب الدين الحق , وهذا لا يعطيهم الحق في إكراه أي إنسان على البقاء معتنقا لدينهم . ثم لم لم يوضح القرآن أو الرسول كيفية تطبيق الحد وكيفية الاستتابة ؟ 

فنحن نجد أنه لعدم الدليل قال بعض العلماء باستتابة المرتد أبدا , كما قال النخعي , وقال بعضهم لا يستتاب بل يقتل فورا كما قال ابن حزم وقال بعضهم يستتاب ثلاثة أيام فإن لم يتب قتل , وكلها اجتهادات لا دليل على صحة أيها لعدم الدليل أساسا ! , ولأن الأحاديث الواردة واردة في إنسان خائن تارك للجماعة وليست في إنسان ترك الدين ! و نكتفي بهذا القدر , والله أعلم .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.