وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ( قرى قوم لوط )

” إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون ”
” وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ”

انطلاقا من هيمنة الكتاب العزيز على الكتب السابقة وأنه هو الذي يحدد للسابقين الأولين الصحيح والمحرف من كتبهم نتناول في هذا الموضوع مناقشة مسألة مكان قرى قوم لوط !

ولغير العارفين أو الباحيثين فإن أشهر هذه القرى هما قريتي سدوم وعمورة , والمشهور أنهما في جنوب البحر الميت ! على الرغم من الأبحاث العلمية لم تبرهن على ذلك بأي برهان , لذلك يقول العميد جمال الدين شرقاوي في كتابه نبي أرض الجنوب : ”

فإنَّ علماء الآثار لم ولن يتوصلوا إلى الكثير من المواقع الجغرافية التوراتية التى يعود زمنها إلى عصر نبىّ الله إبراهيم r .
ومن أشهر هذه المواقع موقع قوم لوط u والمُعبَّر عنه توراتيا تحت مُسمى مُدن الدائرة فى التوراة العبرية ( تك 13 : 12 ) ومُسمى مُدن أبرح فى التوراة السامرية ( تك 13 : 12 )
ومن أهم هذه المدن مدينتى سدوم و عمورة .

وقد ظهرت عدة نظريات افتراضية توضح اختفاء مكان كل من سدوم وعمورة . وهذه النظريات ظهرت أساسا بعد القول بأنَّ جميع مدن قوم لوط تقع فى الجزء الجنوبى للبحر الميت . ورغم الأبحاث المضنية التى قام بها المستكشفون تحت مياه البحر الميت لم يجدوا شيئا .

وقد اعترف مؤلفوا الموسوعات العلمية الكتابية الحديثة بعدم معرفة موقع كل من سدوم وعمورة يقينا . وإنما كل الأمر وما فيه عبارة عن تخمين وافتراض غير مُدعَّم بأدلة مقنعة لهم .
ومن أراد التأكد من صحة كلامى فعليه بمراجعة كل من موسوعة ( BAKAR ) الكتابية الحديثة ( الجزء الثانى صفحة 1975 ) وأيضا موسوعة ( The Zordervan Pictorial Encyclopedia of the Bible ) الأمريكية الحديثة ( الجزء الثانى صفحة 775 ) . كما أنَّ هنالك على شبكة المعلومات الدولية ـ الانترنت ـ الكثير من المواقع التى حَوَت أبحاثا جَمَّة عن موقعى سدوم وعمورة دون طائل ” اهـ

إذا فالقول أن القرى تقع في جنوب البحر الميت ليس من المسلمات العلمية , فإذا نظرنا في كتاب الله عزوجل لنسترشد به في تحديد مكان هذه القرى نجد أنه يخبرنا أن هذه القرى تقع في مكان حار جدا ! قريب من أهل مكة ! وهذا ما لا ينطبق بأي حال على جنوب البحر الميت .

ونقدم للقارئ آيتين إثنتين فقط أخذنا منهما هذا القول الجازم المحدد لمكان القرى , وهما قول الله تعالى في سورة الصافات : ” وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل, أفلا تعقلون ” فلم يقل الله العليم الخبير ” وإنكم لتمرون عليهم صباحا أو ليلا أو في الليل” مع أنه قال في نفس السورة ” فساء صباح المنذرين” ,

والخطاب في الآية خطاب لأهل مكة أولا ثم لكل العالمين تبعا لهم , لأنه لو قال كذا لما انطبق المعنى على الواقع , فمن الممكن أن يمر الإنسان على أي مكان في أي وقت , ولكن لأن المعنى والله أعلم مرتبط بالقوم ( قوم لوط ) وبمكانهم وبالمارين عليهم استعمل الله تعالى هذه الصيغة , وفيه إشارة إلى كونهم في مكان حار جدا لا يستطيع الإنسان أن يذهب إليه إلا في هذا الوقت فلو قال الله تعالى صباحا أو ليلا لكان توصيفا لحال المارين فقط بدون الإشارة إلى وضع أو طبيعة المكان ,

وسيكون توصيفا غير دقيقا يمكن الطعن فيه بالقول : أنا سأمر ظهرا أو عصرا ! أما بقوله ” مصبحين وبالليل ” أي أنكم تمرون عليها حال دخولكم أنتم في الصباح وليس المقصود حال دخول الصبح عليهم كما أنكم تستغلون الليل في السفر لذلك قال “وبالليل ” ولم يقل “في الليل ” فهم يمرون عليهم مستغلين الليل ” وبالليل ” أو داخلين في الصباح , ولقد وضحنا سابقا الفرق بين معنى حرف الجر ” الباء” وحرف الجر ” في ” , والمولى العليم لا يستعمل أي حرف هكذا عبثا , فطالما أنه استعمل الباء فهذا دليل على أن المراد هو الباء وليس الحرف ” في ” .

وبذلك يكون الإشارة الواضحة إلى أن قرى لوط في مكان قريب من مكة , وهذا ما وجدت العميد جمال الدين شرقاوي يشير إليه عند قرائتي لكتابه نبي أرض الجنوب حيث قال فيه :

فحين يقول القرآن عن مكان مدن قوم لوط ] وما هى من الظالمين ببعيد [ ( 83 / هود ) . نفهم بداهة أنها على مسافة ليست ببعيدة عن مكان مشركى مكة . وتلك معلومة قرآنية أولى عن الموقع .

وإذا قال القرآن عنها ] وإنها لبسبيل مقيم [ ( 76 / الحجر ) . نفهم بداهة أيضا أنها تقع على طريق مأهول يرتاده العابرون . وتلك معلومة قرآنية ثانية عن الموقع .
وإذا قال القرآن عنها ] وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل . أفلا تعقلون [ ( 137 ـ 138 / الصافات ) . نفهم أنَّ أهل مكة كانوا يمرون على موقع قوم لوط صباحا ومساءً أثناء رحلتهم التجارية الصيفية إلى الشام .

وبجمع العلامات القرآنية الثلاث السابقة ، نجد أنَّ مكان مدن قوم لوط ليس بعيدا عن مكة ، وأنه يقع على الطريق التجارى المعروف لدى أهل مكة والذى يسيرون فيه أثناء رحلة الصيف التجارية .

ومن أراد البحث والتنقيب لمعرفة الموقع فإنَّ القرآن الكريم لا يبخل عليه ببعض المعلومات الهامة التى يحتاجها الباحث المتفرس فى آيات الله مثل تعيين المسافة والزمن من مكة المكرمة إلى مكان قوم لوط وذلك فى مثل قوله تعالى ] وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ، وبالليل … [ .

فإن كانت القوافل التجارية تخرج من مكة صيفا بعد اِنكسار حرارة شمس النهار الشديدة فإنها تصل إلى موقع قوم لوط فى الصباح . وإن أسرعت الإبل ليلا فسوف تصل القوافل إلى الموقع ليلا . والسرعة المتوسطة لسير الإبل معروفة ، فمن أراد معرفة المسافة المقطوعة فما عليه إلا أن يجرى عملية ضرب حسابى عادى بين متوسط سرعة الإبل والزمن المقطوع حوالى اثنى عشر ساعة . إنه أمر يسير للمتفرسين ..!! ”

ولقد حاول العميد شرقاوي تحديد مكان القرى استنادا إلى ما ورد في التوراة فقال في نفس الكتاب السابق :
وخير ما نفعله هنا بهذا الشأن هو مُراجعة خط سير القافلة الإبراهيمية أثناء خروجها من سيناء مصر مُتجهة جنوبا فى سيرها . حيث تم الاستقرار الأول أو محطة الوصول الأولى لكل من إبراهيم ولوط عليهما السلام وأتباعهما فسكن لوط ومَن معه شرقا عند مدن الدائرة أو مدن أبرح حسب نسختى التوراة العبرية والسامرية . وسكن إبراهيم ومن معه غربا عند منطقة بلوط ممرا .

وما علينا إلا أن نضع هاتين المنطقتين المتقابلتين على خريطة خط السير من سيناء مصر صوب الجنوب ، ثم نبدأ دراستنا بدون افتراضات مزعومة مسبقة .

من الخريطة السابقة نجد أنَّ مكانى إقامة إبراهيم ولوط عليهما السلام فى المنطقة الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية قريبا من الشريط الساحلى المتاخم للبحر الأحمر . فأقام إبراهيم ومن معه فى المنطقة الغربية القريبة من البحر الأحمر وأقام لوط ومن معه فى المنطقة الواقعة شرقى مكان إقامة إبراهيم تبعا لنصّ التوراة ( تك 13 : 10 ـ 11 ) . ”
نخرج من هذا كله أن قول القرآن العظيم قول ما ينطق عن الهوى وأنه على الباحثين التاريخيين أن ينقلوا نطاق بحثهم عن هذه القرى من جنوب البحر الميت إلى غرب البحر الأحمر قريبا من مكة وبلوط مرا .
والله أعلى وأعلم .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.