لماذا “القراءة الترتيبية” لنزول سور القرآن؟

إن التساؤل الذي كان يُطرح من بعض القارئين:
لنفترض أن ترتيبك هذا صحيح, هل سيؤثر هذا على فهم الآيات؟ هل سيقدم فهما جديدا؟ ما الفائدة التي ستعود علينا من معرفة إذا كانت السورة مكية أو مدنية؟ََ!

ولأن هذا مما لا يُرد عليه بكلمة أو بجملة أفرد له هذا المقال أبين فيه الفوائد الفريدة لهذه القراءة وكيف أنها ليست مجرد “قراءة فنية” للمتخصصين لن تقدم أو تؤخر, وإنما هي –بإذن الله- بمثابة “تحول مسار” في فهم القرآن! وأن النتائج كانت مدهشة بالنسبة لي أنا شخصياً فلم أكن أتوقعها عندما بدأت هذا النظر والتدبر والذي أخذ مني سنوات!

بادئ ذي بدء السبب في هذه القراءة الترتيبية كان “لحظة صدق” مع الذات! فبعد أن ألفت كتابي “السوبرمان بين نيتشه والقرآن”, ولفترة طويلة كنت ألوم على نفسي أني أتيت في هذا الكتاب ما انتقدته على غيري! من أنه كان لدي بعض التصورات التي عملت على استخراج أدلة لها من القرآن!
وبالإضافة لذلك فإني كباحث أصبت بالضجر من كثرة الأفهام المتضاربة لكتاب الله, والتي تقدم عقائد وأحكاما وتصوراتٍ مختلفة متناقضة, وتُنسب كلها وبكل عجب إلى الله وإلى كتابه!!

ولأن هذا التخبط راجع بدرجة كبيرة إلى اقتطاع جمل أو مفردات من كتاب الله من سياقها وتقديم أفهام تاريخية متأخرة أو علمية أو عقدية لا علاقة لها بها! (ناهيك عن القواعد التأصيلية التفسيرية لفهم النصوص), فالمشكلة أن التعامل مع القرآن باعتباره جملاً وآيات هو الأصل وليس باعتبار كل سور وحدة متصلة مستقلة قائمة بذاتها –متصلة بغيرها في عين الوقت- فعزمت على أن أتوقف مع القرآن كاملاً وقفة كبيرة لأعرف “ماذا يقول ويقدم هذا الكتاب”!
فإما أنه بشكله الأصلي –بعيداً عن الأفهام المتأخرة الملحقة به- يستحق أن يؤمن به ويُخضع له وإما لا! وحتى لا أقع فيما بعد –عمداً أو سهواً- في تقويل النص ما لم يقل!

وفي ذلك الوقت كنت أرى أن قراءة سور القرآن كاملة “قراءة موضوعية” سيكون كافياً بدرجة كبيرة في استكشاف المحتوى المقدم في كل سورة! فعندما استكشف “الفلك” الذي تدور فيه كل سورة, والموضوع الرئيس لها, سأتمكن من التعرف على السياق الذي وردت فيه الجُمل, ومن ثم معرفة لماذا قيلت هذه الآية أو تلك! وهل يمكن الاستدلال بها على ذلك الحكم أو تلك العقيدة!

وبدأت تدبر القرآن كاملاً من أجل استكشاف الروابط والتواصل داخل كل سورة, هل هو موجود فعلاً, أم أنه مجرد زعم! ومع إنهاء القراءة الأولى ظهر لي تواصلاً وارتباطاً بديعاً بين موضوعات كل سورة, مهما طالت, وأن هناك فعلاً وحدة موضوعية داخل كل سورة! ولا يقتصر الأمر على الوحدة الموضوعية لكل سورة, وإنما تعداه إلى اكتشاف ترابط واتصال بين كل سورة والسورة التي تليها والتالية للتالية لها والسابقة لها! وأن سور القرآن بمثابة عقد فعلاً

فكل سورة هي بمثابة تفصيل واستئناف للسورة السابقة لها, وملامح وسمات السورة التالية مشابهة للسورة السابقة لها! وكذلك التالية للتالية بها تشابه واتصال في المفردات والمحتوى, ولكن بقدر البعد عن السورة المعنية يقل التشابه والاتصال!

ومع انتهاء القراءة الأولى والتي خرجت منها بنتائج جد جيدة! عزمت على أن أقرأه مرة أخرى حتى أخرج بنتائج *إضافية, حتى تظهر ملامح هذا الاتصال والتشابه جلية! وعلى ما أتذكر في أثناء التدبر الثاني فكرت في ألا يقتصر التدبر على قراءة النص, وإنما محاولة استخراج المناسبات التاريخية التي نزلت فيها وبسببها كل سورة, ولكن من النص نفسه وليس من الروايات!

حيث أني كنت –ولا زلت- أومن بأن كل سور القرآن نزلت كاملة على هيئة سور, فلم تنزل سورة إلا آية أو بضع آيات ألحقت بها فيما بعد وعُدت منها!!-, وكانت لي محاولات بدائية أولية استخرجت فيها أسباب نزول سور من القرآن واكتشفت أنها وبكل عجب لا علاقة لها بالمروي بتاتا!! مثل سبب نزول سورة القلم, والذي يمكن التعرف عليه على هذا الرابط:
من هنا

فقلت لنفسي: إن استطعت أن أبصر محتوى السورة و”الصورة” التي تقدمها كل سورة, يمكن استكشاف الأجواء التاريخية التي نزلت من أجلها السورة, وذلك من خلال استخراج “آيات الأحداث” أو “آيات القصص المحمدي- –التي تتحدث عن أحداث معينة صدرت من الرسول أو من المؤمنين أو المشركين سواء بالمدح أو باللوم أو بالذكر المباشر- ثم ربطها مع باقي آيات السورة والتي تأخذ توجها معيناً والتي تدور في فلك معين

ومن ثم يمكن استكشاف مناسبات نزول السور القرآنية, وتبعاً للسياق التاريخي والنصي الذي وردت فيه الآية يمكن الحكم هل هي عامة لكل المسلمين أم خاصة لحدث معين.

والحق أني لا أتذكر متى خطر ببالي الخطوة التالية خطوة محاولة ترتيب نزول سور القرآن, هل كانت مع القراءة الثانية لسور القرآن أم مع الثالثة! (وإن كنت أميل أنها مع الثانية ولكن ربما بدأت في هذا مع التدبر الثالث), حيث قلت لنفسي: طالما أنك تؤمن أن القرآن نزل سوراً وطالما أن هناك أحداث تاريخية مذكورة في داخل أكثر السور, وأنت الآن تستخرج أسباب النزول من القرآن, فلماذا لا تخطو الخطوة التالية وهي اكتشاف أي السور نزل قبل غيرها!
فتقدم ترتيب نزول السور تبعاً للأحداث الواردة في النص! فتستكشف كيف كانت “طريقة” إنزال السور, وهل كان هناك كذلك اتصال بين السور في نزولها كذلك أم لا!

ومن ثم قمت بإضافة عنصر إلى عناصر التدبر وهو ملاحظة التشابهات بين الأحداث التاريخية وبين التعبيرات المستخدمة في السور لاستكشف ترتيب النزول! وهكذا تغير مسار قراءتي للقرآن, فبعد أن كانت القراءة الأولى موضوعية تطورت إلى “كتابية”, تعمل على تبيان أن القرآن بترتيبه الحالي “كتاب” فعلاً, ذو موضوعات وعناصر, ومجازاً “فصول وأبواب”, مترابطة متواصلة, وأن هذا الترتيب ليس عبثيا, وأنه لو تم تغير ترتيب السور لضاعت ملامح “الرسالة” المقدمة في الكتاب!
فتغير المسار وأصبح التركيز على القراءة التاريخية الجزئية, –والتي يبدو أنها ستصدر أولاً, ثم أعود بعدها إن يسر الله وأعان إلى القراءة الموضوعية الكتابية للقرآن!, والتي يرى بعضهم أنها أهم من التاريخية!!

والحق أني تخبطت كثيراً في تحديد ترتيب نزول السور, وذلك لعدم وضوح المقاييس الثابتة التي يُحدد بها زمن وترتيب النزول, وتجربة أكثر من مقياس, فكنت أقول بأن سورة كذا هي التالية لكذا ثم كنت أتراجع ثم أجعل غيرها ثم أتراجع وربما أعود فأجعل الترتيب السابق هو السليم ثم … ثم!! وهكذا! 
حتى فكرت مراراً في أن أترك مسألة الترتيب هذه لأنها مجهدة جداً وتحتاج الكثير والكثير من الجهد والتركيز, وسنوات طويلة من العمل المضني, والتي أخشى أن يصيبني الملل فأتركها أو يتوفاني الله قبل أن أكملها!! ناهيك عن ظنية نتائجها بدرجة ما, بالإضافة إلى أنها ربما تكون سبباً في تكفيري, بزعم أني أعيد ترتيب القرآن! وأن هذا شيء لم يفعله أحد مسبقاً, وأن وأن!!
وفكرت أن أكتفي باستخراج أسباب النزول فقط من النص والإشارة إلى أن هذه السورة غالباً مكية أو مدنية وأنها في مرحلة متقدمة أو متأخرة من المرحلة المدنية أو المكية.

ولكن نظراً لأنه كان قد ظهر لي في هذه المرحلة, عبر ترتيب أكيد لسور متتاليات, ولبعض ثنائيات سور متفرقات! ما لم يكن يخطر ببالي, وهو أن القرآن يقدم “سيرة/ تاريخ” البعثة, كآيات مبثوثة في وسط السور, -طبعاً ليست سيرة تفصيلية مثل سيرة ابن هشام والتي تناولت حياة محمد, سواء كنبي أو كفرد, وإنما الأحداث التي ترتب عليها نزول قرآن/ وحي! والتي ينبغي للمسلم معرفتها باعتبارها أحداث “تفاعل” معها النص ونزل بسببها “وحي”-

وهذا أزال لدي الكثير من الإشكاليات بخصوص محتوى العديد من السور القرآنية, مثل سورة الأحزاب وسورة التحريم! فلماذا ينزل الله سوراً محورها الرئيس الحياة الشخصية للرسول! ثم ظهر لي أن هذا ليس استثناءً وإنما هو المألوف في نزول السور تأريخ الوقائع التي يترتب عليها “وحي”, وأن الفارق أنها أطالت الحديث قليلاً في هذه السور –لأسباب مخصوصة-.


ومن ثم إذا استطعنا ترتيب السور سنعرف التاريخ الحقيق للإسلام ولمحمد (وليس الأحداث العادية والتي لم يترتب عليها وحي), والذي سيفرق كثيراً في فهم النص, ومن ثم عزمت على القيام بترتيب نزول سور المرحلة المدنية, حيث أن هذا أيسر بكثير! لأسباب عدة, من أن هناك أحداث تاريخية مذكورة داخل كل سورة يمكن الاعتماد عليها في مسألة الترتيب, بخلاف المرحلة المكية وقصار السور, والتي تحتوي حديثاً عاماً!

نعم هناك بعض الإشارات إلى أحداث ووقائع ولكن ثمة تشابه كبير بينها في المحتوى قد يُشعر معه بالتكرار وأنه لا اختلاف بين هذه أو تلك! والإشارات البسيطة والتعبيرات التي تشير إلى وقائع أو أفراد يمكن فهمها على أنها تعميم وليس عن حالات بعينها, لذا فمن الممكن بكل سهولة رفض الاستنتاج بأن سورة المسد مثلاً هي التالية ل: الليل, فلا يجب مثلاً أن يكون أبو لهب الذي لم يغن عنه ماله وما كسب والذي سيصلى ناراً ذات لهب هو من قيل في حقه في الليل : “وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل : 11]”, وأنه تب فعلاً! وأن السورة نزلت للتذكير بتحقق النبوءة المذكورة في الليل وليس لذكر نبوءة مستقبلية! (لاحظ أنها قالت أنه تب وما أغنى, بينما عند الحديث عن أمر مستقبلي قالت: سيصلى!)

وبالإضافة إلى “الأحداث التاريخية” الموجودة في السور المدنية, رأيت الاكتفاء بالسور المدنية, وذلك لأن الإسلام –بشكله الحالي- قائم بالدرجة الأولى على المرحلة المدنية, ففي المرحلة المدنية كان التشريع القرآني, ناهيك عن أن أحاديث الرسول المنقولة هي من المرحلة المدنية (والتي تُستخدم كتشريع كذلك, بينما أحاديثه في مكة مضيعة بشكل شبه كلي!!) واللذان شكلا سوياً –بالإضافة لأفهام العلماء لآيات التشريع ولتوفيقاتهم بين الآيات القرآنية وبعضها بعضاً وبينها وبين الأحاديث النبوية وترتيبهم لنزول آيات الأحكام- الشكل الحالي للإسلام!

فعزمت أن أنظر في الترتيب لاكتشف أي روايات أسباب النزول صحيح وأيها غير صحيح, وهل سار التشريع القرآني بالشكل المتفق عليه والذي بُني عليه قواعد أصولية وتصورات عامة في فهم الدين كلية أم لا؟!

ومع مقارنة كثير من الآيات –معظم روايات أسباب النزول واردة في آيات وقليل منها وارد بشأن: سور- بأسباب نزولها والمذكور في كتب علوم القرآن, تأكد لي ما قال به أكثر العلماء, من أن الأكثرية الساحقة لروايات أسباب النزول هي إما مختلقة بالكامل أو أنها “إسقاطية”! حيث تم إسقاط آيات على وقائع حدثت فعلاً, لا لأنها نزلت في هذه المناسبة, وإنما لاتفاقهما في المضمون! وأنه مما يمكن الاستدلال بهذه الآية في مثل هذا الموقف! ثم أصبح وبكل عجب هو سبب النزول!!


ورغماً عن أن الأقوال في أسباب النزول هي في الأعم الغالب غير توقيفية, بمعنى أنها غير مرفوعة إلى النبي, فلم تأت روايات تقول أن سورة كذا نزلت قبل كذا أو الآية الفلانية نزلت في الموقف العلاني, وإنما هي أقوال لصحابة أو على الغالب تابعين –أو تابعي تابعين- أو لعلماء سلف, وأقوالهم هذه هي كذلك ناتجة عن ترجيحات وإسقاط للسورة أو للآية على موقف معين, تبعاً للتاريخ الذي يعرفون ولُقنوا!!

إلا أنه أصبح يُستند إليها في ترجيح مكية أو مدنية السورة, وأصبح يوازن بين أقوالهم في سبب نزول آية ما!! بل وتُقطع السورة ويقال بتعدد نزولها استناداً إلى أقوالهم!! وما أكثر تلك المواطن الموجودة في كتب أسباب النزول والتي فيها: وسورة كذا مدنية, إلا آية كذا وكذا “قيل” أنها مكية أو قال فلان أو علان أنها مكية!! أو العكس!! وذلك لأنه لم يظهر لهم الترابط بين هذه الآية وباقي السورة! أو لأن شيخاً من شيوخهم كان قد أسقطها على موقف معين فقالوا بقوله!!!

ومع النظر في سور المرحلة المدنية وبعد تدقيق ومقارنات ودعاء ومناجاة, ظهر لي أن التواصل والترابط والتكامل المطرد بين سور القرآن تبعاً لترتيبها الحالي في المصحف, مطرد كذلك بينها وبين بعضها تبعاً لترتيب نزولها بنفس الدرجة والوضوح –إن لم يكن أوضح وأقوى!!

فالسورة كانت تستأنف ما جاء في السورة السابقة لها نزولاً! وتفصل فيه! سواء على مستوى الأحداث التاريخية أو على مستوى المحتوى المقدم (من تشريع أو عقيدة أو آيات “كونية”) أو على مستوى “بعض” الألفاظ والتعبيرات المستخدمة والمشتركة في السورتين! وليس أنه كانت تنزل سورة في الشرق وأخرى في الغرب!!


فمثلاً: تبعاً لترتيبي سورة النساء هي التالية للبقرة, والبقرة تُختم بالحديث عن أحكام الأسرة والمعاملات المالية, وتبدأ سورة النساء بعد الآية الاستفتاحية بقوله تعالى: “وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً [النساء : 2]”, مواصلةً الحديث عن أحكام الأسرة والعلاقات المالية! ثم تستأنف النساء باقي مواضيع البقرة!

وكذلك سورة النور هي -تبعا لترتيبي- التالية نزولاً للأحزاب, والتي استأنفت ما جاء في الأحزاب! ففي الأحزاب كان الحديث عن أزواج النبي وأحكامهم وعن الدخول للبيت النبوي وعن الذين يؤذون النبي والمؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وعن وصية في ملبس النساء! ثم جاءت النور فتحدثت عن الإفك وعقاب الزانية والزاني ومن يرمون المحصنات الغافلات, وتنظيم أحكام دخول البيوت عامة وكذلك تنظيم ملابس النساء, والتأكيد على طاعة الرسول, وغير ذلك من العناصر المشتركة, والتي أكملت فيها النور ما جاء في الأحزاب! (ومن يرد التفصيل يرجع لتناولنا للسورتين!)

فلما ظهر لي هذا التواصل والارتباط كان هذا محفزاً إضافياً على إكمال الترتيب وعدم التهاون فيه, لأنه ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يمكن تقديم دليل من النص نفسه, وليس دليلاً تاريخياً, على أن النص لم يُحذف منه ولم يُضف إليه! وأنه ليس نصاً مختلقاً في مراحل متأخرة من التاريخ الإسلامي –كما يطنطن بعض سطحي المستشرقين- فالسورة تكمل ما كان في قبلها, وما بعدها يُكمل ما جاء فيها وهكذا, مستخدمين جميعاً مفردات وتعبيرات مشتركة. نعم هذا دليل جزئي لسور المرحلة المدنية فقط وليس لكل السور, ولكن إذا أكملت –أو أُكمل- هذا المبحث وطُبق على القرآن كله فسيمكن التدليل من خلال النص!

وليست صحة وسلامة النص القرآني هو المغنم الرئيس لهذا الترتيب, فهذا أمر مستقر عليه بين عامة المسلمين ولا شك فيه تقريباً, وإنما المغنم الرئيس وجود ملامح ظاهرة لهذا الدين (بخلاف الأصول) والأهم من ذلك “حدود معلمة” لأوله وآخره! حيث تضخم الإسلام كثيراً بعد وفاة الرسول, مع إدخال أقوال للرسول وأقوال الصحابة والتابعين وفقهاء كبار عند أهل السنة, وأقوال أهل البيت عند الشيعة!
فالإسلام بشكله الحالي دين “متماهي الحدود” صورته متغايرة بين المذاهب, ف “الإسلام السني” هو بدرجة ليست بالهينة غير “الإسلام الشيعي”! بل وتغيرت ملامحه, مع “تعضية” النص القرآني, وخضوع آيات القرآن للمفسر وفهمها منفصلة عن بعضها, بل ونزع آيات من سياقها وفهمها تبعاً لسياق تاريخي آخر تماما!!

بينما مع الاتصال الموجود بين السور (بترتيبها الحالي في المصحف وتبعاً للنزول), وأن كل سورة تناقش قضية معينة (تحتوي عدداً من العناصر) يصبح هناك “بنيان” واضح الملامح للإسلام, قائم بالمقام الأول على سور وآيات القرآن والتاريخ, فالأحداث والوقائع التي “قضى/ رأى” الله أنها تستحق أن ينزل بشأنها وحي هي –حصرا- كذا وكذا وكذا وكذا, بينما ما عداها تركها للمسلمين وللرسول يجتهدون فيها, والسور كانت تُكمل بعضها بعضا, فتستأنف السورة أختها من حيث توقفت! وقائم على مقدار الذكر و”التكرار” في كتاب الله, فما تكرر ليس حتماً مثلما أفرد!

(فمثلاً قضية خطيرة محورية في الإيمانيات “العقيدة” الإسلامية, مثل: أسماء الله الحسنى, والتي تكررت في آلاف المواطن في القرآن مهمشة بدرجة كبيرة في الشكل الحالي للإسلام, وقضايا أخرى لا تقارن بها سواء في الإيمانيات أو التشريع تحتل مكانة خطيرة! وذلك لأن عدد الروايات الواردة في المسألة سواء من أقوال الرسول أو الصحابة أو أهل البيت كثيرة! بينما مسألة أخرى تناولها القرآن في عدد أكبر من الآيات, تُهمل لأنه لم ترد روايات –صحيحة- متعلقة بها بالقدر الكافي!
ناهيك عن أن المذاهب تعتمد على موازنات فلان أو علان, أو أقوال مجموع مشائخها عبر قرون, والتي شكلت المذهب بشكل معين, ومن ثم أوجدت أولويات وقيم تعطيها للأفعال أو للإيمانيات بناءً على محوريتها في المذهب.

بينما مع “ترتيب النزول القرآني” يمكننا أن نقول أنه “هكذا ولهذا” أنزل القرآن! وأنه لا “فراغات” بين السور القرآنية وبعضها ولا بين الآيات وبعضها, نحتاج معها إلى قول فلان أو علان ليملأها, فالإسلام بشكل تنزيل السور –الذي أقول به- هذا أوله وذاك آخره وهذا مساره, فأين فيه مثلاً أهل البيت وأقوالهم؟!

فهم لم يكونوا في أي لحظة طيلة المرحلة المدنية قضية مثارة أصلاً, وطالما أنهم لم يكونوا كذلك عند نزول القرآن, فلا درجة مخصوصة لهم بعد توقف النزول عند المسلمين, سوى حبهم واحترامهم لصلتهم بالرسول, وكذلك إذا كان الصحابة والتابعون نزل فيهم آيات تمدحهم وأخرى –ليست بالقليلة ولا الاستثنائية- تذمهم بل وتتوعدهم, فإن تلك المنزلة التي أنزلوها هي حتماً ليست من دين الله!


وكذلك كثير من القضايا العقدية التي ظهرت في مراحل متأخرة بعد التابعين والتي لم تكن مثارة بأي حال من الأحوال طيلة البعثة, ووضعت فيها الأحاديث, سيُكتشف من خلال السياق التاريخي –المستخرج من القرآن- ومن خلال السياق النصي داخل السورة والسور, كيف أن الاستدلال ببعض آيات القرآن عليها هو ضرب من التزييف والاقتطاع والتعضية, وأنها مجرد “مسائل علمية” فكرية ذهنية يجتهد المسلمون في فهمها و “تصورها” حسبما يفتح الله عليهم, وأنها لا نص فيها البتة!!

وبالإضافة لإظهار ملامح واضحة للدين الإسلامي, فمن مغانم القراءة الترتيبية القرآنية كذلك –والتي ظهرت لي أنا نفسي متأخراً ولم تكن من أهدافي عند البدء- القضاء على التعارضات التي أوجدتها الروايات أو الترجيحات القائلة بالترتيب المشهور في كتب أسباب النزول!!
فمثلاً: المشهور أن سورة الأنفال نزلت قبل سورة آل عمران, والله العليم قال في الأنفال: “وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال : 16]”, ولكنه قال في آل عمران: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران : 155]”, فكيف يعفو الله عنهم وهو قال أنه من يولهم دبره مأواه جهنم؟! بينما تبعاً للترتيب الذي وصلت إليه فإن آل عمران سابقة للأنفال فلا تعارض!

وكذلك الحال مثلاً مع الأحزاب والتحريم, فهم يقولون أن الأحزاب نزلت قبل التحريم! ولكنا نجد في الأحزاب قول الله: “لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً [الأحزاب : 52]”
فالرسول لم يعد محللاً له النساء بعد أزواجه إلا كذا وكذا! بينما نجد في التحريم: “عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً [التحريم : 5]”, فهنا يمكن أن يبدله أزواجاً!! وعلى ترتيبنا, فالتحريم سابقة للأحزاب فلا إشكال, وغير ذلك من المواطن.

ومن مغانم القراءة الترتيبية كذلك, إظهار الرسول بمظهر المتلقي الموجه, حيث أن أسباب النزول الحقيقة يصعب جداً معها الزعم بأن محمداً هو من ألف القرآن! فمحمد وإن كان من الممكن أن يخدع كل الناس لن يخدع نفسه حتما! ونضرب مثالاً واحداً على كيف أن محمداً متلق موجه, بسورة يوسف (والتي نقول أنها من أوائل ما نزل في المدينة بعد: القصص), فبعد نظرنا في السورة ظهر لنا أنه بعد أن وُعد الرسول في سورة القصص بأن العاقبة للمتقين وأن الدار الآخرة لن تكون للمفسدين وأنه سيُرد إلى معاد, جاء بعض اليهود يسألون الرسول متى سيحدث هذا ومتى سيُمكن للمؤمنين وهم على هذه الحال من الضعف!

فنزلت سورة يوسف والتي تدور على وعد رباني جاء في رؤيا لنبي, تحقق بعد سنوات طوال رغماً عن مكر إخوته, بل جعل الله مكر إخوته سبيلاً لتحقيق الوعد, لترد على هؤلاء “السائلين”, وتقول لهم أن في يوسف وإخوته آيات لهم! فنلاحظ أن السورة لم تقدم دليلاً عقلياً وإنما قدمت دليلاً إيمانياً مسلم به عند الطرفين: محمد/ المسلمين واليهود, وهو أن الله قد وعد مسبقاً يوسف وحقق وعده رغماً عن أن كل الظروف كانت توحي بخلاف هذا! وأنه كما فعل مع يوسف سيفعل مع محمد!! كيف؟ الله أعلم, يُترك هذا لله وهو سيحققه في يوم من الأيام بقدرته!! فهل يمكن لمحمد “المتقول على الله” أن يقدم مثل هذا البرهان؟!
لاحظ أن هذا البرهان لا يريح محمداً نفسه –إلا إن كان مؤمناً بالله- فالسورة خطاب إيماني للرسول تقول له: ثق بالله هو ناصرك!! وليس جدالات عقلية عقيمة مبني على حسابات!!!

بخلاف الكثير من روايات أسباب النزول –المختلقة- والتي تثير الشكوك عند المسلم, وتجعل كون محمداً هو مؤلف القرآن هو الاحتمال الأرجح! فعندما تقول كثير من الروايات بأن الآية كانت قد نزلت بالشكل الفلاني فاعترض أحد أو بعض الصحابة فينزل الإلحاق أو التعديل من الله, على هيئة كلمات تُلحق بالآية, أو آية تضاف إلى السورة!! والرواية الشهيرة أن آية الصيام نزلت: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود! فلما لم يفهمها عدي بن حاتم على الوجه السليم نزل لاحقا: من الفجر!!! من أبرز الأمثلة على ذلك!!
وهناك بعض الروايات تقول بأنه تكررت الاعتراضات فكان يتم التعديل على نفس الآية في كل مرة تبعاً للاعتراض!!

وأخيرا, فإن من مغانم تلك القراءة الترتيبية, إبطال القول بأن ظاهر النصوص القرآنية يقول كذا, وأن هذا لا ينسجم ولا يتناسب مع الواقع ولا بد من تقديم قراءة جديدة وفهم جديد للنص القرآني, ومن ثم تُطبق مناهج عجباً في فهم النص القرآني! بينما ظاهر النصوص لا يقول بهذا, وإنما هو ظاهر جمل مقتطعة من سياقها النصي –والتاريخي- رُبوطة بمواقف تاريخية لا علاقة لها بها, أو هي الأخرى كذلك مختلقة!!

فالظاهر القرآني لما يظهر حتى الآن! وينبغي أن يكون جهدنا الأكبر ليس في تحليل مفردات وإيجاد أفهام جديدة لها, أو القيام باقتطاعات جديدة للنص القرآني لأسباب أخرى, غير التي دفعت السابقين لاقتطاع الجمل والآيات! وإنما محاولة قراءة النص كاملاً كنص متصل مترابط, فهذا سيرينا بإذن الله بعضاً من جوانب “إلوهية” هذا الكتاب العزيز!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    للباحث ابن قرناس كتاب يذكر فيه ترتيب نزول السور ومراحل الدعوة في مكة والمدينة خلال حياة الرسول محمد عليه السلام.

    وسورة الكوثر نزلت في مكة وليست آخر ما نزل كما تزعم!!

    سورة الأنفال فعلا قبل سورة آل عمران.. وكلاهما نزلتا في مراحل الدعوة المدنية.
    بالتوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.