أول السور نزولاً في المدينة: النحل!

نبدأ تناولنا التأريخي للمرحلة المدنية بتقديم أول سورتين نزلا في المدينة –تبعاً لترتيبنا- وهما: النحل والقصص, ونبدأ بتقديم الخلفية التاريخية فنقول:


عندما هاجر الرسول إلى المدينة وجد اليهود يحرمون بعض أصناف من الطعام كما وجدهم يذبحون لغير الله ويدعون غير الله وينسبون هذا للخليل إبراهيم ويقولون أنهم على جادة الصواب, كما وجد الرسول أنهم يُحرمون العمل في السبت ويقولون أن هذا شرع الله, وطالبوا الرسول بالعمل بما لديهم!

فأنزل الله سورة النحل ليثبت الرسول على الوحدانية (وأنه لا تستقيم عبادة الله مع إتباع الطاغوت من كهنة وما شابه, ومن ثم فليأكل هو والمؤمنون وليشكروا الله وحده.

(وسورة النحل مختلف في مكيتها ومدنيتها, فهناك من قال أنها مكية إلا آيات في آخرها, وهناك من قال أنها مكية حتى الآية 40, ومن بعد ذلك هي مدنية لآخر السورة, وذلك لأن محتوى هذه الآيات صارخ بأنها مدنية, ونحن نقول بأنها كلها مدنية! وإن كانت أول ما نزل في المدينة لذلك وُجد بعض التشابه في أول السورة مع السور المكية)

ومحور سورة النحل –الذي قدمه الله للرد على المشركين به غيره- هو أن الخلق والرزق والنعم من الله, ومن ثم فليس لغيره أن يحرم, كما لا يجوز أن يُسأل أو يُشكر غيره!

والذي ييسر على القارئ معرفة الموضوع الذي تتناوله السورة هو النظر في أول السورة وآخرها, فسيبصر بوضوح ماذا تناقش السورة!

فإذا نظرنا في أول السورة وجدنا أنها تبدأ بنفي الشرك:
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ … وتُختم كذلك بنفي الشرك عن الخليل وكذلك تنزيه الرسالة المحمدية عن أن تكون محتوية لشرك, فهو مأمور باتباع ملة الخليل إبراهيم النقية وليس ما لدى اليهود:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)

وبعد نفي الشرك عن الله تبدأ بالحديث عن الخلق, عن خلق الإنسان والأنعام ودورها في حياتهم عامة, (وكيف كان لها دور خاص في تسهيل هجرتهم إلى المدينة)

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) …

وكيف أن من يخلق ليس كمن لا يخلق, ثم تكمل الآيات سرد نعم الله على الإنسان! وكيف أن الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون, وهم يضلون الناس بغير علم بقولهم عن ما ينزله الله أنه أساطير الأولين, وحسابهم على الله.

ثم يرد الله على دعوى المشركين أن ما يفعلون من عبادتهم ما دونه وتحريمهم للأطعمة هو بمشيئة الله! وعلى النقيض من هؤلاء فإن الذين هاجروا في الله –دليل تاريخي- من بعد ما ظلموا لهم أجرهم عند ربهم.

ثم تكمل الآيات ذكر نعم الله على خلقه وكيف أنه نهاهم عن اتخاذ إله غيره, وكيف أن البشر يسيئون إلى الله ولا يؤاخذهم بهذا –مباشرة-, وفي وسط آيات الحديث عن نعم الله على خلقه ورزقه لهم وكيف أنه يستقيم عبادة من لا يرزق, يأتي التأكيد للرسول أن الله أنزل إليه للكتاب ليبين لهم (لأهل الكتاب) الذي اختلفوا فيه, (فهم الذي ينبغي أن يرجعوا إليه وليس هو من يأخذ بما لديهم).

وبعد الحديث عن الحياة الطيبة التي سيحييها الله للمؤمنين, يرد الله على اليهود المعترضين بإبدال آية القرآن مكان آية التوراة, -والله أعلم بما ينزل- بالقول أن من يفترون الكذب هم من لا يؤمنون بآيات الله (الكونية المخلوقة وسننه الجارية وتدبيره الظاهر), وليس الرسول المؤمن (تذكر بداية السورة: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ….)

ثم يعود الحديث مرة أخرى عن المهاجرين بالقول أن الله غفور رحيم: لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا –فتحولوا عن الدين ثم عادوا إليه- ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا.

والدليل على أن الحديث عن الهجرة في هذه السورة هو عن الهجرة إلى المدينة وليس إلى الحبشة –كما جاء في بعض الروايات- هو الآيات القادمة والتي تتحدث عن القرية التي كفرت بأنعم الله فأنزل الله بها العذاب, ومن ثم فعلى المؤمنين ألا يكونوا مثلهم فيكفروا بنعمة الله بتحريمهم إياها, فتأمر المؤمنين بالأكل مما أحل الله –ولا يلتفتوا إلى تحريمات اليهود
وكيف أن ما حرم عليهم ليس محرما على المسلمين سواء في الطعام أو اليوم! وكيف أن الله غفور رحيم للذين عملوا السوء –فتابعوا اليهود- ثم تابوا.

) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) … إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
وكما بدأت السورة بالحديث عن الشرك والأنعام تُختم بالحديث عن الأنعام بالحديث عن حلها وبنفي الشرك عن الخليل إبراهيم وكيف أن اليهود ليسوا متابعين له.

ثم يختم الله السورة بأمر الرسول بالدعوة إلى سبيل ربه -في هذه البلد الجديدة- بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يجادل اليهود بالتي هي أحسن, وإن عاقبوا فيعاقبوا رداً على الاعتداءات بمثلها والأفضل الصبر, وألا يحزن الرسول من مكرهم فالله مع المتقين والمحسنين.

ونطلب إلى القارئ أن يفتح المصحف ويقرأ السورة ليبصر كيف أنها منسجمة كلها في سياق الرد على المشركين المحرمين العابدين من دون الله, مستخدمة دليل الخلق والرزق والنعم.
فأين هو ذلك الموضع المخالف الذي لا يمكن أن يكون نزل مع السورة ويجب أن يكون نزل لاحقا؟!

ولا يقتصر الدليل على المذكور هنا, ففي تناولنا للسورة التالية للنحل نزولاً: القصص! سيظهر مزيد من التأكيدات التي ترُسخ هذا الفهم!
غفر الله لنا الزلل والخلل, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.