مأزق الأديان

“المكابرة”
… هي المسلك الذي –غالباً- ما يواجه به عامة الناس الحقائق التي لا يريدون حدوثها ولا الإقرار بها. وهو المسلك الذي يلتزمه العرب مقابل كثيرٍ من قضايا ومشكلات حياتهم
ومن أبرزها: القضية الدينية, فهم – مسلمون ومسيحيون وأقليات أخرى- لا يزالون يرفضون الاعتراف بأن أديانهم تجابه –في عصرنا- هذا مأزقاً خطيراً, ويرون أن الأمر لا يتجاوز عدم التزام نسبة يسيرة من أتباع الأديان بهدى الدين!
وأنا نفسي –كعامل في حقل الدعوة الدينية- لم أكن استشعر قدر وحجم الأزمة الحالية, وكنت أظنها خللاً يسيراً يمكن معالجته ببعض الجهد والالتزام!

فرغما عن أن كل مقاييس نجاح و”هيمنة” الدين كانت تصرخ بذلك لم ألحظ هذا, فحتى الحد الأدنى وهو عدد مرتادي دور العبادة كان علامة صريحة, فالمساجد في الأرياف شبه فارغة –فما بالنا بالمدن الكبيرة- وحتى في الجمعة يأتون متأخرين!

ولم تكن الكنيسة بأفضل حالٍ من المسجد!, رغما عن هذا كنت أظن أن الهوية الدينية مترسخة عند النصيب الأكبر من أتباع الدين وإن لم يلتزموا بأداء الصلوات في دور العبادة, إلا أنه ظن غير مبني على أي أساس علمي! فكيف تكون هناك هوية عند أفراد ما لم يُربوا ولم يُنشئوا عليها؟!

وكيف يكون هناك “انتماء ديني” ونحن نرى المستوى الأخلاقي المتردي في مجتمعاتنا العربية عامة؟! وكيف يكون هناك انتماء لشيء لا يعرفه الإنسان أصلاً؟!

إن المرء يشعر بالانتماء أو بالهوية لمن أو لما يرى أنه يشمله ويحتويه, ويقدم له توجيهات وإرشادات في حياته, وحلولاً للإشكاليات التي يواجهها, مع منظور شمولي للحياة, يشعر معه تابع الدين بالانسجام مع نفسه ومع مجتمعه ومع ربه! وهو ما لم يفلح عامة المتصدرين للشأن الديني في تقديمه للراغبين في العمل بالدين وأتباعه!!

فالإنسان لا يولد معرضاً عن الدين ولا يبدأ حياته بالإعراض, وإنما يقبل على الدين – وعلى مكونات أخرى للفكر والشخصية- ثم يستمر في إقباله على بعض المكونات ويعرض عن الأخرى, وللأسف فإن الدين من أول وأبرز ما يُعرض عنه الطالبون!

فبكل أسف يجد المحسوبون على الأديان أن المتصدين لقضايا المجتمع والذين يحاولون تقديم حلولاً لمشاكله, والذين “يُذكرونهم” بالمبادئ والقيم الأخلاقية و “الإنسانية” ليسوا “حملة الدين”, وإنما أفراد تابعون لمذاهب فكرية أخرى! ومن ثم بدأ الجيل الجديد في الشعور أن هذه الأديان “عالة” وعبء على المجتمع, وأنها لم تقدم له ما ينفعهوإنما هي بمثابة عوائق وقيود على الفرد, وأنها تقف عاجزة مستكينة ضعيفة, بل ولم تأخذ موقفاً واضحاً أمام مستجدات العصر مثل الرأسمالية والعولمة, اللتان تعملان على زيادة الغني غنى والفقير فقراً, بل وتحول الإنسان إلى سلعة في “سوق الحياة”!! واكتفت بموقف مائع عائم, قائم على تقديم بعض “العظات” والنصائح!!

والحديث المكرر عن “عصر ذهبي” للدين, حيث كان يحدث كذا وكذا, وكان أتباع الدين يفعلون كذا وكذا! وكان اليقين الإيماني والتهذب الأخلاقي على درجة كذا وكذا!

إن المأزق الذي تمر به الأديان حالياً لا ينحصر في “عدم تطبيق” أتباعه له, وإنما في إقناعه لأتباعه و “علوه” في عقولهم وقلوبهم! فالإنسان يريد توفر شرط “الرقي” فيما يتبع, فهو يريد “ديناً” يقدم له ما يرقي شخصيته ككل, عقلاً وقلباً, يشعر معه بالسمو الفكري والإيماني, وليس بالحيرة والتيه في فروع مسائل سطحية!! ومن ثم أقبل كثير من الشباب على هذه المذاهب الفكرية والفلسفية, بل وبكل غرابة على العلوم الطبيعية!!! ليؤمن بها, لأنه رأى أنها قدمت له ما لم يقدمه له الدين!!

ولم يقتصر الفعل على “المنتسبين” إلى الأديان, وإنما تعداه كذلك إلى “حامليه”, فلم يكن الدين هو المُكوّن الوحيد لشخصيتهم وعقولهم, وإنما أخذت المذاهب الفكرية والفلسفية الأخرى نصيباً في تكوينها, ولما رأوا في هذه المذاهب والأفكار “خيراً” ونفعاً وعدم تعارض مع الدين, قاموا بتلقيح الدين بهذه المذاهب الفكرية, التي لاقت قبولاً عند الناس وبالفعل نجحت هذه الخطوة في جذب نسبة لا بأس بها من الطالبين.

وعلى العكس وجدنا من قام ب “تديين” المذاهب الفكرية, فوجدنا من يتحدث عن “الدين الإنساني”, والذي هو المذهب الإنساني, إلا أنه أراد إعطاءه صبغة من القداسة, والتي لا تتوفر إلا في الدين! ومن ثم تمت “عقلنة وفلسفة وأنسنة الدين” وكذلك “تديين الفلسفة والإنسانية”!

وهكذا ظهرت إصدارات عديدة من الدين, يقوم كل مقتنع بمذهب فكري معين بإبرازه في الدين وتقديمه تبعاً له! ورضي كثيرون من أتباع الأديان بهذا الإصدار المعدل, بدلاً من أن يعرضوا عن الدين ويتركوه كلية! فهذه الإصدارات أفضل من الشكل السابق للدين! والتي نتجت حتماً عن خطأ في فهم وتقديم الدين!

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.