الشورى

إن حديثا عن الشورى هو من الأهمية بمكان في هذه الأيام التي استبد فيها الناس بأقوالهم عظمت مكانتهم أو حقرت , فما عدنا نرى أو نسمع أثر هذا المبدأ والقانون الرباني في حياة المسلمين بدأ من حكامهم وانتهاءا بنسائهم !

فإذا تكلم أحدهم عن الشورى تكلم عنها على استحياء كأنها صورة ممسوخة أو صورة مصغرة من نظام عفى عليه الدهر , فلقد ظهرت علينا الديمقراطية ببركاتها !
ذلك النظام الذي لم تخرج البشرية مثله – في الحمق والاستغفال بداهة ! –
فأنى لنا أن نعود ونتكلم عن ذلك النظام المسمى الشورى , فما هي إلا فرع من فروع الديمقراطية !
ونحن هنا إذ نتكلم عن الشورى فإنا نبدأ حديثنا بقولنا أن الشورى كقانون رباني لا يكون إلا من مجتمع مسلم ولا يؤتي ثماره إلا إذا كان في مجتمع مسلم الهوى والمشرب , ينزل على أمر الرحمن في كل جوانب حياته لا في تلك المجتمعات المحسوبة على الإسلام زورا وبهتانا ! فكما أن الديمقراطية لا تكون كما ينبغي لها أن تكنه إلا في مجتمع لا يقر للإله بدور فكذلك الشورى لا تكون كما يحق لها أن تكنه إلا في مجتمع يخضع لأمر وحكم خالقه ! ولا نريد أن ندخل الآن في ذلك النقاش العقيم حول أهمية الديمقراطية من عدمها 

ولكنا نذكر للأخوة المتمسكين بالديمقراطية والداعين لها , بأن
الجانب الذي تدعون إلى تطبيقه وتسعون إلى الوصول إليه ما هو إلا الشورى في أمر الحاكم وما بخلاف ذلك فأنتم تتبرأون منه وتقرون بأنه لا يصح في مجتمعاتنا ولا يتفق مع ديننا , ونذكر الأخوة الواهمين المؤمنين بجنة الديمقراطية المزعومة ,
.

ونعود إلى حديثنا عن المبدأ الرباني القويم : الشورى , فما هي الشورى ؟

الشورى كما نفهمها هي أن يكون لدى فرد مسألة من المسائل عرض له فيها حل أو لم يعرض ويريد أن يتحصل على آراء الآخرين في المسألة حتى يتقن من رجحان رأيه فيها أو عدمه أو لكي يجدوا له فيها حلا إذا أُشكل عليه حلها . هذا هو المعنى العام للكلمة فإذا نحن بحثنا عن الأصل اللغوي لها وقصدنا معجم المقاييس لابن فارس وجدناه يقول :

” الشين والواو والراء أصلان مطَّردان، الأوَّل منهما إبداء شيء وإِظْهارُهُ وعَرْضه، والآخر أخْذ شيء.

فالأوَّل قولهم: شُرت [الدَّابّة] شَوْراً، إِذا عَرضْتَها. والمكان الذي يُعْرض فيه الدَّوابّ هو المِشوار. …….. . .. والباب الآخر: قولهم: شُرْت العسلَ أَشُوره. وقد أجاز ناسٌ: أَشَرْت العسَل، …….. قال: والمَشار: الخليَّة يُشتار منها العَسَل.

قال بعض أهلُ اللُّغة: من هذا الباب شاورتُ فلاناً في أمري. قال: وهو مشتقٌّ من شَوْر العسل، فكأنَّ المستشير يأخذ الرأيَ من غيره .

ونجد أن كلمة الشورى هي الكلمة الوحيدة الصالحة لهذا المدلول فالشورى لا تكون إلا بعرض الأمر وإظهاره ولو لفرد واحد , فلا يمكنني أن أشاورك في أمر لا تعرفه ! ثم أخذ منك رأيك في الأمر قبولا أو رفضا , وبهذا نجد أن الشورى اشتملت على المعنين لا أنها حٌصرت في الأصل الثاني فقط وهو الأخذ , لأن الشورى كما قلنا عرض وإظهار وأخذ , بخلاف الإشارة فهي تأتي فقط بمعنى الإظهار فأنا أشير إلى الشيء أو أشير على فلان فأظهر له الأمر !

إذا هذا هو مدلول الشورى في اللغة , فإذا نحن قصدنا كتاب الله عزوجل بحثا عن الشورى وجدناها وردت في ثلاث مواضع , ( بغض النظر عن وجود سورة تحمل هذا الاسم !) موضع بصيغة الأمر وكان للنبي المصطفى وموضع في وصف الحال العام لجماعة المسلمين وموضع في وصف أمر العلاقة الزوجية 
ونبدأ في عرض الآيات :

يقول الرب الرحيم : ” َفبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران : 159] “

فإذا نحن نظرنا في الآية وجدنا أنها وإن كانت خطابا وأمرا للنبي المصطفى إلا أنها تحتوي إرشادا للأمة كلها وتوضيحا لدور المعاملة الحسنة في لم شمل الجماعة ,
فالله تعالى يقول للنبي المصطفى – ولكل إنسان راع ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …) – أنك لنت لهم برحمة الله وهذا من فضل الله عليك ولو كنت فظا غليظ القلب لما تجمعوا حولك ولما تبعوك وإنما كانوا سينفضون من حولك , فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر أي أنه من مقومات استمرار التجمع وعدم الانفضاض هو التشاور في الأمر حتى يشعر كل فرد أن له دورا في اتخاذ القرار فيسير في عمله على حماسة واقتناع بصوابه وحتى إذا لم تنزل الجماعة على رأيه فيد الله مع الجماعة وهي رأت رأيا آخرا ورأي الجماعة يحمل من وجوه النظر ما قد لا يراه الفرد .

الشاهد في الآية أن الله تعالى يأمر النبي بوصفه قائد المسلمين بالمشاورة والأمر في القرآن كما أسلفنا للوجوب ما لم يصرفه صارف من النص نفسه , وكما نرى فلا صارف في الآية , إذا فالشورى كانت واجبة على النبي المصطفى وهي كذلك واجبة على جموع المسلمين وقادتهم .

ومما يؤكد هذا الفهم والقول هو وصف الله تعالى للمسلمين بقوله : ” وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى : 38] “

فمن أهم صفات المجتمع المسلم أنه استجاب لربه ونزل على أحكامه فلم يعد يسمع لدعوى الجاهلية العلمية ! أو الاجتماعية ! وأقام الصلاة فهو على علاقة وطيدة بربه ثم إن أمره شورى بين أفراده ولا ينس هذا المجتمع الفقراء ووجوه الإنفاق المتعددة التي يحتاجها المجتمع أيا كانت فينفق المسلمون من مالهم من أجل دعم طلاب العلم والباحثين . إلخ وجوه الإنفاق .

والشاهد في الآية أن الشورى صفة ملازمة للمجتمع المسلم بدءا من أميره وانتهاءا بخفيره , فهناك شورى في أمور الحكم وهذه هي أعظم مواطن الشورى !
وهناك شورى بين أفراد المجتمع الصغير ( قرية كان أو مدينة ) وهناك شورى بين العاملين في مؤسسة واحدة وهناك شورى بين أفراد العائلة الواحدة , فيستشير الرجل زوجته وتستشيره بل وقد يستشيرون الأبناء أيضا ويطلب الأبناء بداهة مشورة الكبار قرابا كانوا أو غرابا , فبهذه الشورى بخرج الإنسان بأفضل الآراء وأصحها وكما قيل : لا خاب من استشار !

إذا فالشورى عنصر واجب الوجود في الاسرة المسلمة فليست الأسرة مكانا لاستبداد الرجل , فللمرأة حقوق وحقول مثل الرجل وفي هذا يقول الله العزيز : ” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف “ , ويقول أيضا في الآية الثالثة والأخيرة والتي تتحدث عن الشورى في القرآن :

َوالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة : 233] “

والآية تتحدث عن أحكام الرضاع وعن الذي يحمل هذه المسؤولية , ولكن الرائع والمذهل في هذه الآية هو قوله تعالى
” فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا “
فعندما يريد الوالدان أن يفصلا الوليد عن ثدي أمه ( يفطماه) وكان هذا عن تراض منهما وتشاور , فلا بد من وجود التراض مع التشاور وليست المسألة مسألة تشاور فقط بل تتعداه إلى الرضا , فالعلاقة بين الزوجين تختلف عن العلاقة بين أي فردين آخرين لذلك ذكر الله تعالى هنا ” عن تراض ” أي إذا أرادا أن يفطما الولد وكانت هذه الإرادة نابعة وبسبب التراض والتشاور فلا جناح عليهما
 أ
ما إذا حدث وفطم أحدهما الولد بدون إذن الآخر ورضاه وبدون أن يشوره فعليه جناح ووزر , وهذا يبين أن الرجل قد يأثم بمخالفة زوجه في أمر من الأمور حتى لا يظن ظان أنه على الزوجة أن تطيع زوجها فإذا خالفته فهي آثمة أما الرجل فهو يفعل كما يحلو له ويخالفها ولا حرج عليه , وها هي الآية تساوي بين الإثنين في الحرج في حالة المخالفة ,وليأتنا بالدليل من يريد أن يخالفنا !

إذا فهذا هو حال الشورى في القرآن أمر بالتنفيذ موجه إلى رأس الأمة المتمثل في النبي المطصفى ( وفي كل قائد ) ثم وصف لحال الأمة يأتي بعد إقامة الصلاة وقبل الإنفاق ثم وصف لحال الأسرة المسلمة وكيف أن الشورى هو المبدأ المسيطر على علاقة الرجل والمرأة وكيف أن هذا المبدأ يؤدي إلى دوام المحبة والألفة بين الإثنين فليس أحدهما مستعبد للآخر وإنما كلا الطرفين يتحرك من أجل سعادة الآخر ومن أجل تربية الأولاد وتنشأتهم كما يريد الله تعالى وبما يؤدى إلى فلاح الأمة المسلمة .

فإذا نحن انتقلنا إلى السنة النبوية عرفنا أننا سنجد حتما ما يؤيد كلامنا في أن الشورى كانت واجبة على النبي المعصوم , وما كان له أن يخالف أمر القيوم , ونعرض هنا للقارئ بعضا من الأحاديث التي تتحدث عن الشورى في فعل وقول النبي المصطفى :

فيروي الإمام مسلم في صحيحه : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا قَالَ فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ …… “
فالنبي يشاور قبل غزوة بدر ولا يتخذ القرارات هكذا اعتمادا على التفويض والحق الإلهي , فهو نبي يوحى إليه ومما أوحى إليه الأمر بالشورى فشاور !
ويروي لنا الإمام البخاري في صحيحه : بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ لِقَوْلِهِ { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ }
فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا أَقِمْ فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ
وَكَانَتْ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَالَ عُمَرُ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “

ولقد جمع الإمام البخاري في هذا الحديث قول الله مع فعل الرسول وفعل الصحابة في رواية واحدة جمع فيها فأوعى وضم فيها فأغنى , وبين فيها أن فعل الخليفة الأول أبي بكر الصديق كان بعد أن أقنع الصحابة بدليله من قول النبي المصطفى , فلم يقل لهم : هذا ما ارتأيته وعليكم الطاعة والسمع !

وجاء في المعجم الكبير للطبراني : كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عَمْرِو بن الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ فَعَلَيْكَ بِهِ .

وجاء في دلائل النبوة للبيهقي : حدثنا الواقدي عن شيوخه ، قالوا : « شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حصن الطائف ، فقال له سلمان الفارسي : يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون ، وتنصب علينا ، فنصيب من عدونا ، ويصيب منا بالمنجنيق فإن لم يكن منجنيق طال الثواء ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمل منجنيقا بيده ، فنصبه على حصن الطائف …

وجاء في حديث للترمذي : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ……. “
ونلاحظ أن النبي المصطفى استعمل في هذا الحديث صيغة الجمع حيث قال ” وأموركم ” وهذا يتفق مع النص القرآني فهناك استعمل اسم الجنس ” أمرهم ” وهنا فصل النبي وغاير فقال ” أمور ” أي أن الشورى في كل الأمور وليست في أمر الحكم فقط .

وكذلك جاء عند الترمذي : مَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى فَذَكَرَ قِصَّةً فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَوِيلَةً . قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وفي الترمذي : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَأَمَّرْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ
وجاء في مسند أحمد : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَوْ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا “
وروي في مصنف ابن أبي شيبة : عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لن يهلك امرؤ بعد مشورة). “


وأقوال النبي المصطفى وأعماله هي التأويل الأول لآيات الله عزوجل وهو بهذا التأويل يعطينا الأدلة على عظم قدر الشورى بين المسلمين , فهو يقول لصاحبيه أنهما لو اجتمعا على أمر ما خالفهما , وهذا مثال أكثر من رائع لتطبيق الشوري في جماعاتنا الصغيرة بدءا من الأصحاب والأهل والأزواج وانتهاءا بالحكومات .

كما يوضح لنا في الحديث الأخير أن المشورة نافعة ناجعة على كل حال فهي تهدي إلى سواء الصراط وقول الإثنين حتما خير من رأي الواحد والعشرة لزاما أبرك من الإثنين وهكذا .

نخرج من هذا البحث الموجز السريع 
بوجوب الشورى على حكام المسلمين باختلاف درجاتهم وكذلك بوجوبها بين الزوج وزوجه وجوبا عينيا 
وبأنها فرض كفاية على باقي المسلمين لا بد من أن يقوم به أكثرهم , فإذا تهاون أكثرية المسلمين في الالتزام بالشورى في أمور حياتهم أثموا جميعا لتكذيبهم ومخالفتهم لقوله تعالى ” و
أمرهم شورى بينهم ” ,
فعلى الإنسان المسلم أن يبدأ بنفسه ويكون من المشيرين في كل أو جل أموره حتى إذا تخاذلت الأكثرية يكون هو من الناجين من عقوبة مخالفة أمر الله تعالى .

وفي نهاية الحديث نُذّكر أن أوامر الرحمن لا تؤتي ثمارها المرجوة إلا إذا عملت كلها متساندة متكاتفة في مجتمع يتبع أمر الرحمن ويسير في توجهاته وخطواته كلها تبع أمر الرحمن , أما تلك المجتمعات المادية التي تسعى وراء شهواتها ولا تعرف لحياتها غاية فلن يجدي معها أي نصح , فهناك دوما طرق للتحايل وللتخلص من الأوامر والواجبات , لذا فإن خير رقيب وحسيب على الإنسان هو نفسه , فإذا كان مؤمنا تحرك بإيمانه وما عدا ذلك فسيكون هناك حتما تفريط وتضييع .

أما بخصوص الحديث عن تفعيل الشورى في المجتمع المسلم وكيفية تنزيل الأمر الرباني على أرض الواقع , فليس هذا مكانه وقد نفرد له موضوعا مستقلا واكتفينا في هذا البحث بتذكير المسلمين بالأقوال الرحمانية والأحاديث النبوية حول هذا الواجب والأمر المضيع من عامة المسلمين , كأن الله ما أمره به في كتابه ولا طبقه النبي القدوة الأسوة الحسنة في حياته والسلام على من اتبع الهدى .




 
 
 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.