إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الإنسان في عالم التكتلات الإحتكارية!

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإنسان في عالم التكتلات الإحتكارية!

    بسم الله الرحمن الرحيم
    هذه سلسلة مقالات للأستاذ الدكتور محمد يوسف عدس, كنت أتابعها على صفحات جريدة المصريون الإليكترونية وأنهاها الدكتور بحمد الله!
    ولما لها من النفع الكبير في كشف حقيقة التكتلات والاحتكارات في العالم وكيف أن أصحاب المصالح والثروات المالية هم من يسيرون السياسات العالمية, نقدم للقارئ الكريم هذه السلسلة من المقالات:

    الإنسان فى عالم التكتلات الإحتكارية [1]
    6/23/2009محمد يوسف عدس : كتبت عددا من المقالات عن منظومة الإقتصاد العالمية القائمة على القروض والفوائد .. ونبهت إلى خطورة إستسلام الدول النامية لسياسات الصندوق والبنك الدوليين .. وكشفت عن فشل مشرعات التنمية فى العالم الثالث بسبب هذه السياسات الخطرة على الأمن الوطنى والغذائى.. وبيّـنتُ أن ديون العالم الثالث يجب إلغاؤها لعدم غير شرعيتها .. ثم تناولت موضوع الشركات الكبرى فى عدد آخر من المقالات وصفت فيها بشيئ من التفصيل سباقها المحموم نحو الثروة والسلطة .. غير عابئة بمن تكتسحه فى طريقها من ملايين الضحايا من البشر .. تسحقهم تحت أقدامها وتلقى بهم فى مستنقعات الفقر والمرض والعبودية .. ونبهت فى آخر مقالة لى بعنوان " عصر الشركات الكبرى والحكومات الهزيلة " إلى خطورة هذه الشركات التى دخلت بلادنا عن طريق خصخصة القطاع العام ومن خلال وكلائها فى المنظومة السياسية الإقتصادية الحاكمة .. حيث أشرت إلى أن هذه الشركات فى زحفها ستأكل الأخضر واليابس .. وتحيل البشر إلى أشباح آدمية فى مجتمعات خاضعة لأبشع أنواع العبودية .. وتحت حكومات هزيلة .. تتحوّل فيها الديموقرطيات إلى فاشية ناعمة .. والدكتاتوريات إلى فاشيات غليظة .. حتى يتحسّر الناس على عهود الظلم والإستبداد التى مضت باعتبارها أسعد حالا من العصور التى ستليها..! عندما كتبت هذه المقالات ظننت أننى قد أدّيت واجبى .. بوضع المشكلة فى بؤرة الوعي العام ولكن يبدو أننى قد تسرعت فى تقديرى .. فقد تبين لى أن الأمر أعقد بكثير مما ظننت .. وأن هناك مؤشرات تبرز تباعا من سراديب الظلام إلى العلن .. على المستويين المحلى والعالمي .. فمن المستوى المحلي أشير إلى واقعتين قد لا يلتفت النظر كثيرا إليهما .. ولكنى أرى فيهما دلالات تنبّّئ بما ينبغى أن نتوقعه فى المستقبل القريب : الواقعة الأولى صدرت على شكل تصريح عابر من جهة ما محسوبة على النظام السياسى يقول :" إن عدم العدالة فى توزيع الثروة أفضل من العدالة فى توزيع البؤس " .. كلام تبدو عليه الخفة وعدم المبالاة بأوجاع البشر وتعاسة الكادحين وهم الغالبية العظمى من الشعب.. كلام يمكن أن يقال فى تفنيده الكثير .. ولكنى أكتفى الآن بعبارة واحدة أقول فيها: لا .. بل العدالة فى كل أمر والمساواة هما الميزان الحق.. ولا يصح فى شريعة الله ولا فى القانون الإنسانيّ المجرد من الهوي أن تنفرد فئة قليلة من المترفين بخيرات الأمة .. وتنأى بنفسها عن تعاسة الأغلبية المحرومة ...!! بهذا التصريح غير المسئول تسقط الأقنعة كما تسقط هالة الشرعية المزعومة ...!
    وأما الثانية: فهو خبر .. لو كان صحيحا فإننا نكون أمام نقطة تحوّل مزلزل فى سياسة الإستسلام القاتل والتنازلات المهينة للعدو الصهيوني .. لقد أنكرتُ هذا الخبر .. لأننى لم أصدق أن يجرؤ رئيس دولة عربية مسلمة على تهنئة الكيان الصهيوني الغاصب بالعيد الواحد والستين على إنشائه .. وبالتالى على النكبة العربية الفلسطينية ...!! أما على المستوى العالمي .. فقد تبين لى من قراءات مستفيضة وموثقة أننا لا نواجه مخاطر زحف الشركات العملاقة فحسب .. فهذه الشركات ليست إلا الجزء الصغير الظاهر من جبل الثلج الهائل الغاطس تحت مياه المحيط .. إننا نواجه منظومة أكبر وأشمل هى منظومة التكتلات الإحتكارية .. فيما يسمونه بـ (الكارتلاّت) التى يقبض أصحابها على ناصية القوى الثلاثة: المال والإقتصاد والسياسة جميعا .. وقد كانت هذه الحقيقة ماثلة فى ذهنى عندما وصفت أوباما بأنه فقاعة كبيرة .. وعندما تحدثت عن كبار السياسيين بأنهم مجرد خيول سباق فى إسطبل أصحاب القوة الحقيقية .. لقد كنت أعرف منذ بضعة أعوام أن واحدا منهم على الأقل هو هنرى كيسنجر .. وصفه أحد الكتاب صراحة بأنه واحد من خيول السباق فى حظيرة روكفلر .. نشأ وترعرع فى كنفه .. وأثبت ولاءه وعبقريته فى مهام أنتدب إليها فى بعض دول أمريكا اللاتينية .. كلها مؤامرات وتدبير إنقلابات واغتيالات لرؤساد دول منتخبين .. ثم فُرض على الرئيس نيكسون ليقوم بمهام دبلماسية أكبر لدى الصين والإتحاد السوفييتي .. وقد نجح فيها واكتسب عليها شهرةعالمية .. وكان ذلك كله جزءا من خطة لتوسيع مجال هيمنة قوى الإستغلال للكارتلات العالمية ...
    هذه إذن بعض مؤشرات عارضة على نوع الموضوع الذى سنتحدث عنه .. وقد كانت مادته حاضرة جاهزة أمامى لمدة عام كامل .. ولكننى كنت شديد التردد فى أن أتطرّق إليه .. لأسباب عديدة منها صعوبة الموضوع وصعوبة تصديق ما ينطوى عليه من حقائق غير مألوفة.. ولأن معظم أصدقائى لم يشجعنى على الكتابة فيه .. بينما عدد قليل جدا كان يستحثنى ويسألنى
    متى ستبدأ الكتابة فى هذا الموضوع..؟

    الإحتكار فى الصناعات الدوائية:
    كنت أقرأ تقريرا حديثا عن الأرباح التى حققتها شركة واحدة من شركات الأدوية فى عام واحد هى شركة فايزر.. لا لأن الشركة تهمنى ولا حتى الأدوية .. إنما كان يهمنى أن أرى حجم الأرباح والأموال التى تجمعها شركة واحدة ضمن مجموعة من الشركات فى تكتل احتكارى واحد تجمع ثروات هائلة وتزدهر من إستغلال أمراض البشر وتعاستهم .. يقول التقرير: أن شركة فايزر قد حصّلت من مبيعاتها حول العالم فى عام واحد ثلاثة وخمسين مليار دولار .. بلغت أرباحها منها أحد عشر مليار دولا ر ... ولكن النقطة الأهم هنا فى التقرير هى قول صاحبته (مارسيا آنجل).. و هى باحثة وخبيرة فى مجال صناعة الأدوية : " كنت أظن فى الأيام الخالية أن شركات الأدوية تُعنى فى أبحاثها بتطوير أدويتها لخدمة الإنسانية .. ولكنى إكتشفت أنها معنية فقط بتحقيق مزيد من الأرباح .. ولا تضيف إليها إضافات ذات قيمة .. وإنما تنفق أكثر على برامج تسويق القديم تحت أسماء جديدة .. وتضع عليه أغلفة جذابة .." ثم تتابع فتؤكد ماهو أخطر .. حيث تقول : "كانت الشركات فى الماضى تروّج أدوية لمعالجة الأمراض .. أما اليوم فإنها تروّج لأمراض تناسب أدويتها القديمة .. " وأضيف غير مبالغٍ: أن شركات الأدوية لا تأبه بنشر الأمراض فى العالم لتوسيع رقعة أسواقها ولتحقيق مزيد من المبيعات ومزيد من الأرباح .. وتستصدر من الحكومات قوانين وتشريعات لتحريم العلاجات البديلة والأدوية البديلة .. وتجريم أصحابها والمروّجين لها .. وتصِمُهم بأنهم مشعوذون ونصّابون .. بينما هى فى الحقيقة علاجات ثبت أنها أكثر فاعلية وأرخص ثمنا ومحصّنة من الأضرار الجانبية المهلكة التى تلحقها الأدوية الكيميائية بالجسم البشري والعقل البشري .. ومن أبرز وأشهر الحملات الأمريكية فى هذا المجال حمْلتها الأمنية والإعلامية على إستخدام فيتامين( بى17) أو( لاترايل .. وهى مادة نباتية موجودة فى الطبيعة بوفرة) .. نعمة من نعم الله على مخلوقاته .. فى علاج مرض السرطان والسيطرة عليه وعلى آلامه .. حتى فى الحالات المتأخرة من المرض .. فقد طُورد أطباء هذا العلاج الرخيص الثمن فى أمريكا .. واضطهدوا وحُكم عليهم بالسجن .. وسُحبت منهم رخص العمل .. لحرمانهم من ممارسة مهنة الطب والعلاج .. واستخدم الإعلام المأجور لتلفيق التهم إليهم وتلويث سمعتهم بالأكاذيب والإفتراءات.. حتى اضطر بعضهم إلى الهجرة إلى االمكسيك لممارسة مهنتهم الطبية فى علاج السرطان .. وأصبحت المكسيك مركزا عالميا لعلاج السرطان بأدوية بديلة غير علاجات البتر والحرق والتسميم .. وأنا أقصد: الجراحة والأشعة والكيماوي.. أو مثلث الشر الذى تريد شركات الأدوية الأمريكية .. تثبيت البشرية عليه إلى الأبد .. لأنه علاج باهظ التكاليف وهى تحصد منه بلايين الدولارات .. خصوصا مع تزايد عدد ضحايا المرض وانتشاره المروّع فى العالم كله .. وهى ظاهرة تستحق التأمل والدراسة خصوصا فى مصر .. ذلك لأننى أعتقد أن وراء تفشّى هذا المرض وأمراض أخرى فى مصر له أبعاد سياسية ومصالح إقتصادية عميقة الغور .. بل وراءه أيضا أيديولوجية ضد إنسانية وخطيرة على حياة البشر ...
    لقد أعلن الرئيس نيكسون فى الستينات من القرن العشرين أنه بسبيل شن حملة عالمية كبرى للقضاء على السرطان .. وخصص مئات الملايين من الدولارات للبحث العلمى .. وطنطنت له أجهزة الإعلام .. لا فى أمريكا فحسب بل فى كل الدنيا .. ولقد مرت السنون .. أكثر من أربعين عاما الآن .. ولم تتقدم الأبحاث فى علاج السرطان قيد أنملة .. ولم يظهر علاج واحد جديد ينافس مثلّث الشر الذى أشرت إليه ..!!
    نعم .. سوف تجد هنا وهناك بعض أبحاث حرة بعيدة عن مراكز الأبحاث الكثيرة الهائلة التى تسيطر عليها كارتلّة الصناعات الدوائية .. ولكن سرعان ماتندثر هذه الأبحاث فلا تجد لها أثرا بعد إعلان نتائجها الأولية .. فشركات الصناعات الدوائية لها بالمرصاد .. بوسائلها المالية والعلمية والحكومية المسخرة فى خدمتها .. تقمعها فى المهد بالمحاصرة والإجراءات القانونية وشبه القانونية .. أو تشتري براءة الإختراع من أصحابها بسخاء .. ثم تضعها فى ظلمات خزائنها فلا ترى النور إلى يوم القيامة .. ولا يزال هناك من الباحثين والمخترعين فى هذا المجال على درجة عالية من السذاجة أوحسن الظن .. يعتقدون أن هذه الشركات ما دامت قد أظهرت إهتمامها بالإختراع ومستعدة لدفع مبالغ كبيرة لشرائه فلابد أنها ستقوم بتصنيعه وتسويقه .. لأن صناعة الدواء [فى وهْمهم] خدمة إنسانية كبرى تتنافس شركات الأدوية فيه .. هم لم يفهموا أن حكاية المنافسة هذه ليست إلا وهما فى خيالهم ..ليس لها أى وجود بين شركات الأدوية ولا فى عالم الشركات العالمية كلها بلا إستثناء .. فكل هذه الشركات تعمل ضمن منظومات او تكتّلات إحتكارية كونية نسميها إبتداء من الآن لتسهيل التناول [ كارتّلات] .. يتحكم فيها حفنة من البشر أو عدد محدود من الأسر تتوارثها جيل بعد جيل ...
    تقول: ولكن هذا عالم الرأسمالية .. والرأسمالية ترتكز على ركيزتين أساسيتين : المنافسة وحرية السوق أو الحرية التجارية .. وجوابى ببساطة هو: أن هذا مجرد كلام كتب .. يتعلّمه أبناؤنا فى جامعاتهم .. ثم يأتون من هناك مبهورين باكتشافاتهم العبقرية التى حصّلوا فيها درجات الدكتوراة.. ونسلّمهم نحن فرحين بإنجازاتهم العلمية .. وتفوّقهم فى عالم الإقتصاد وزارات المال والإقتصاد والتنمية .. وبدلا من أن يحسنوا إدارتها نراهم فقط يتشدّقون بالكلام .. ويزعمون لنا أنهم يملكون الحلول لكل مشاكلنا .. فإذا بهم فى مجال التطبيق العملى يبدّدون المال العام ويخربون الإقتصاد ويدخلون التنمية فى متاهات نظرية .. ويتحولون إلى كائنات عاجزة حتى عن توفير رغيف نظيف من الخبز يحصل عليه المواطن محدود الدخل بكرامة وبسعر فى حدود قدرته ووسعه .. هذا المنتج الأمريكي من اصحاب الدرجات العلمية .. أصحاب المراكز الحاكمة فى بلآدنا هم الذين يتنافسون على خصخصة ممتلكات الأمة لتباع للأجنبيّ بأبخس الأثمان .. وهم الذين يروجون لشعارات العولمة وحرية التجارة .. وهذا هو دورهم الحقيقى (علموا أو جهلوا) لتسهيل مهمة الشركات العملاقة فى اختراق إقتصادنا والسطو على ممتلكات الأمة وثرواتها وإرادتها .. وهم فى كل حال لا يكفّون عن فلسفة تجاربهم الفاشلة الخرقاء.. والثرثرة حول برامج الإصلاح المالي والإقتصادي التى لا بد أن تؤتى أُكلها فى يوم قريب .. ثم لا يأتى هذا اليوم أبدا ...!! .
    أظن أننى قد أثرت قضايا مختلفة قد تبدو بغير رابط لمن ينظر إليها لأول وهلة .. ولكنها فى منظور المدقق تنتمى بعضها إلى بعض برباط وثيق سوف نكشف عنه تباعا فى سلسلة من المقالات...
    أكثر جهدى فيما أكتب سيتركز على إزاحة هالات القداسة الزائفة التى تحجب عن أبصارنا الحقائق المجردة .. هذه الهالات التى ترسّخت فى وعينا بفعل التكثيف المضلل لعمليات التعليم والإعلام والتثقيف .. وهى عمليات تحيط بالإنسان المعاصر منذ ولادته حتى يتوارى فى قبره .. قلة من الناس أفلتوا من هذا المصير ورأوا العالم من منظور آخر .. وحاولوا تقديم رؤيتهم إلينا.. وأعترف أن على الإنسان أن يبذل جهدا مضنيا لكي يفلت من هذه الدائرة الجهنمية التى تحيط به.. لكى يتمكن من فهم واستيعاب هذه الرؤية .. ولكنه عندما يفعل سيشعر أنه يملك أداة جديدة تفسر له اشياء كثيرة كان يراها من قبل ألغازا وأسرارا ومتناقضات غير مفهومة .. سيرى العالم على حقيقته ...

    مرض السرطان والعلاجات البديلة:

    ربما تكون هذه الواقعة مدخلا مناسبا لأنها كانت مؤخّرا موضع اهتمام قنوات التلفزة العربية : عالم أمريكي كبير من أصل مصرى إسمه الدكتور مصطفى السيد دُعيَ للحضور إلى البيت الأبيض ليتسلم أعلى وسام للعلوم من الرئيس الأمريكي السابق بوش .. وذلك فى يوم الإثنين 29 سبتمبر2009 وكانت المناسبة هى أبحاثه التى أنفق فيها عمره (وهو الآن فى سن الشيخوخة) .. ونجاحه فى استخدام تكنولوجيا النانو لتفتيت الذهب واستخدام جزيئاته فى علاج السرطان .. تجاربه حتى الان نجحت 100% فى علاج حيواناته المعملية .. ولم يبدأ إختبارها على الإنسان .. وهو يأمل أن يبدأ علاج الإنسان بالذهب خلال سبع سنوات .. أُستقبل الخبر فى الأوساط العربية باحتفال هائل .. وكتبت فيه الصحف تعليقات وتقارير لا حصر لها .. وقد أحصيت على شبكة الإنترنت أكثر من خمسمائة تقرير على عشرات المواقع .. ولا شك أن هذا الكشف يمكن أن يكون أمل المستقبل فى إنقاذ ملايين البشر .. لا من المرض فحسب بل من العلاجات المفروضة على البشر من جانب إحتكارات شركات الأدوية الأمريكية .. التى حصرت العلاج فى البتر بالجراحة والحرق بالأشعة والتسميم بالكيماوى .. فمن الواضح من الترحيب الهائل بهذا الكشف العلمي أن هذه الوسائل لم تنجح فى معالجة السرطان ولا فى محاصرته .. فالعلاج بها له آثار مدمرة على الخلايا الحية وخصوصا خلايا جهاز المناعة الذى يُعوّل عليه فى مصارعة السرطان وغيره من الأمراض الأخرى التي تقتحم جسم الأنسان .. علاوة على ذلك فإن الإحصاءات تدل على أن مرض السرطان ينتشر وتتسع دائرة ضحاياه كل يوم فى بلاد العالم بخلاف الأمراض الأخري التى أصبح علاجها معروفا ..
    التقديرات الإحصائية لمنظمة الصحة العالمية التى صدرت فى مايو 2008 تقول: إن الوفيات السنوية الناجمة عن مرض السرطان فى العالم فى زيادة مضطردة من 7,4 مليون وفاة سنة 2004إلى 11,8 مليون سنة2030 ، ويوجد فى أمريكا خمسة آلاف مريض بين كل مليون أمريكى ، وأن بعض البلاد تتضاعف فيها إصابات السرطان كل عشر سنوات بمقدار 100% .. علما بأن المنظمة تشكو من الإحصاءات الرسمية لمعظم دول العالم وترى أنها لا تمثل الواقع .. وأن كثيرا من الدول لا تتقن التسجيل أوالإحصاء .. ولا تملك الأدوات العلمية والتشخيصية الصحيحة لمرض السرطان .. بمعنى أن الواقع أبشع مما تصوّره هذه الإحصاءات ..
    استمعت إلى الدكتور مصطفى السيد وهو يشرح عمل الذهب فى علاج السرطان : فبعد أن تمكن من تفتيته بتكنولوجيا النانو إلى جزيئات متناهية الصغر .. وجد أن الذهب يكتسب خصائص جديدة لم تكن فيه وهى أن هذه الجزيئات تكتسب القدرة على إرسال وميض حارق لا ينطلق إلا عندما تصادف جزيئات الذهب خلية مصابة بالسرطان فتنفجر فيها وتدمرها .. بينما تبقى الخلايا السليمة بلا أذى .. وعجبت لأن هذا الوصف الذى سمعته ينطبق على مادة أخرى كانت موضع إهتمامى لثلاث سنوات سابقة .. مع إختلاف طفيف .. وهو أن هذه المادة مصدرها نباتي لا معدني ، وأنها تحتوى على مادة سامة لا تؤثر على الخلايا السليمة ولا تتفاعل مع أجهزة الجسم و ولا الدم .. ولا تنطلق هذه المادة الفعّالة إلا عندماتصادف خلية سرطانية فإنها تتفاعل معها وتدمرها ليتخلص منها الجسم مع بقية إفرازاته .. وقد وجد مجموعة من الأطباء الأمريكيين الذين مارسوا العلاج بهذه المادة أنها تعطى نتائج أفضل بكثير من العلاجات التقليدية .. وتحرّر المريض من عمليات التشويه بالبتر والحرق والتسميم.. وفوق هذا فإن الحالات المتأخرة من السرطان والتى يئس الأطباء من التعامل معها تجد عند هؤلاء الأطباء الملاذ لتجنّب الآلام المبرحة .. بأساليب غذائية وعلاجية تسيطر على المرض وتمنح صاحبه فرصة للحياة الطبيعية حتى يحين أجله المقدّر له .. ولكن شركات الأدوية من خلال سطوتها الإحتكارية السياسية وهيمنتها على المؤسسات الطبية واالبحثية والتعليمية والإعلامية فى أمريكا أوقفت نشاط هؤلاء الأطباء وأغلقت مستشفياتهم وعياداتهم .. وسحبت السلطات الطبية تراخيص العمل منهم وحاصرتهم بالقضايا والإعتقال والسجن .. وعمدت إلى تلويث سمعتهم من خلال الإعلام والسينما .. وقدّمت للرأى العام تقارير وأبحاث مزيّفة لإثبات عدم فاعلية العلاجات التى يستخدمونها .. لا لشيئ سوى أن هؤلاء الأطباء يقدّمون علاجات رخيصة وأكثر فاعلية للسواد الأعظم من المرضى..
    تقول مستنكرا: أيحدث هذا فى أمريكا ..!!؟ وأقول لك نعم وما هو أكثر منه وأبشع .. مما سنطرحه مفصّلا فى هذه المقالات .. لقد اضطر هؤلاء الأطباء المحظورون كما اشرت سالفَا أن ينتقلوا إلى المكسيك لممارسة مهنتهم الطبية وأنشأوا هناك مع أطباء مكسكيين مستشفيات وعيادات بلغ عددها ثلاثين مستشفى وعيادة .. واصبحت المكسيك بذلك المركز العالمى لعلاج السرطان بطرق غير تقليدية .. ومن ثَمّ أخذ مرضى السرطان الأمريكيون يتقاطرون على المكسيك بعشرات الألوف بحثا عن علاج أكثر إنسانية وأكثر فاعلية وأقل تكلفة.. هذا التدفق البشرى إلى المكسيك أثار حنق كارتلات الدواء الأمريكية .. خصوصا بعد فشل مسعاها بالمال والنفوذ السياسي فى إغلاق صناعة فيتامين بى 17بالمكسيك .. وإغلاق مستشفيات علاج السرطان القائمة فى المكسيك على الحدود الأمريكية .. [ تذكر أن ظهورأول موجة لإنفلونزا الخنازير كان فى المكسيك وقد صحب هذا تركيزا إعلاميا وتهويلا غير مُبَـِرّرِ لخطرالمرض مما أشاع هلعا عالميا .. وقد وصفت هذه الهلع المصطنع فى حينه بأنه فقاعة كبيرة .. وكان فى ذهنى لحظتها أنها مؤامرة مقصودة لمنع تدفق مرضى السرطان الأمريكيين من الذهاب إلى المكسيك فى طلب العلاج بتخويفهم من وباء الخنازير.. وقد تأكد لدىّ هذا الخاطر خصوصا بعد أن علمت أن لدى الحكومة الأمريكية مخزونا من عقار( تاميفلو) بمليارات الدولارات منذ عام 2005وتوشك صلاحيته على الإنتهاء قريبا .. ونشر الرعب من إنفلونزا الخنازير مفيد جدا فى تسريع عملية بيع هذا المخزون لا على المستوى المحلى ولكن على المستوى العالمى أيضا .. وبلاد مثل بلاد العرب ومنها مصر وجدتها فرصة سياسية وإقتصادية: لتغطية إخفاقات ومصائب كثيرة على الساحة .. فنفخت فقاعة الخطر الخنزيري إلى أقصى المدى.. ظنا منها أن ذلك مفيد فى وقف العمرة والحج أيضا .. وكله مكاسب .. ولكنها وجدت أن التمادى فى التهويل من خطر المرض وانتشاره سيؤثر على الوارد من السياحة وعوائدها .. فبدا الإضطراب فى تصريحات وزير الصحة من النقيض إلى النقيض: من 18 مليون ضحية والحديث عن إعداده لمقابر جماعية إلى التهوين المخلّ بقوله فى مجلس الشعب ان انفلوانزا الخنازير علاجها قرص أسبرين ..! مثل هذه المبالغات تدل على إضطراب شديد فى القرارات السياسية وفى الإدارة على السواء.. وليس أدل على ذلك من إنتقالهم بعيدا عن القاهرة إلى الحدود الليبية لتوليد فقاعة جديدة إسمها الطاعون .. هذه إدارة فاسدة وفاشلة حتى فى اختلاق الفقاعات .. ولم يعد لها من وسيلة فى السيطرةعلى الجماهير إلا بالتخويف والإرهاب ...!]

    الغذاء كعامل فى الصحة والمرض والعلاج:

    نحاول الآن إستعراض وجهة نظر هؤلاء الأطباء فى مرض السرطان: كيف ينشأ عند الإنسان ..؟ وما هى نظريتهم فى الغذاء التى يرجعون إليه صحة الإنسان ومرضه .. وكيف يصبح التحكم فى عناصره سببا فى الصحة والوقاية من المرض وعلاجه إذا حدث ..!؟
    السرطان فى نظريتهم هو نمو غير طبيعى بلا قيود لخلايا تسمى تروفوبلاست Trophoblast، التى هى نفسها جزء طبيعى وحيوى لعملية الحياة .. هذه الخلايا يقوم الجسم بإنتاجها كنتيجة لسلسلة من تفاعلات يتدخل فيها هرمون الإستروجين .. وعادة مانجد الإستروجين بكميات كبيرة نسبيآ فى الأنسجة المجروحة.. ليساعد كمنظم أو كمحفّـز لترميم الجروح .. وينشأ السرطان نتيجة تمزق أو إجهاد لعضو أو لنسيج فى مكان ما بالجسم يمتد لفترة طويلة .. نتيجة لإدمان التدخين مثلا .. أو لتراكم المواد الكيميائية المضافة فى أطعمتنا المعلبة أو المحفوظة ..أو نتيجة فيروسات معينة .. فهذه كلها من الأسباب التى تفجّر هرمون الإستروجين كجزء من عملية الإلتئام الطبيعية .. من حسن حظ المخلوقات ِإذَنْ أن الله قد وفّر للجسم حاجزآ أيضــيًآ (نسبة إلى عملية التمثيل الغذائى) .. وهى آلية شديدة التعقيد تستهدف السيطرة والحد من نموّ [خلايا تروفوبلاست] .. وهناك عناصر كثيرة تتفاعل فى هذه العملية ربما من أكثرها تأثيرآ مباشرآ إنزيمات البنكرياس .. مع عنصر عذائى يعرف بإسم Nitriloside أو فيتامين (بى17) ، وكثيرا ما يشار إليه باسم (لاترايل) وهو مركب فريد له قدرة على تدمير الخلايا السرطانية بينما يحافظ فى الوقت نفسه على الخلايا الأخرى غير المصابة ..
    وإذن (فى نظر هؤلاء الرواد) لكى يتجنب الإنسان السرطان عليه أن يتجنب الأسباب التى تؤدّى إلى عمليات التمزيق المركّزة طويلة المدى.. وكذا الإجهاد المزمن لأنسجة الجسم (التدخين هو نوع من الإجهاد المزمن لأنسجة الرئة والجهاز التنفّسيّ) .. وأن يقلل من الأطعمة التى تحتاج الى إنزيمات البنكرياس فى هضمها .. والمحافظة على نظام عذائى غنى بالفيتامينات والمعادن خصوصآ فيتامين بى 17.. هذا التفسير الغذائى لنشوء السرطان والوقاية منه يلقى معارضة هائلة .. عالية الصوت من قبل المؤسسات الرسمية الكبرى فى الولايات المتحدة .. ومنها إدارة مراقبة الأغذية والأدوية FDA،وجمعية السرطان الأمريكية ACS، والجمعية الطبية الأمريكية AMA.. فكل هذه الهيئات دمغت التفسير الغذائى بالهرطقة والتدليس .. وذلك لدوافع سوف نتطرّق إليها فى موضعها ...
    فما هو موقف الأطباء الأمريكيين بصفة عامة...؟؟ يجيب على هذا السؤال جى. إدوارد جريفين فى كتاب له مشهور بعنوان: عالم بلا سرطان World Without Cancer يقول: " ... إذا ذهبت تقيّـم موقف الأطباء لوجدت بينهم شيئآ من التفصيل: فهم أولآ ليسوا جزءآ من هذه المعارضة الضارية إلا بالقدر المهنى .. من حيث أنهم يستمعون إلى تصريحات الموسسات الطبية الرسمية ويتقبلونها بثقة وبدون مساءلة .. ولكن كثيرا منهم لايمانع من أن يعطى العلاج بفيتامين بى17 الفرصة للتجريب فى العلاج .. ولكن المشكلة هي أن الأطباء الأمريكيين ممنوعون بالقانون، ومن خلال الضغوط المهنية من جانب زملائهم من تجريب هذا الدواء .. ولا يعرفون عن نتائج تجربته إلا مايصل إلى أسماعهم من بعيد من أنه علاج فعاّل .. وكلما ظهرت أدلّة على نجاح هذا العلاج يشتد الجدل وتتعاظم المعارضة فى الأوساط الطبية .. والسبب بسيط وخبر غير سار .. فالسرطان قد أصبح فى الولايات المتحدة تجارة كبرى تُتداول فيها عشرات البلايين من الدولارات..."
    ويؤكد جـريفين أن هذه الثروات لا تأتى من ناحية التوسع فى الأبحاث والأدوية والأشعّة كما يخطر على الذهن .. وإنما يوجد جانب سياسى غير منظور يتمثل فى تبادل المصالح بين الأحزاب فى تنافسها على السلطة وبين المهيمنين على إحتكارات الأدوية الخاصة بعلاج السرطان .. فالسياسيون يحتاجون إلى مال أصحاب هذه الصناعات العملاقة للإنفاق على الحملات الإنتخابية الباهظة التكاليف .. وأصحاب هذه الصناعات يستفيدون من منافسات السياسيين ووعودهم بتخفيض الضرائب من ناحية .. والمزيد من التدعيم الحكومى فى مجال الدواء والعلاج .. إلى جانب مصالح تجارية ومكاسب أخرى .. وكل هذا يذهب فى النهاية إلى جيوب أصحاب الصناعات الدوائية..."
    ويرى جريفين "أن هذا نذير شؤم لمستقبل مكافحة السرطان .. يؤدّى إلى تكريس الأوضاع الراهنة فى الإتجاهات العلاجية .. التى تضيف فى النهاية كل يوم جيشآ جديدآ من المنتفعين بهذه التجارة العلاجية الرائجة ... ثم يتابع جريفين كلامه فيقول: إذا كنا نريد حقّّّّّّا أن نسد هذا الشرخ الهائل الذى تتسرب منه المليارات، فليس علينا إلا أن نجرب هذا العلاج البسيط الذى يوجد فى الطبيعة بكثرة وبثمن بخس ؛ وعندئذ سوف ينهار هذا البناء الضخم لهذه التجارة ذات الأبعاد الصناعية والسياسية المتداخلة ... "
    هذه الحقيقة فى حد ذاتها تجعل من اصحاب هذه التجارة يبذلون كل مافى وسعهم للتعتيم على أى حقيقة علمية تـَعِدُ بوسائل بديلة لعلاج السرطان بتكلفة زهيدة.. لأن معنى ذلك أن يتنازلوا عن الأرقام الفلكية من أرباحهم فى تثبيت العلاج على وضعه الراهن .. ويجب أن ننبه هنا إلى أن (الجراحين وأطباء الأشعة والصيادلة والباحثين وكذا الآلاف من الناس الذين يثقون فيهم وينفقون بسخاء للحصول على العلاج والتخلص من هذا المرض البشع).. كل هؤلاء جميعآ لا يمكن أن يمنعوا (وهم واعين ) أى محاولة مخلصة للسيطرة على مرض السرطان...!
    إنهم جميعا مهتمون بمقاومة السرطان ويبذلون قصارى جهدهم فى هذا السبيل.. وبضمير حى يقظ .. وليس أحب الى قلوبهم أكثر من أن بتمكنوا من وضع حد لمعاناة الإنسانية التى يسببها مرض السرطان .. علاوة على كل هذا فإن الأطباء والجراحين والصيادلة والمعالجين بالأشعة، يشعرون بأن هذا المرض المهلك يهددهم هم أنفسهم وأسرهم أيضا .. بنفس الدرجة التى يشعر بها بقية الناس .. ومن المعلوم والواضح انهم لا يملكون علاجات أخرى سـرّية للسرطان يحتفظون بها لانفسهم ولأسرهم..!!! يقول جى. إدوارد جريفين معلّقا على هذه النقطة : " هل يتبع هذا بالضرورة أن نفهم أن كل معارضة للتشخيص والعلاج البديل الذى ألمحنا إليه سالفا هى معارضة بريئة .. وهل من الواجب علينا أن نؤمن بأن المنافع الشخصية والمصالح الخاصة الراسخة ليست عاملآ قائمآ وفعالآ..!!؟؟ لا .. بل يجب أن نعلم أن هناك فى أعلى الهرم الإقتصادى والسياسى للسلطة فى الولايات المتحدة توجد تكتلات ومصالح مالية وصناعية وسياسية متداخلة تداخلا مذهلا .. هى بطبيعة تركيبتها وأهدافها تشكل العدو الطبيعى للمقترب الغذائى للصحة والوقاية الصحية والعلاج ...
    بتحديد أكثر هم أعداء لفكرة: أن منشأ السرطان والوقاية منه يتوقف على كل ما يدخل الجسم من عناصر غذائية .. وقد إستطاع هؤلاء بما يملكون من قوة المال ونفوذ فى السلطة السياسية والإدارية أن يخلقوا مناخآ متحيزآ .. بل ومناهضآ لموضوعية البحث العلمى .. بحيث اصبحت حرية البحث العلمى ونزاهته من المستحيلات.. خصوصا فى مجالات الطب والدواء والعلاج والغذاء .. فالتّكتّلات الإحتكارية فى الصناعات الدوائية والكيميائية والأغذية سوف تقضى على أي بحث علمى يشكّك فى قيمة منتجاتها أو يقترح بديلا عنها أنفع وأرخص تكلفة .. وسوف تحارب كل أسلوب أو طريقة علاجية بديلة عن الأساليب العلاجية التى فرضتها هى وجعلتها تقليدا راسخا فى الأوساط الطبية والتعليم الطبيّ [ الذى صاغته هى ونفّذته على مدى العقود الطويلة ] .. وسخّرت للحفاظ عليه و استمراره قوى ومؤسسات ذات نفوذ خطير فى مجالات: السياسة والتشريع والإعلام .. وبإنفاقها الهائل فى كل هذه المجالات ..
    تقول: إنك تحدثنا عن كائن خرافيّ لا وجود له إلا فى الخيال ..! وأضيف إليك من عندى ما يعزز تشكك .. أقدّم إليك هذه المعلومة: فقد تناول " لاندو إمانويل " بالنقد آراء جريفين فى المجلة الأمريكية للصحة العامة واعتبرها من قبيل نظريات المؤامرة ... ومع ذلك أقول: إذا كنت تريد الحقيقة المجردة والمدعّمة بوثائق ومصادر أولية مسجلة فى كتب منشورة .. وتحقيقات دارت فى أروقة مجلسي النواب والشيوخ فى الكونجرس الأمريكي .. وعلى لسان رجال من داخل هذه المنظومة الإحتكارية أصيبوا بصحوة ضميرمفاجئ .. إذا كنت تريد الحقيقة المجردة .. ولديك الصبر والقدرة على أن تراجع ما أكتبه على ماهو مطبوع فى كتب ومقالات منشورة فى أوعية ورقية أو إلكترونية فسيصيبك الذهول .. بل قد يصيبك الإغلاق العقلي .. ومن ثم فهذا تحذير لمن لا يجد فى نفسه المناعة النفسية والصلابة الفكرية أن يواصل قراءة هذا الكلام الذى أحاول فيه الكشف عن الألغاز والأبعاد المتشابكة لهذا الموضوع ...
    كلما أمعنا التقصّى فى الأمور سنجد أن للقوى الإحتكارية التى أشرنا إليها سيطرة هائلة على المهن الطبية ، وعلى الدراسة فى كليات الطب ومعاهده ، وعلى المجلات الطبية التى تنشر أبحاث العلماء .. وكان من نتيجة هذه الهيمنة أن أصبح الطبيب العادى خالى الذهن من أى تشكك فيما حصـّله من معرفة طبية .. من خلال هذه المؤسسات.. لقد إكتسب نظرته وتشكّلت عقليته بحذق شديد من جانب القوى المهيمنةعلى هذه المؤسسات.. علمآ بان هذه القوى تمثل[ مصالح غير طبية على الإطلاق ] ، فهى مصالح تجارية بالأساس .. تستطيع هذه القوى أن تضغط بأصابعها على مفاتيح ماكينة السلطة السياسية لتحريك المؤسسات والإدارات الحكومية لخدمة أهدافها ومصالحها .. ولتلفتها عن وظيفتها الأساسية المفترضة فيها .. وهى خدمة الشعب وخدمة مصالحه ...
    هذه إذن إتهامات جادة ولا ينبغى أن يتم قبولها بدون مناقشة.. فلنبدأ الآن بالنظر فى الأدلة التى تؤكد هذه الإتهامات..! وسوف نرى أن المعلومات التى تقدم كأدلة ثبوتية هى بصفة أساسية مستقاة من جلسات مناقشة .. وتقارير منشورة بواسطة لجان فى الكونجرس ومجلس النواب الأمريكى فى الفترة مابين 1928 إلى1946م وعلى رأس هذه اللجان: لجنة النواب الفرعية لسنة1934م للتحقيق فى صناعة الدعاية النازية .. ولجنة الكونجرس الخاصة للتحقيق فى صناعة الذخيرة لسنة 1935 .. وتقرير اللجنة المؤقتة بمجلس النواب للتحقيق فى تأثير التكتلات الإحتكارية على الإقتصاد القومى سنة 1940م .. وتقرير لجنة الكونجرس الخاصة بالتحقيق فى برنامج الدفاع القومى سنة1942م .. وتقرير لجنة براءات الإختراع لسنة 1942.. وتقرير اللجنة الفرعية بالكونجرس للتعبئة العسكرية سنة 1946م .. إلى جانب مصادر أولية أخرى هامة مثل تقارير لجنة تحقيق الكونجرس فى الّلوبيّات .. ولجنة تحقيق الكونجرس فى البنوك والتمويل وسجلات المحاكم وتحقيقات محاكمات نورمبرج .. الى جانب عشرات المراجع الهامة فى المكتبات.


    إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

  • #2
    التكتلات الإحتكارية .. كيف ظهرت وتوسعت ..؟؟:
    فى سنوات ماقبل الحرب العالمية الثانية ظهرت كتلة إحتكارية ( كارتل ) مركزها ألمانيا.. إستطاعت أن تسيطر على الصناعات الكيماوية والأدوية فى أنحاء العالم ..إذ إمتدت عملياتها إلى 93 دولة .. وأصبحت قوة إقتصادية وسياسية هائلة فى جميع قارات العالم.. تحت إســــم أى. جى. فاربن I .G. FARBEN [ تذكّرهذا الإسم فسيرد كثيرا ] وقد شملت أنشطتها الإنتاجية كل أنواع الصناعات الكيماوية بما فيها الأدوية والذخيرة.. بمعنى آخر ان هذا العملاق الهائل كان يملك فى قبضته وسيلتين متناقضتين بإحداهما يهب الصحة والحياة .. وبالأخرى يرسل الموت والدمار .. وأقصى مايتمناه البشر أن يحصلوا على الأول ويتجنبوا الثانى ... حقيقة رهيبة أن تسيطر حفنة من البشر على الذخيرة والدواء معآ .. فإن من يسيطر عليهما يملك فى قبضته العصا المطلقة والجزرة المطلقة ..
    ثم أنظر فى جوهر هذه الحقيقة العجيبة لترى أن المكوّنات الأساسية لكل الكيماويات بما فى ذلك ما يقتل منها وما يشفى يتركّز فى : قطران الفحم والبترول ...!!
    وبإختراع القاطرة ذات الإحتراق الداخلى التى تستخدم الجازولين (البترول) أصبح الذين يملكون تحويل هذه المواد الكيماوية الأولية .. وإستخراج مشتقاتها واحتكار تركيباتها فى قمة السيطرة على حياة البشر .. وعلى حركة الحضارة الحديثة كلها .. فسرّ حركة هذه الحضارة يقع فى لب آلة الكيمياء .. وأصبح وقودها المحرك هو البترول الذى حل محل الذهب .. تلك المادة السحرية الساحرة التى ظلّت مفتاح القوة فى العالم أحقاباَ من الزمن فى تاريخ الإنسانية ..!!.

    كانت مجموعة شركات (آى. جى. فارْبِِنْ) وراء هتلر (بمعنى أنها كانت تدعّمه بالمال وتخطط معه) حتى فى تآمره على حرق البوندستاج الألمانى، وإلصاق تهمة حرقه بالشيوعيين .. فقد كان يريد التخلص من منافستهم السياسية له.. ثم أخذ يصدر التصريحات الغاضبة بقصد إستنفار الشعب الألمانى وتعبئته للحرب.. كان كلامه وتهديداته كلها تدور حول ضرورة تعقب المجرمين والإرهابيين فى أى بقعة من العالم والقضاء عليهم .. ولو امعنت النظر فى هذه الواقعة التاريخية لوجدت تماثلآ عجيبا بين حرق البوندستاج وتدميره.. وبين حرق مركز التجارة العالمي بنيويورك وتدميره .. وكذلك بين الأسباب التى أطلقها هتلر والذرائع لحربه العالمية .. وبين الأسباب والذرائع التى أطلقها بوش فى حربه على الإرهاب العالمى أو (الإسلامي) .. وكان وراء كل هذه الأطماع الإمبريالية والحروب المدمرة نفس التكتلات الإحتكارية للشركات التى لا يُشبع نهمها كل ما فى أرض هذا العالم من ثروات ...

    كيف نشأت فارْبِــِنْ فى ألمانيا وكيف تعانقت مع روكفلر الأمريكية...؟! :
    دار النقاش فى الإعلام العالمي دائما حول (آى. جى. فاربن) باعتبارها كتلة إحتكارية ألمانية تسيطر على الصناعات الكيماوية فى أنحاء العالم.. ويتدفق الى مركز إدارتها فى فرانكفورت العوائد المالية الهائلة من هذه التجارة .. ولكن فاربن فى حقيقتها لم تكن مجرد مشروع صناعي أخطبوطي .. يديره الألمان لحصد الأرباح والثروات .. بل يجب النظر اليها على كونها أيضآ وبالدرجة الأولى (منظومة للمؤامرات السياسية والإقتصادية) .. كانت تمارس عملها خلال شبكة واسعة من الوكلاء الأجانب ومن العلاقات السرية ، منظمة تدير آلة هائلة بالغة الكفاءة متغلغلة فى أنحاء العالم .. غايتها النهائية القصوى غزو العالم والسيطرة عليه وبناء إمبراطورية عظمى تديرها فاربن من وراء ستار ...
    لا حظ أننا لا نتحدث هنا عن الإحتكار الفردي البسيط رغم بشاعته ولا أخلاقيته .. إنما نتحدث عن نوع آخر من الإحتكار .. فالتكتلات الإحتكارية أو ما يطلق عليه [ الكارتلات ] هى نوع من الإحتكار المؤسّسيّ المنظم على نطاق العالم كله .. نتحدث عن أبعاد أشمل وأعمق.. عن منظومة مهولة تستوعب القوى السياسية والإقتصادية والمالية والإعلامية .. وتستخدم فى تعزيز مصالحها وتوجّهاتها شخصيات كبيرة منهم رؤساء دول وحكومات سابقين ولاحقين .. وقيادات سياسية لها شهرة عالمية غير منكورة .. أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: هنرى كيسنجـر الذى صفه أحد الكتاب الأمريكيين بأنه واحد من أبرز الخيول فى إستطبل روكفلر .. وستعرف أن [ روكفلر ] هذا هو الإسم الأمريكى الموازى لفاربن فى ألمانيا .. وستعرف أيضا كيف عبرت التكتلات الإحتكارية البحار والقارات والأيديولوجيات لتلتحم فى مبادئ واحدة ومصالح واحدة رغم العداوات والحروب بين الدول .. أشير إلى كيسنجر لأنه كان من أبرز اللاعبين فى الحرب العربية الإسرائيلية وكان الرئيس السادات يطلق عليه وصف [صديقنا العزيز] .. كما أذكر إسم تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق الذى قدّم للشركات الإحتكارية أعظم خدمة فى تاريخ بريطانيا .. فقد أجهز على حزب العمال البريطاني من داخله .. وضيّع نضاله السياسي وفلسفته عبر مائة عام.. وضرب الديمقراطية البريطانية فى مقتل .. وتحالف مع أسوأ وأكذب إدارة عدوانية إمبريالية فى تاريخ أمريكا .. وهو الآن ينعم بمنصب مرموق ويحصد اجره مضاعفا كمنسّق للرباعية الدولية .. فى قضية العرب والمسلمين الأولى [قضية فلسطين] .. نعم لا يزال أمام الرجل مهمة معقّدة يعتقدون انه بدهائه ومواهبه الثعلبية وبراءة مظهره يمكن أن يساعد فى تصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل .. وهكذا ترى أننا لا نبعد كثيرا عن مجال مخططات هذه القوى الإحتكارية .. بل أقول إنك لو أنعمت النظر قليلا لوجدت أننا فى بؤرة هذه المخططات ...!
    لا أكرّس الخوف بحديثِ عن أعداء كأنهم كائنات خفية رهيبة يصعب الوصول إليها أو مواجهتها بالمقاومة .. بل أعزز الفهم بطبيعة هؤلاء الأعداء وحقيقة أهدافهم فى أبعادها الحقيقية .. وأحاول كشف الغطاء عنهم .. حتى لا يبقوا قوى سحرية فى عالم الخفاء .. أحاول إزاحة الهالات المقدسة عن الوجوه الكريهة .. أما موضوع فيتامين بى 17كعلاج بديل للسرطان وقصته الدرامية فى أمريكا فقد كانت بالنسبة لى البداية والمقترب لبحثِ أعمق ودراسة أطول للتكتلات الإحتكارية فى أبعادها المتشعّبة .. وآثارها الخطيرة فى حياة إنسان هذا العصر ومصيره .. ومن هنا جاء عنوان هذه المقالات ...
    نعود إلى فاربن فنقول: أنشأ (آى جى فاربن) سنة 1926 عبقريان من نوع فريد أحدهما كان واحدا من رجال الصناعة الألمانية إسمه هيرمان شميت ، وكان الثانى سويسرى هو إدوار جروتر، وكانت مهمة الثانى إمساك دفاتر فاربن، والإشراف على حساباتها المتشعبة فى البنوك.. وذلك للتمويه على المتطفلين حتى لا يصلوا الى حقيقة ملكيتها لشركات أخرى منتشرة فى العالم.. كان شميت مديرا لبنك [دُويتْـش رايخبانك] الألمانى، وبنك آخر يقوم بتسويات عالمية مقره فى سويسرا .. وهكذا من البداية كان الرائدان الصناعيان جزءآ من التركيبة المالية البنكية الدولية التى تهيمن على العالم ..! وفى بداية الحرب العالمية الثانية كانت فاربن قد تطورت بسرعة جبارة لتصبح أكبر مشروع صناعى فى أوروبا ؛ وأكبر شركة للكيماويات فى العالم .. وجزءآ هامّا من أقوى تكتل إحتكارى فى التاريخ .. ولكى تقرأ ( فقط مجرد قراءة ) أسماء الشركات العديدة التى ترتبط معها بإتفاقيات إحتكارية تحتاج الى ساعة كاملة أو أكثر .. فى هذه القائمة سوف تجد ما يقرب من ألفيْ شركة على الأقل .. أما إذا أردت أن تقتصر على الشركات التى تملكها فاربن أو تسيطر عليها لتضييق القائمة فإنك تحتاج الى عدد كبير من الصفحات تملأ كتابآ .. نذكر فيما يلى أكثر هذه الشركات شهرة: ففى داخل المانيا ستجد أكبر ست شركات كيماوية وأكبر مجمّعات الصناعات الثقيلة خصوصآ صناعة الحديد .. وعلى رأسها شركة كروب للصلب.. ولا يقل عدد الشركات التى تملكها فاربن أو تهيمن عليها داخل المانيا وحدها عن 380 شركة .. وفى خارج المانيا تملك فاربن وتهيمن على صناعات عملاقة فى بريطانيا مثل شركة الكيماويات الإمبريالية .. وكولمان بفرنسا وأَلايـِدْ كيميكال فى بلجيكا .. وشركات أخرى فى اليونان وهولندا والمجر والنرويج وبولندا ورومانيا .. وفى عدد من دول أمريكا اللاتينية وفى السويد والولايات المتحدة الأمريكية .. كما أقامت فى الولايات المتحدة إتفاقيات إحتكارية مع العديد من الصناعات مشتملة على معامل أبوت Abbott وأتلانتيك أويل .. و بل آند هويل .. وإيستمان كوداك .. ومصانع فاير ستون للمطاط .. وجنرال موتورزللسيارات .. وجنرال تايرز .. وجود يير للمطاط أيضآ .. وجَلْف أويل .. وشركة كيلوج ونسله وبارك ديفيز .. وسنكلير أويل وستاندرد أويل .. وتكساكو يونيون أويل .. ومئات من شركات أمريكية أخرى .. وغير ذلك هناك شركات تقع تحت سيطرتها المباشرة مثل شركات باير لصناعة الأسبرين ولاروش وشركة أنْتِيبَيُوتِكْ ..
    بحلول عام 1929 كانت فاربن قد عقدت إتفاقيات إحتكارية مع عدد من أكبر الشركات الأمريكية على أساس أن تكون هى الشركة المهيمنة كما تفعل روكفلر مع الشركات الأخرى .. وهنا تلاحظ أن العملاقين الأسطوريين الألماني والأمريكي قد إلْتحما فى عناق أبديّ ولم يفترقا أثناء الحرب العالمية الثانية حتى عندما كان الجنود الألمان والأمريكان يقتتلون بضراوة ويسقط الآلاف منهم قتلى فى المعارك الطاحنة ...
    تبين للألمان أحد عناصر قصورهم فى الحرب العالمية الأولى وهو إفتقار ألمانيا الى البترول.. فقامت فاربن بالإنفاق على بحوث واسعة لتسييل الفحم ونجحت فى تحويل الفحم الى جازولين .. ودعت (فرانك هوارد) من إستاندرد أويل الأمريكية لزيارة مصنعها فى مارس1926 .. وكان ما رآه فرانك هوارد شيئآ مذهلا .. جازولين من الفحم .. ! فكتب الى وولتر تيجل مدير شركة إستاندرد أويل بهذا الإنطباع .. وقد شهدت السنوات الثلاثة التالية مفاوضات مكثفة بين الشركتين تم التوقيع بعدها على وثيقة مشاركة إحتكارية (كارتل) فى9 نوفمبر 1929 حققت النتائج الهامة التالية:
    أولآ : مُنحت إستاندرد أويل نصف حقوق عملية هدْرَجـة الفحم فى كل بلدان العالم بإستثناء المانيا .. وذلك فى مقابل تنازل إستاندرد أويل لفاربن عن 546 الف سهم فى البورصة قيمتها 30 مليون دولار .. وتفاهم الطرفان على ألا يتنافسا فى المنتجات الكيماوية والبترولية – يعنى فى المستقبل – إذا أرادت إستاندرد أويل(البترولية) أن تدخل فى مجال إنتاج صناعات كيماوية أو أدوية فإنها تفعل ذلك فقط كشريك لفاربن .. وفى مقابل ذلك أتُّفق على ألا تدخل فاربن (الكيماوية أصلا) فى مجال إنتاج بترول إلا كشريك لإستاندرد أويل .. وأن تتجنب كلا من الشركتين أى خطط أو سياسات توسعية فى نطاق أعمالهما الراهنة فى إتجاه أعمال الشركة الأخرى حتى لا تصبح منافسآ خطرآ للطرف الآخر .. إلتحقت شل فيما بعد بهذه الإتفاقية .. وتولدت من هذه الإتفاقات شركات جديدة عملاقة هى شركة جاسكو (1930م) .. وكانت مهمتها الرئيسية أن تتيح لكل طرف من أطراف الكارتل أن يستفيد من أى تطور كيماوى مستقبلى يملكه أى طرف من أطرافها.. وبمقتضى هذه الإتفاقية: إذا طوّرت أى من فاربن أو إستاندرد عملية كيماوية جديدة فعليها أن تمنح للطرف الآخر حرية إختيار ثلث العوائد من هذا الإختراع .. عندئذ تأتى جاسكو لتسويق العملية المشتركة فى أنحاء العالم وتوزع الحصص المتفق عليها ..
    هنا إذن مثال لإمبراطوريتين صناعيتين عملاقتين يتلاءمان فى حركتهما خطوة خطوة بتنسيق كأنهما وحدة واحدة .. والهدف المشترك هو [ إزاحة أى منافسة من أمامهما فى السوق ] وبذلك يضمنان لنفسيهما أقصى نمو وأقصى مكاسب فى المستقبل .. ولذلك يمكن القول بأنه قد تم بين الطرفين زواج كاثوليكي لا انفصام فيه ولا رجعة ..
    يصعب متابعة عمليات التزاوج الإحتكارى بين شركة فاربن الألمانية والشركات الأمريكية.. ولكننا نذكر إثنين من أبرزهاعلى سبيل المثال: فى 23 اكتوبر 1936 وقّعت شركة فاربن وشركة ألْـكُو .. إتفاقآ جمعا فيه كل مايملكان من براءات الإختراع والمعلومات التكنولوجية فى مجال إنتاج الماغنسيوم فى حصيلة واحدة مشتركة ليستفيد منها كلاهما معا.. ثم إلتحق بهما طرف ثالث .. هو شركة فورد لصناعة السيارات لتتكون بذلك كتلة إحتكارية عالمية ذات ثلاث شعب.. وعندما أنشأت فورد فرعآ لها فى المانيا أسهمت آى جى فاربن بشراء 40% من أسهم هذا الفرع وأصبح إثنان من مديريها عضوين فى مجلس إدارة الشركة [ الأمريكية الأصل .. !].. وفى المقابل أصبح(إدسل فورد)عضوا فى مجلس إدارة شركة آى جى الكيماوية الأمريكية ولحق به (ولتر تيجل)مدير شركة(إستاندرد أويل)و(تشارلز إى ميتشيل) مدير بنك روكفلر(ناشيونال سيتى بنك)فى نيويورك .. و (بول إم. واربورج) أخ (ماكس واربورج) الذى كان مديرآ للشركة الأم فى المانيا ..
    لاحظ أن (بول واربورج) كان أحد مهندسى منظومة بنك الإحتياط الفيدرالى ، ولاحظ أيضآ أن (بنك الإحتياط الفيدرالى الأمريكى) ليس بنكآ تملكه الحكومة الأمريكية كما قد يظن البعض من نسبة الفدرالية إلى إسمه.. إنما هو بنك خاص تملكه أسرة روكفلر وشركاؤهم من رجال المال والأعمال .. وهو البنك الذى يصدر النقود ويطبع الدولارات الأمريكية ويهيمن على حركة المال والأقتصاد فى الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ..!! وطبقآ لمذكرات "فرانْك فانْدَرْ لِبْ" فإن هذا المشروع تم تفريخه فى إجتماع سرّّّى بجزيرة "جيكل أيلاند" بولاية جورجيا وقد حضر هذا الإجتماع "فانْدر لِـبْ" نفسه .. ومعه (سناتور أَلْـدِرِيكْ) وكان الإثنان يمثلان روكفلر.. وهنرى ديفيسون وتشارلز نورتون .. وبنجامين إسترونج .. وكان هؤلاء يمثلون جى. بى مورجان ؛ و "إبراهام بيات أندرو" عن وزرة المالية .. و (بول وارْبورْج )ممثلا لروتشيلد فى إنجلترا وفرنسا .. وأخً لواربورج إسمه فيليكس متزوج من "فريدة شيف" إبنة جاكوب شيف الذى كان يرأس منظومة بنكية لـ (كـَهِن ْويلوب وشركاه) .. ولمعرفة القصة الكاملة لهذا البنك العجيب إقرأ كتاب: G. Edward Griffin .The Creature from Jekyll Island: A Second Griffin,s Look At The Federal Reserve System: Westlake Village,CA, American Media, 1995
    هناك كلام كثير يمكن أن يقال عن هؤلاء الأشخاص الذين ذكرنا أسماءهم آنفَا .. ولكن الحقيقة النهائية بشأنهم أنهم كانوا اكثر من مجرد رجال اعمال يبحثون عن مزيد من الربح ..أوعن وسائل لتوسيع دائرة أسواقهم .. لا .. إنهم جزء من سلالة خاصة كانت رؤيتهم تمتد بعيدآ جدَّا وراء حكاية المكسب والخسارة .. لتبلغ أعماق سيطرة سياسية عالمية .. أما هدف التكتلات الإحتكارية أو (الكارتيلات) التى أنشأوها فيما بينهم فلم يقتصر على تقليص التنافس بينهم فقط ولكن لتبادل براءات الإختراع وتقاسم الأسواق الإقليمية .. ووضع الأسعار وتحديدها .. وأحب أن أنبّه إلى أن إتفاقات هذه الكارتيلات لم توقف إشتعال الحروب فيما بينها .. فهى تحدث ولكن مثل كل الحروب بين الدول .. تنتهى بخروج الطرف المهزوم خاسرًا أو مفلسًا من اللعبة .. فى حين يعلن الفائز إنتصاره على الآخرين وسيطرته عليهم (كما يحدث بين فتوات الحارات فى روايات نجيب محفوظ).. وهكذا تُعلن حالة الهدنة وتبدأ مفاوضات جديدة لإعادة تشكيل إتفاقات إحتكارية جديدة على أساس من التوازن الجديد للقوى .. يصور هذه الحالة "جورج ستوكنج و مايرون واتْكِينْـز" فى كتابهما ( Cartels in Action) يقولان: "تنشب حرب الأسعار بين الكارتلات من وقت لآخر ثم تنتهى لتشتعل من جديد .. ثم تنتهى الى سلام طويل الأجل ..
    تشتمل إتفاقيات شركات الكيماويات عادة على القرارات التالية : من يبيع ماذا ..؟؟وأين ..؟؟ وبأى كمية ..؟؟ وعلى أية شروط تكون أسعار البيع فى الأسواق الخارجية بالذات ..؟؟!! ويتم هذا كله بالتفاوض [ لا بالتنافس ] ذلك لأنهم يعتقدون أن التعاون هو الأكثر فائدة .. إنهم يصلون الى قراراتهم هذه بعد فصال عنيف وتصارع مرير .. فكل طرف يحاول ان يحصل على أفضل الشروط لنفسه وهذا يتوقف على عوامل كثيرة تشمل: دقة عملياتهم الإنتاجية .. وقوة مركز إختراعاتهم.. وجودة منتجاتهم وحجم مصادر تمويلهم و قوة الدعم الحكومي لهم .. وفى التحليل النهائى تبقى القصة معلقة على تقدير كل طرف لقدرته التنافسية الخاصة بالنسبة للآخرين .. ولو تمعنت فى آليات الشركات فى تزاوجاتها داخل الكارتيلات .. ومحّـصْت فى قراراتها غير المعلنة.. وفى تخطيطها الإقتصادى فستجد أنها تصدر من نفس المنبع الذى تخرج منه آليات وخطط النظم الشمولية فى العالم ...!!!
    وستتأكد أن القوانين التى تدفع هذه الشركات حكوماتِها لإصدارها تكون فى ظاهرها لخدمة الشعوب .. ولكنها فى حقيقة الأمرعلى عكس ذلك تمامآ فهى دائما ضد مصالح الشعوب .. ويمكنك أن تلحظ هذا بسهولة فى محيطك القريب..!! إنها قوانين مصنوعة ومبرمجة لخدمة الشركات الإحتكاربة فحسب .. بل يصل الأمر الى أن الحكومات تحصل على رشاوى منظورة أو غير منظورة لإعاقة وتجريم أى شركة أخرى تجرؤ على منافسة هذه التكتلات الإحتكارية .. وتبدو هذه الحقيقة واضحة فى تجارة السوق العالمية خصوصآ فى مواد مثل: السكر والشاى والشيكولاته والحديد والمطاط والبترول والسيارات والأطعمة..الخ.. ودور الحكومة هنا يتجلى فى إصدار أكوام من القيود المفروضة و(الكُوتات) ودعم الأسعار .. وفى أمريكا بالذات هناك جيش من مراكز اللوبيات التى تمثل المصالح الخاصة للكارتيلات لا لحماية الشعب بل لإستنزافه ..!
    وليس من قبيل الصدفة وجود كبار السياسيين فى مجالس إدارة الشركات متعددة الجنسيات.. حيث نجد فى مجالس إدارتها شخصيات مثل" يوجين بلاك" رئيس البنك الدولى سابقًا و"جون ماكون" مدير المخابرات المركزية الأسبق.. وديك تشينى ورامسفيلد وغيرهم كثيرون .. ويحدث فى أوروبا نفس الشئ .. المهم أن العنصر المشترك بين هؤلاء الناس جميعآ أنهم أقرب فى إيمانهم وقناعتهم إلى النظم الفاشية منهم الى الديمقراطية.. ونتيجة لذلك تحولت فكرة الكفاءة فى الإنتاج الى فكرة الكفاءة فى التلاعب بالجماهير وبالحكومات على حد سواء .. بهدف الحصول على إمتيازات .. وهكذا رأينا النتيجة الحتمية لهذه المعادلة: الحكومة الأمريكية دائمآ عاجزة أمام ظاهرتين متلازمتين فى المجتمع : الثراء الفاحش الفاقع والفقر المدقع .. والنظم الشمولية الفظة عندنا لا تستورد منها إلا الأسوأ ...!
    لقد أصبح من المستحيل على الحكومات ان تضع قوانين لتقييد إنطلاق الثراء الجامح أو الحد من الفقر المروّع .. فالشركات الأقوى والأكثر ثراء وبخاصة تلك الشركات التى تتحصن فى التكتلات الإحتكارية هى التى تدفع بالحكومات لإصدار قوانين وقرارات ضد منافسيها الأضعف .. وهكذا تجد ان الحكومات لم تعد قادرة على حلول لعلاج البطالة والفقر وإعادة التوازن المفقود فى المجتمع .. والسبب أنها أصبحت جزءأ من المشكلة نتيجة الزواج غير الشرعي بين الحكومات وبين القوى الإقتصادية .. بحيث لا يستطيع المواطن العادى أن يميّز بين قوة سياسية حاكمة وبين قوة إقتصادية مهيمنة فكلاهما أصبح جزءا من منظومة عضوية واحدة .. تمثل مصالح هى بطبيعتها مضادة لمصالح الشعوب .. وقد تولّد من هذه الحقيقة حقيقة أخرى تلاحظها بسهولة وهى: أن الشركات الكبرى لم تعد تهتم بأن يعرف الناس مقدار ما تستحوذ عليه من ثروات طائلة .. فلم تعد توجد امامها قوى أخرى تنافسها أو تعرقل طريقها فى سعيها لتكديس المال ونهب الثروات بلاقيود ولاحساب .. وأصحاب هذا النهج إكتسبوا إسما جديدا فى الكتابات السياسية ( الأغنياء السوبر Super Rich ) ...

    الإحتكارات المطلقة والفاشية :
    كان النموذج المبكر فى دعم الكارتيلات للنظم الشمولية هو دور فاربـن فى إنتشال هتلر أولآ من السديم السياسى فى المانيا الذى أوشك ان يجرفه إلى عالم النسيان ، ولكنهم رأوا فيه الرجل القوي الذى يمكن أن يفيدهم قى المستقبل فدفعوا به إلى قمة القيادة فى الحزب النازى .. ثم شرعوا فى إستخدام النازى كأداة لخدمة القوى الإحتكارية .. هنا قد يتساءل القارئ ما علاقة هذا كله بقصة فيتامين بى 17وعلاج السرطان ..؟! و أقول: إنه يتعلق بصميم الموضوع .. ولكننا نبدأ بالجذور والأعماق .. فالظواهر التى نراها الآن مستقرة أمامنا كأنها أقدار منزّلة لا يملك الناس أمامها إلا التسليم إنما هى نتيجة لسلسلة طويلة من أعمال التمويه والغش والخداع قام بها رجال أشرار على مدى العقود ..
    لقد تبين لنا كيف إستطاعت الكارتيلات أن تجند الحكومات عن طريق إصدار قوانين لوضع سلطة الدولة وإدارتها فى خدمة مصالحها الخاصة .. وقد اتّضح للكارتيلات أن أصلح الحكومات جميعآ هى الحكومة الشمولية .. لهذا السبب نرى فى كل تاريخ القوى الإحتكارية أنها كانت خلف الكواليس للترويج لكل أنواع الشموليات.. فقد دعمت البلشفية الشيوعية فى روسيا .. والنازية الألملانية واحتضنت الفاشية الإيطالية .. وهى تمثل اليوم القوة الشمولية الخفية التى أصبحت واقعآ قبيحآ فى الولايات المتحدة الأمريكية ...
    لأول وهلة يبدو الأمر متناقضآ: أن أغنى الأغنياء هم الذين دعموا النظم الإشتراكية والإجراءات الإشتراكية .. ولكن علينا أن نفهم أنه فى أى حكومة شمولية لايوجد ظل للمنافسة ولا أى تجارة حرة .. وهذه بالضبط هى البيئة المناسبة لإزدهار الصناعة الإحتكارية .. بهذه الطريقة تستطيع أن تحقق أعلى الأرباح وأن تكون جزءآ من الطبقة الحاكمة فى نفس الوقت .. وأصحاب هذه الصناعات الإحتكارية لن يخافوا من الضرائب التصاعدية التى ستقع دائما على عاتق الطبقة الوسطى فقط .. وتؤدّى بالضرورة إلى قمعها .. ثم تتوقف عندها فلا تصل إلى طبقة الأغنياء (السوبر) فهؤلاء لهم قوتهم وتأثيرهم على مجريات السياسة .. مما يساعدهم على إقامة سدود من الإعفاءات الضريبية المقنّـنة .. لاتحافظ على ثرواتهم الإستفزازية فحسب ولكن تضاعفها أيضآ .. لهذا يستحيل على الإحتكاريين أن يكونوا رأسماليين أبدَأ كما يزعمون .. فتعريف الرأسمالى بأنه هو الذى يؤمن بفكرة الملكية الخاصة تعريف قاصر .. فإذا كنت تملك قطعة من الأرض ولكنك لا تستطيع أن تتصرف بها فى البيع أو الهبة إلا بإذن شخص آخر فأنت لاتملكها ملكية حقيقية .. والآخر هو المالك الحقيقى .. وبدقة اكثر نقول: أن القدر الذى لاتملك فيه السيطرة على ملكيتك هو ذاته القدر الذى يشاركك فيه الآخر بنصيب من هذه الملكية.. ومثال ذلك: المتنزهات والحدائق والمكتبات العامة التى يقال أنها ملك للشعب..
    فليجرب أحدي منا ويعرض قطعة من أرض هذه الملكيات العامة لبيعها لحسابه الخاص بإعتباره احد المالكين .. يمكن أن تفعل هذا فى مسلسل كوميدى .. ولقد عرفنا كيف كانت النتيجة..! فمن هو المالك الحقيقى لهذه الممتلكات العامة ..؟ إنهم أولئك الذين يستطيعون أن يتخذوا بشأنها قرارات نافذة مثل السياسيين والإداريين فى السلطة السياسية الحاكمة .. وأولئك الذين يملكون القوة التمويلية لهذه الملكيات العامة .. فى النظام الإشتراكى أوالشيوعى كل الأشياء هى ملكية عامة (نظريآ ملكية الشعب) ولكن المالك الحقيقى (الذى يمثل الشعب نظريآ أيضآ) هم النخبة الحاكمة التى تمثل 3% فقط من الشعب .. وبيد هذه النخبة كل شيء .. وهكذا ترى أن مجرد ملكية الأشياء لا تجعل الشخص رأسماليآ .. ففى الرأسمالية الحقيقية ينضاف الى الملكية مفهوم المشروع الحر .. والسوق المفتوح .. مع الحد الأدنى من التدخل الحكومى .. أنا أشرح فقط ولا أدافع عن رأسمالية ولا شيوعية ...!
    بخلاف كل هذا يقع مفهوم الإحتكار المطلق فهذا الوضع العجيب يقتضى تزاوج القوى الإحتكارية مع قوة السلطة السياسية .. والغريب فى الأمر أن الناس يتجرعون فكرة الإحتكارات المدعومة بقوة الحكومة على أساس من إفتراض وهمى أنهم (أقصد فى الدول الديمقراطية) بوسيلة سحرية كامنة فى العملية الديمقراطية .. وبقوة صوتهم الإنتخابى الذى لاسلطان لأحد عليه هم الكاسبون .. ربما يكون هذا صحيحآ ولكن بالشروط الأتية:
    - إذا كانت حكوماتهم تضعهم فى الصورة فتعـرِّفهم بشفافية ودقة حقيقة مايجرى بالفعل من تفاصيل ..
    - وإذا كان لديهم مرشحون للبرلمان مستقلين وأمناء .. يمكن الإختيار من بينهم أكثرهم صلاحية ..
    - وإذا كان من الممكن أن يكسب المرشحون الإنتخابات بدون المبالغ المالية الطائلة التى تنفق على حملاتهم الإنتخابية ..
    - وإذا كانت الأحزاب السياسية لاتهيمن عليها قوى الأغنياء السوبر..

    بمعنى آخر يمكنك ان تقول: أن هذه الإحتكارات نظريآ تعمل لصالح الناس العاديين ولكن ليس على هذا الكوكب الأرضى .. وإنما على كوكب آخر لانعرفه، مع حياة اخرى، إستجابة لدوافع أخرى، وتحت نظم سياسية أخرى.. بالتأكيد ليس منها النظام الأمريكي.
    والحديث مستمر إن شاء الله ...
    إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

    تعليق


    • #3
      (1) يفترض الناس أن الحكومات من شأنها ووظيفتها أن تسيطر على سلوك الشركات والتكتلات الإحتكارية فى المجتمع .. وأن تقوم بتنظيم هذا السلوك .. وتضبط إيقاعه لصالح المواطنين .. ولكنك إذا نظرت إلى الأمر تحت المجهر فستجد أن إجراءات الضبط والسيطرة الحكومية المزعومة هى هى نفس الإجراءات التى سبق أن وافقت عليها بل بادرت بها القوى الإحتكارية.. وكل الفرق هو أنه طالما صيغت هذه الإجراءات فى قوانين أصبح امر تنفيذها منوطا بقوات أمن الدولة .. وعلى رأس هذه المهمة الأمنية القانونية المحافظة على المصالح المالية للقوى الإحتكارية ، وإزاحة أى منافسة من طريقها .. ولا تكاد تبدو الدولة فاعلة بطريقة علنية إلا فى حالة واحدة: عندما تنقسم القوى الإحتكارية على نفسها ويسعى شق منها لإزاحة الشق المعاكس، لينفرد الأول بالأرباح والمصالح .. هنا تتدخل الدولة سافرة بقواتها الأمنية لوضع الأمور فى نصابها .. لصالح من..؟؟ لصالح القوة الأكثر نفوذا فى السلطة السياسية .. ومعنى هذا أن الدولة عندما تتدخل بقوتها التنفيذية فإنها لا تفعل ذلك لصالح مواطنيها العاديين كما نظن أوكما تروج فى إعلامها...!
      أحد النماذج المبكرة لتزاوج الإحتكاريين مع السلطة الشمولية ماحدث فى المانيا النازية.. فقد كان بسمارك هو اول من قدم نظام إشتراكية الدواء والعلاج فى العالم الحديث.. وكان يعلم أن شهرته بين الجماهير ستجعل هذا فتحا نموذجيا يؤدى إلى مزيد من السيطرة على بقية الإقتصاد وكان يرى بثاقب نظره أن إشتراكية العلاج ستؤدى فى النهاية إلى نشوء أمة إشتراكية .. وكان بهذا السبق رائدآ بارزآ درس تجربته وقلدته جميع الحكومات الشمولية فى الأعوام اللاحقة ولم تكن الفاشية إستثناء فى هذا المجال ..
      بعد18 سنة أصبحت الخدعة النظرية حقيقة عملية ففى 30 سبتمبر 1934 أصدرت (فاربن) تقريرآ أعلنت فيه "أن مرحلة من التطور قد إكتملت .. مرحلة التطابق مع المبادئ الأساسية للإقتصاد الإشتراكى القومى" .. لاحظ ان إسم الحزب النازي هو إختصار لـ (الحزب الإشتراكى القومى لعمّال ألمانيا ) .. ولكن النازية عُرفت فى إيطاليا بإسم (الفاشية).. وقد أصبح كلا من الإسمين يستخدم بطريقة تبادلية .. صحيح أنه يوجد بينهما فروقآ تفصيلية طفيفة .. ولكنهما نظامان شموليان .. أبرز ما يميّزهما هو سيطرة الإحتكارات الخاصة على الحكومة، التى كانت بدورها تسيطر على الإقتصاد (ولكن بإسلوب يميز الإحتكاريين ويمنع المنافسة عنهم).. وقد وصف روبرت برادى الإقتصادى الأمريكى ألمانيا النازية وصفآ دقيقا بقوله: "إنها دكتاتورية رأسمالية إحتكارية ؛ وفاشيتها هى فاشية مشروعات الأعمال منظمة على أساس من الإحتكار .. والسيطرة الكاملة على القوات المسلحة والشرطة والنظام القضائى والدعاية الرسمية .. فى هذه المنظومة يصعب عليك أن تعرف أين تنتهى سيطرة الدولة على الصناعة الألمانية وأين تبدأ سيطرة الكارتل . وفى النهاية جمع النظام الشمولى بشكل مطلق بين البيزينس والدولة معآ فى وحدة واحدة كاملة .."
      هذ التوحيد لم يحدث نتيجة لتطور طبيعي ولكن نتيجة جهود طويلة منظمة قامت بها قيادات التكتلات الإحتكارية .. مستندة فى نجاح عملها على عنصرين متكاملين: أولهما هو قابلية السياسيين للإفساد والفساد والثانى سذاجة الناخبين وجهلهم ...!
      (2) هتلر كمثال: لو اخذنا هتلر كمثال عملى لتوضيح كيفية عمل آليات الكارتلات فى خلق السياسى المناسب لأداء الدور المطلوب منه فسنرى من تاريخ هتلر أنه كان شخصية مغمورة فى البداية.. ولم تكن (فاربـن) فى أول الأمر مقتنعة بأنه هو الرجل القوى الأفضل الذى يمكن أم يخدم أهدافها الإحتكارية التوسعية .. إلا أن برنامجه فى الإشتراكية القومية .. وقدرته على تحريك الجماهير الكبيرة بخطبه الحماسية لفت النظر إليه بقوة .. ومن ثم بدأت المساعدات المالية تتجه نحوه .. وبحلول عام 1931 تضخمت المساعدات المالية وبدأت تتدفق على حزبه النازى ببذخ واضح ...
      هنا يأتى دور العلاقات الشخصية .. ومنها: أن "ماكس إلْجنر" إبن أخت "هرمان شميت" (رئيس فاربن) هو أول من أنشأ علاقة حميمة مع هتلر .. أما عمله الرسمى فى منظومة الكارتل فكان رئاسة شبكة دولية للتجسس .. مهمته الأساسية جمع معلومات عن المشروعات والأعمال التجارية المنافسة .. ثم توسعت وظيفته لتشمل عمليات تجسس سياسية .. لم تكن لترقى إلى مستواها قدرات المخابرات الحكومية (الجستابو) وهذا ما سجله "ساسولى ريتشارد" فى كتاب له خصصه لدراسة تاريخ (فاربن) .. يصور فيه كيف كانت الجستابو تكلّف "إلجنر" بالقيام بأصعب عمليات التجسس فى المناطق شديدة الحساسية من العالم .. ومع الوقت تعمقت العلاقة بين فاربن والقيادات النازية وظهرت أسماء أخرى مثل (جاتينيو) .. الذى كان يشغل وظيفة مديرعام العلاقات العامة لفاربن ...
      فى خريف 1932 تدهورت أوضاع الحزب النازى إلى حد أوشك فيه على الإنهيار .. ولكن تدخلت فاربن بكل ثقلها مع هتلر .. حيث قدمت له ثلاثة ملايين مارك كدفعة أولى .. ثم أخذ هذا المبلغ يتصاعد مع مرور الوقت .. ولم يكن المال وحده هو الذى تدارك حزب هتلر من السقوط.. ولكن هبـّّت الصحف الألمانية التى كانت فاربن تنفق عزليها بسخاء لنجدته .. فأخذت تصور هتلر بأنه الزعيم الأعظم الذى يريده جميع الألمان .. وهكذا إنبثق رجل ألمانيا القوى ..! الأدهى من ذلك أن فروع كارتل فاربن فى أمريكا نفسها إستخدمت نفس التكتيك مع الصحف الأمريكية .. فكانت تهدد بسحب إعلاناتها من أى صحيفة تقف مواقف سلبية من هتلر.
      كانت علاقات قيادات فاربن مع الحكومة النازية كلها فى أعلى درجات السرية .. وقد امتنعوا عن قبول أى منصب سياسى رغم أن هذا الإختيار كان مفتوحآ لهم على مصراعيه، كما رفض شميت ترسيم هتلر له (قومسـيير) على الصناعات الألمانية كلها .. ولكنه كان مع قيادات كتلة فاربن منغمسين فى جميع القرارات السياسية النازية خلال الحرب العالمية الثانية .. وكانوا يتعاونون فى كل أعمال معسكرات الإعتقال النازية مثل معسكر أوشفيتْز وبتَـرْفِيلد وإِِلْـفِنْ وغيرها .. وكانت هذه المعسكرات تقدم لمصانع فاربن عمالة مجانية (عبيدا مسخّرين) من أسراها ومعتقليها المعارضين للنظام النازيّ .. هؤلاء هم الذين أقاموا أكبر صناعة للغاز السام فى العالم .. واستخدموا المنتج تجريبيآ على آلاف البشر الذين قضوا نحبهم فى المعسكرات النازية .. فى مايو سنة 1934 وقف ريتشارد كريس فى مجلس النواب الأمريكى لبحث النشاط المعادى لأمريكا ( وكان فى الأصل ألمانيآ شيوعيآ ثم تحوّل إلى النازية ثم انقلب عليها وهرب إلى أمريكا) قال : " أعلم من خبرتى الشخصية أن مجموعة فاربن للصناعات كانت فى قبضة الجستابو منذ سنة 1934 إلى درجة أنهم أقاموا سجونا لهم على أراضى مصانعها وبدأوا بعد صعود هتلر يتمددون فى الخارج من خلال فروع الشركة فى أنحاء العالم ..."
      والغريب العجيب أنه فى محاكمة نورمبرج خرجت قيادات فاربن كالشعرة من العجين لا كمجرمى حرب نازيين كما كان متوقّعًا .. ولكن كرجال اعمال كل همهم أنهم كانوا متحمسين فقط لكسب مزيد من الأرباح.. وهكذا أتت سياسة فاربن الحكيمة ثمارها .. ولتظهر نتائجها بعد الحرب فقد حرص قاداتها أن يبقوا خلف المشهد الرسمى فى كل العمليات النازية ..
      (3) المشهد الأمريكي : على غرار نفس النمط نجد تشابهآ لايمكن إنكاره فى السياسة الأمريكية، فقد تعلمنا أن الذين يقبضون على زمام السلطة العليا فى أمريكا ليسوا هم أولئك الذين تظهر أسماؤهم فى الإنتخابات .. وإنما أولئك الذين تظهر توقيعاتهم أسفل الشيكات المخصصة للإنفاق على الحملات الإنتخابية .. ونادرآ ماتظهر أسماء هؤلاء الممولين السياسيين أمام الجمهور .. ولكننا فى لحظات خاطفة نلمحهم أو نشعر بوجودهم فى مجالات النشاط الحكومى.. فنعرف من وقت لآخر بأن قطاعآ خاصآ معينآ له نفوذ غير شرعى (طبعا) على إتجاهات السياسة الخارجية أو على قوانين العمال .. أو فى إصلاحات قوانين الضرائب .. أو العلاقات العسكرية .. وحتى على الأبحاث الخاصة بالسرطان ...
      (4) لعبة الحرب: فى فترة الإستعداد للحرب العالمية الثانية كانت فاربن محرّضًًا وشريكا، ومن ثم شهدت تلك السنوات أعظم نمو للصناعات الألمانية وأضخم الأرباح .. ولآنها كانت مشتركة مع الصناعات الأمريكية فى أكبر تكتل إحتكارى عالمى للصناعة كانت الصناعات الأمريكية تفى بالتزاماتها الإحتكارية لفاربن حيث تقدم لها كل ما لديها من معلومات تكنولوجية لتستفيد منها .. كان هذا يحدث حتى أثناء الحرب .. فى الوقت الذى كان الجنود الأمريكيون يسقطون قتلى أمام القوات النازية ...!
      شركة فورد مثلآ كانت تقدم معداتها العسكرية الثقيلة للنازى أثناء الحرب كلها .. وكانت تقدم السيارات المصفحة للإحتلال النازى فى فرنسا .. وتحصد الأرباح من كلا الجانبين المتحاربين حيث كانت تبيع منتجاتها من الشاحنات للقوات النازية كما تبيعها فى نفس الوقت للولايات المتحدة وللحلفاء ..
      فى يوم 26 يونيه 1940 بعد يوم واحد من سقوط فرنسا فى قبضة الألمان إنعقد مؤتمر فى (والدورف استوريا) بالولايات المتحدة إجتمع فيه أكبر الشخصيات الصناعية الأمريكية الذين كان يعنيهم أن تستمر مصانعهم تعمل فى المانيا دون إنقطاع .. رغم الحرب الدائرة وقد دعا لهذا الإجتماع "توركيد ريبر" رئيس مجلس إدارة تكساكو .. وكان من بين المدعويين جيمس مونى مدير عمليات فورد فى الخارج وإيدْسِلْ فورد وكبار المسئولين فى شركات إيستمان كوداك ومدير شركة (آى.تى.تى.) ..
      ومن العجائب أيضا أن آى تى تى قد بدأت نشاطها فى المانيا النازية سنة 1930 وكانت تعلم أنه تجرى فى المانيا إستعدادات لحرب قادمة .. ومع ذلك رأيناها تتوسع وتشترى مصانع وأسهم كثيرة فى ألمانيا، بعض هذه المصانع كان ينتج مدافع وطائرات حربية.. وبذلك لم يكن من الممكن أن تنكر علمها أو تدعى البراءة لجهلها.. إنهم جميعآ كانوا حريصين على الإستثمار فى الحرب وإبان الحرب .. بل أصبحت آى تى تى فى المانيا تقوم بإنتاج كل أجهزة الإتصالات العسكرية كما قامت بتركيب وخدمة خطوط التليفونات تحت إشراف حكومة المانيا النازية .. ومع ذلك أُعتبرت (آى تى تى) فى أمريكا شركة وطنية من طراز رفيع .. حيث أنتجت أجهزة لتحديد الإتجاهات ذات ترددات عالية سميت بإسم مختصر هو ( هف دف ) .. وكانت تستخدم للكشف عن حركة الغواصات الألمانية فى المحيط الأطلنطى .. ونال مدير هذه الشركة نوط الإستحقاق وهو أعلى وسام لتكريم المدنيين فى أمريكا ...! أكثر من هذا إستطاعت الشركة فى سنة 1967 أن تحصل على تعويضات بلغت 27 مليون دولار من الحكومة الأمريكية لفرع شركتها فى المانيا على أساس أنها ممتلكات أمريكية دمرها الحلفاء .. هكذا إستطاعت شركة أمريكية كانت تخدم المانيا النازية أثناء الحرب أن تحصل على جائزة أمريكية ، بدل أن تقدم للمحاكمة .. لمزيد من التفاصيل إقرأ كتاب Ladslas Fargo - The Game of The Foxes .New York: D. McKay Co, 1972 وكانت تقديرات الشركة أنه لو حدث وانتصر النازيون فى الحرب لخرجت "آى تى تى" ألمانية مخلصة ؛ وإن خسرت (كما حدث) تخرج آى تى تى أمريكية وطنية بجدارة ... ! وفى هذه النقطة يكمن جوهر العقلية الإحتكارية ...!!
      ليس من أهدافنا تحليل كل الدوافع وراء الحرب العالمية الثانية .. ولكننا معنيون أكثر بالقوى المحركة للأطماع المالية والسياسية ، لرجال كانوا خلف المشهد يعملون من وراء ستار لدفع القوى العسكرية للتصادم .. فقد كانت الحروب ولا تزال بالنسبة لهم كنزا من الثروة لا حدود له .. أنظر إلى خريطة العالم قبل سنة 1939 ثم بعد سنة 1945 وسترى العجب .. وكما عبر لينين عن عقيدته قال: " لكى تبنى نظامآ جديدآ فليس التغيير المتدرج هو سبيله، ولكن سبيله هو تدمير النظام القديم ثم البناء على أنقاضه .." فالتغيير السياسى والإجتماعى السريع يمكن أن يكون حافزآ محركآ قويآ للحرب .. وفى هذه النقطة المحورية تلتقى طموحات القيادات السياسية الثورية مع مطامع القوى المالية الإحتكارية المنتفعة بالحرب .. خصوصآ إذا كان أصحابها يجيدون اللعب بسفنهم على كلا الجانبين فى المعركة .. تصبح الحرب بالنسبة لهم وسيلة للمكاسب الهائلة والنهب المروّع .. بينما تدفع الشعوب ثمنا باهظا من حريتها وأمنها وحياتها جميعا .. وتتحمل وحدها الدمار والمآسى والكوارث ...!

      إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

      تعليق


      • #4
        بعد أن قرأتَ الحلقين السابقتين من هذا الموضوع هل تطرّقت إليك فكرة أن تسأل مثل هذه الأسئلة: لماذا تقف مؤسسات سياسية وصناعية ومهنية متآزرة بقوة لمعارضة استخدام الفيتامينات ( خصوصا فيتامين ب17) في معالجة السرطان..؟! سؤال محير.. وهل تظن أن الناس في الحكومة أو في الصناعة أو في الطب يمكن أن ينحطّوا إلى الحد الذي يضعون فيه مصالحهم السياسية والمالية فوق صحة إخوانهم في الوطن..؟! هل يمكن أن يبلغ بهم الانحدار الأخلاقي إلى الحد الذي يمنعون فيه علاجاً فعالاً للسرطان..؟! يجيب إدوارد جريفين في كتابه "عالم بلا سرطان": "نعم ..." ومبرّراته تسير على هذا النحو:
        إنه في ضوء تاريخ التكتلات الاحتكارية سترى أناساً يبدون أمام الرأي العام محترمين جداً.. إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ومظاهرهم.. ولكنهم يخططون وينفذون حروباً كونية يفنى فيها ملايين البشر الأبرياء..نعم.. إذا كان هناك أناس يستمرئون إقامة معسكرات عبيد للعمالة الرخيصة من أسرى الحرب ومن السجناء السياسيين.. ويقيمون غرفاً لمحارق غاز لإبادة أناس أبرياء هم إخوانهم في الإنسانية.. نعم.. إذا كانوا يستغلون الحروب لكي يجمعوا ثروات طائلة من استثماراتهم في الصناعات الحربية لا في بلادهم فحسب ولكن أيضاً في أرض الأعداء.. إذا كان كل هذا ممكناً [وقد حدث بالفعل] فإن الافتراض الطبيعي والمنطقي يقول: لم لا تعتقد أن مثل هؤلاء البشر يمكن أن ينحطوا إلى مستوى منع أي دواء رخيص ينافس أدويتهم الباهظة الثمن لعلاج السرطان..؟!!
        (2)
        إذن دعنا نستكمل الكشف عن بقية القصة ونبرز التاريخ العفن للتكتلات الاحتكارية: لم يكن إخفاء حقيقة تملّـك الشريك الأمريكي لشركات ألمانية ضمن التكتل الاحتكاري في الصناعات الألمانية والأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية هو المحاولة الفريدة في هذا المجال.. فإن الطرف الأمريكي كان يفعل نفس الشيء لممتلكات فاربن الألمانية في الولايات المتحدة.
        لقد تعلموا درساً في الحرب العالمية الأولى عندما قامت حكومة الولايات المتحدة بمصادرة الشركات الألمانية على أراضيها ووضعتها تحت وصاية "مكتب مصادرة المصالح الأجنبية".. وفي نهاية الحرب تم بيع هذه الشركات حتى لا تستردها ألمانيا.. ولكن خلال بضع سنوات تبخرت هذه الإجراءات وانحرفت الاحتياطات عن غايتها المنشودة.. وعادت الصناعات الكيماوية والدوائية إلى صاحبها الأصلي شركة فاربن الألمانية.. بل أصبحت سيطرة فاربن عليها أقوى مما كانت عليه قبل الحرب.
        لمزيد من الإضاءة في سراديب الأسرار الاحتكارية نضع واحداً من أهم الشخصيات التي كانت وراء هذا التحول الأخطبوطي.. إنه " إيرل ماك كلينتون " كان محامي مكتب الوصاية على الممتلكات الألمانية المصادرة.. وكانت مهمته الأساسية هي إرساء العطاء على شركة معيّـنة لشراء هذه الممتلكات من الحكومة الأمريكية.. هذه الشركة هي شركة (آي جي) الأمريكية للصناعات الكيماوية.. وقد تشكلت هذه الشركة وتحولت عدة مرات كالحرباء لتخفي حقيقة أصلها الألماني (كواحدة من ممتلكات مجموعة فاربن).. وما دامت قد أصبحت أمريكية الوجه فقد كان لها الحق في الشراء من الحكومة الأمريكية (وكل شيء ممكن بالقانون..) وهكذا عادت ممتلكات فاربن إليها مرة ثانية..!!
        أما مستر " إيرل ماك كلينتون " فقد حصل على جائزته بعد إتمام هذه الصفقة حيث عُـيّن في منصب كبير بإحدى شركات التكتل الاحتكاري هي شركة " ستيرلنج برودَكتس " بمرتب ضخم.. أضعاف قيمة مرتبه الحكومي السابق..
        والأهم من كل ذلك أن هذه المسألة لم تكن أكثر من رد جميل لما قامت به المجموعة الألمانية في التكتل لصالح الشركات الأمريكية في ألمانيا.. وتفصيل ذلك أن مجموعة فاربن الألمانية احتاطت (قبل نشوب الحرب) فوضعت كل الشركات الأمريكية الأعضاء في الكارتيل تحت مظلتها.. باعتبارها شركات ألمانية حتى لا تتعرض للتأميم من قبل الحكومة الألمانية النازية.. وهكذا ترى أن اللُحمة المصيرية بين هذه الشركات في الكارتيل تؤكد على أن انتماءها الأكبر والأوثق ليس لأوطانها الأصلية.. وإنما لإله المصلحة العليا للكارتيل.. وأعنى به جمع الثروات والأموال بأي ثمن.. وكانت استثمارات الشركات الكيماوية والدوائية تتفرد بين الصناعات الأخرى بخصيصة عجيبة أتقنتها.. ويمكن وصفها بفن [الجرح والعلاج أو المرض والشفاء] فالربح في كلا المجالين هو الأعظم والأكثر طلباً من الصناعات الأخرى.. فالمحاربون يبحثون عن المقذوفات والأسلحة.. والكيماويات هي مادتها الأولية.. والمجروحون والمرضى من البشر يبحثون عن العلاج.. والأدوية هي وسيلتهم للشفاء.. وكلاً من الأمرين احتكار للكارتيلات (الأمريكألمانية)..
        (3)
        عندما وقعت خزائن فاربن للمخطوطات والوثائق في قبضة الحلفاء بعد دخولهم إلى برلين اكتشفت حقائق مذهلة في العلاقات السرية بين الأطراف الألمانية والأمريكية في الكارتل.. اكتشفت عمليات تمويه متبادلة على أوسع نطاق.. فما الذي عُثـِرَ عليه من حقائق عن ممتلكات فاربن في أمريكا..؟ تنطق الوثائق: بأنه لا شيء حقيقي قد تغير أكثر من تغيير الأسماء.. فقد رُفع من اسم مجموعة فاربن في أمريكا عبارة " آي جي " التي توحي بانتمائها الألماني فقط.. أما مجالس الإدارة فقد بقيت كما كانت بكامل أعضائها السابقين: فقط رئيس مجلس الإدارة أخْلى منصبه ليتسلمه أخوه دايترش الألماني الأصل ولكنه يحمل الجنسية الأمريكية.. وفي خطوة تالية وإمعاناً في التمويه والتخفي تراجع دايترش الذي لا تزال البصمة الألمانية في اسمه ليحل محله القاضي الأمريكي "جون إي ماك ".. ولم يكن هذا الماك على كفاءة تناسب إدارة شركة بهذه الضخامة.. لذلك اكتفى بدور البصمجي على القرارات التي يتخذها مجلس الإدارة.. وكان السيد ماك يجد النصيحة المناسبة من أعضاء المجلس لكي يتقن تمثيل دوره في المجتمع وفي العلاقات العامة.. وكل رأسماله يتركز في الاسم والشهرة علاوة على صداقته للرئيس الأمريكي روزفلت...!
        ونمضى مع القصة العجيبة كالأساطير لنرى مشهداً سرياً آخر أكثر إمعاناً في التخفي والتهرب من المسئوليات القانونية والضرائبية والأخلاقية.. فقد لجأ هيرمان شميت رئيس مجموعة فاربن إلى صديقه وشريكه خبير البنوك السويسري "إدوارد جروتارت" الذي أوعز إليه بإنشاء شركة جديدة سويسرية ذات أفرع خارجية متعددة وفتح لها حسابات بنكية بلغ عددها اثني عشر حساباً تحت أسماء مختلفة.. ليس فيها أي شيء يشير إلى أصلها (آي جي فاربن).. ثم شرعت هذه الشركة تشتري شركات فاربن شراء صوريّاً.. يعني كانت الخطوة الأخيرة في عملية التمويه الكبرى هذه هي تحويل كل شركات فاربن ذات الانتماء الألماني الأصل إلى شركات تابعة لهذه الشركة السويسرية في دولة محايدة لا هي ألماني ولا أمريكي..! وأصبح من المستحيل على أي باحث أن يعرف من خلال الحسابات البنكية (التي صمّمها جروتارت بدهاء) أصل هذه الشركة أو تلك.. إنما سيجد نفسه أمام شبكة عنكبوتية وعلاقات أخطبوطية لا أول لها ولا آخر.. وفوق كل هذا وبفضل دهاء جروتارت الجهنمي أصبحت بنوك سويسرا وعدد هائل من موظفيها في المؤسسات المالية عملاء في خدمة هيرمان شميت ومصالحه الإمبريالية.. [ انظر كيف تفعل الثروة الطاغية في الضمائر والمجتمعات وتأمل آيات القرآن العظيم عن الترف والمترفين.. كلها بلا استثناء تلعنهم وتتوعدهم بالعذاب.. وتحذر من شرورهم وفسادهم وإفسادهم.. ولكن تنبّـه إلى نقطة هامة.. وهى أن الترف ليس هو الثراء المجرد أو الرفاهية فحسب كما قد يتبادر إلى ذهنك.. انظر إلى أي قاموس لغوي .. فستجد أن الترف ينطوي في معناه اللغوي على الطغيان والفساد.. هذه العربية كم هي لغة رائعة...!] ثم نتابع عمل الترف والمترفين في الأنفس والمجتمعات فيما يلي:
        (4)
        على الضفة الأخرى من الأطلنطي سنرى كل المعاملات المالية الأخطبوطية لهذه الشركات الألمانية في أمريكا يقوم بها بنك " ناشيونال سيتي بانك أوف نيويورك " الذي تهيمن عليه أسرة (ركفلر) الشريك الأمريكي الأكبر في الكارتل.. ولكي تقوم بدورها على أفضل ما يمكن كانت ترتب لكي يكون هناك بصفة دائمة رجال من أعلى القيادات في السلطة الفدرالية يتولّوْن مناصب إدارية في الشركات التابعة للكارتل يتلقّوْن مرتبات عالية.. ويحتفظون دائماً بعلاقات ونفوذ خطير داخل الإدارة الأمريكية ومن خلال هؤلاء الرجال كانت مصالح الكارتل تُيسّـر.. خصوصاً إذا كان الأمر يحتاج إلى تيسير أو تغطية للأخطاء والمثالب.. إضافة إلى كل هذا استطاعت أسرة روكفلر إنشاء علاقات وثيقة بالشخصيات المؤثرة في الدوائر السياسية الحاكمة بتعيينهم مستشارين (لا يعملون شيئاً).. ولكن يتلقون مرتبات عالية نظير خدمات غير منظورة.. وعلاقات أخرى وثيقة مع المرشحين للكونجرس من كلا الحزبين الأمريكيين.. وكان اسم وزير العدل نفسه على قائمة الذين يتناولون مبالغ كبيرة بصفة منتظمة نظير استشارات مجهولة الهوية (بند إكراميات..!).. ولم يفلت من قبضة الكارتل الذي تقوده روكفلر في أي وقت ثلاثة مناصب هامة بالنسبة لمصالحها: وزير العدل، ووزير الخارجية والرئيس الأمريكي نفسه...!
        كان جون فوستر دالاس (وزير الخارجية في عهد الرئيس أيزنهاور) من الشركاء الأوائل لمجموعة المحامين "سوليفان وكرومويل" وكانت هذه أكبر مؤسسة قانونية في شارع وول ستريت لتمثيل المصالح الأجنبية لدى الشركات والبنوك الأمريكية.. وكان هو المحامي الذي أسندت إليه توكيلات شركتين كبيرتين من شركات روكفلر مع "تشيس منهاتن" وكذلك "ستراند أويل" وكان رئيساً لمؤسسة روكفلر للأعمال الخيرية.. وهذا يمثل ثقة عظيمة من جانب أسرة روكفلر.. وفي سنة 1945 أصبح "جون فوستر دالاس" الممثل الأمريكي القانوني لشركة فاربن الأمريكية حتى لا تُصادر باعتبارها شركة تابعة للعدو.. وكان أخوه ألن دالاس أيضاً محامياً وشريكاً في المؤسسة القانونية لسوليفان وكروميل وكان موضع ثقة من الرئيس أيزنهاور فجعله مديراً للمخابرات المركزية..!
        [ألا تعطيك هذه الصورة نوع القوة التي تملكها الشركات العملاقة ونوع الشخصيات التي تسخـّرها التكتلات الاحتكارية لخدمة مصالحها في العالم...؟!].
        (5)
        إذا كنت تريد أن تطلع على بعض النتائج العملية لهذا الاستحواذ وهذا التغلغل البعيد المدى في البنية السياسية الأمريكية..؟ إذن إليك بعض المعلومات الموثقة: قرب نهاية الحرب العالمية الثانية صدرت تعليمات للطيارين الأمريكيين بتدمير كل المباني التجارية في مدينة برلين باستثناء مبنى واحد ضخم.. وجده الحلفاء عندما دخلوا المدينة سليماً شامخاً وسط تلال هائلة من الأنقاض حوله.. وعرفوا أن هذا المبنى هو المركز الرئيس والعمود الفقري لشركات فاربن..
        فإذا كنت تريد معرفة السر فإليك حفنة أخرى من المعلومات الموثقة أيضاً:
        كان نائب قائد القوات العسكرية في الحرب سنة 1945 هو" روبرت بي باترسون" الذي عينه الرئيس روزفلت مستشاراً "لديلون ريد آند كمبني" وهى مؤسسة بنكية للاستثمارات تملكها [أسرة روكفلر].. وقد علمنا إلى أي حد ساعدت روكفلر شريكتها الألمانية فاربن قبل الحرب وها هي تنقذ لها مركز إدارتها في قلب برلين..!
        فهل تريد أن تعرف معلومات أكثر من ذلك ..؟!
        إذن فاعلم أيضاً أن وكيل أول وزارة الدفاع الأمريكية المسمى (جيمس فورستال) كان قبل هذا المنصب مديراً لشركة "ديلون ريد آند كمبني"... وهكذا يمكنك أن تضع كلاً من باترسون وفورستال في دائرة الاشتباه في قصة إنقاذ مبنى إدارة فاربن في برلين.. ويمكنك أن تربط بسهولة هذين الرجلين في أعلى السلطة والقيادة العسكرية الأمريكية بخيوط تمسك أطرافها وتحركها إمبراطورية روكفلر.. كان رجال روكفلر وفاربن في قلب المعمعة عندما وقع الهجوم على ممتلكات فاربن في أمريكا.. وعندما شن الأمريكيون هجومهم الجوي على برلين في نهاية الحرب.. وبعد ستة أشهر فقط عادت كل الشركات تعمل بكامل أطقمها في الإنتاج وبدأ مشروع مارشال الأمريكي لإعادة الإعمار في ألمانيا.! تغيرت أسماء شركات فاربن من الألماني إلى الفرنسي والإنجليزي كل في موقعه.. وبقيت فاربن هي هو راسخة لم تتغير..!
        إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

        تعليق


        • #5

          مجموعة روكفلر:
          قد يظن القارئ أنه من السهل عليه أن يصنف المالكين الأعضاء في كارتل معين بأنهم ألمان أو أمريكيون أو سويسريون.. أو ينسبهم إلى جنسية أخرى وفقاً لبطاقات هويتهم أو مكان إقامتهم.. ولكنه يخطئ في ذلك خطأً كبيراً.. فالأمر بالنسبة لهذا النوع من البشر يفوق خيال الإنسان العادي ذلك لأنهم في حقيقة أمرهم لا ينتمون مثلنا وجدانياً أو عقلياً إلى جنسية أو وطن.. بل لا يشعرون مطلقاً بهذه المشاعر الوطنية التلقائية التي ينشأ عليها بقية البشر..
          إنهم غير متحمسين لأوطانهم التي ولدوا ونشأوا فيها.. بل يعتقدون أنهم فوق الأوطان وفوق الجنسيات.. لا شك أنهم ينتمون إلى كائن أسطوريّ اسمه الكارتل.. الذي يضم في إطاره هذا التجمع الهائل من الشركات الصناعية والمؤسسات المالية والبنكية.. هذا الكارتل هو ملاذهم الآمن الذي يحميهم.. هو وطنهم.. بل هو في الحقيقة إلههم الأعظم الذي يعبدونه من دون الله ..
          "روبرت ستيفنسون" وكيل شركة فورد يعتبر ممثلاً نموذجياً لهؤلاء الناس.. صرّح مرّة لمجلة "بيزنيس ويك الأسبوعية" في 19 ديسمبر 1970 قال: " نحن لا نعتبر أنفسنا شركة أمريكية متعددة الجنسيات.. وعندما نذهب إلى بلد لا يحب أمريكا نقول لهم دائماً: من تحبون أكثر..؟؟ ألمانيا.. بريطانيا.. أو غيرهما.. ؟؟ إننا نحمل أعلاماً كثيرة.. اختاروا منها ما يعجبكم..! "
          وفي خريف سنة 1973 نلتقي بشخص آخر أكثر صراحة.. كان أحد كبار مديري شركة موبيل أويل صرح قائلاً:" لم أصادف في حياتي مناسبة كان علىّ فيها أن أقول لنفسي: إنني سأكون مواطناً صالحاً لبلد ما.. لأنني إذا قلت ذلك فأنا حينئذ لست شركة بترول متعددة الجنسيات..!!"
          انظر كيف يصوغ الرجلان لغة خطابهما عندما يتحدثان عن نفسيها بلفظ أنا أو نحن.. تجد الواحد منهما يتوحد مع الشركة كأنه هو وهي كينونة واحدة حيث يقول: أنا شركة.. نحن شركة.. أما من هو كإنسان مستقل الهوية.. ؟ فلا شيء ...!
          الجد الأعلى لروكفلر:
          ينبغي أولاً أن نفهم أن اعتبار صناعة الدواء كمصدر أرباح خيالية وليس خدمة إنسانية للمرضى بالدرجة الأولى يرجع إلى الجد الأكبر لأسرة روكفلر واسمه وليام أفري روكفلر(1810-1906).. [ جذوره الأصلية من المهاجرين الألمان..! ] إذا تعرفت على سمات هذه الشخصية الغريبة فلن تندهش بعد ذلك ولن يتطرق إليك الاستغراب...
          كان معروفاً عند أصدقائه بلقب "بل الكبير" أما عمله فكان بائعاً متجولاً ودجّالاً أو نصّاباً يدّعي العلم بالعلاج و الأدوية.. وكانت أدويته التي يصنعها بنفسه مركبة معظمها من البترول ممزوجاً بالكحول .. لم يتلق وليام هذا أي نوع من التعليم الطبي على الإطلاق (ولا حتى شهادة حلاق صحة).. ومع ذلك كان يعلن عن نفسه ببجاحة أنه (الطبيب وليام روكفلر أخصائي علاج السرطان الشهير..!).. وقد وضع اسمه في دفتر التليفونات المحلي تحت فئة الأطباء.. وأقام لنفسه إعلانات منصوبة في كل مكان مكتوب عليها: (جميع حالات السرطان فيما عدا الحالات المتأخرة جداً يتم علاجها بنجاح كبير)... لا تعجب فهكذا كانت أمريكا في القرن التاسع عشر...!
          هكذا.. كان الجد الأعلى لأسرة روكفلر نصاباً محترفاً لا يخجل.. كان يغش أي إنسان يصادفه في الطريق في أي وقت.. وبقدر ما يستطيع من فنون النصب المناسبة للوقت وللشخص الضحية.. وكان يفخر بمهارته في النصب على الناس.. ويحكى قصصه بلا محاولة للإخفاء كأعمال بطولية ذكية..
          في سنة 1844 اتهم بسرقة حصان.. وكان يشتبه في أن لديه أكثر من زوجة سرية.. وفي سنة 1849 اتهم باغتصاب خادمة في بيت العائلة؛ ولكي يهرب من الإدانة انتقل إلى بلدة نائية بعيداً عن منطقة نفوذ المحكمة.. ولم يشهده أحد بعد ذلك.. وقيل وقتها أنه هرب إلى كندا وتزوج هناك تحت اسم مستعار وأنجب ابنتين لحقتا بالأسرة فيما بعد...
          جون ديفسون روكفلر:
          الشخصية التالية في أسرة روكفلر والمؤسس الحقيقي لإمبراطوريتها الصناعية والمالية هو (جون ديفسون روكفلر) إنه الابن البار والوريث الأكبر لتراث أبيه وليام أفري روكفلر.. وكان أول ما فعله بعد سنوات من اكتسابه للثروة والشهرة.. هو محاول تحسين صورة أبيه.. فكان يفخر بأنه تعلم الطب العملي من أبيه.. وزعم: " أنه (يقصد أباه) قد قام شخصياً بتدريبه عملياً.." ويقول عنه: "إنه كان منشغلاً بمشروعات مختلفة..! وكان معتاداً على تعريفي بكل شيء.. كما تعلمت منه مبادئ وأساليب التجارة..!" انتهى الاقتباس...
          وهنا نسأل نحن: أي مبادئ وأي أساليب تجارية تعلمها جون دي روكفلر من أبيه..؟! .. السير جون تي فلين يجيب على هذا السؤال في كتاب له بعنوان: (ذهبُ الإله: قصة روكفلر وزمانه...) يقول: كان "بل الكبير" مشغوفاً بالتفاخر بذكائه الخارق.. وقدرته على التلاعب بالناس.. لم يكن الرجل يضع أي اعتبار للأخلاق.. بل كان يسهب في ذكر مغامراته في النصب والتحايل على مسمع كل من يريد الإنصات والاستمتاع بقصصه ومغامراته.. كان "بِـل الكبير" حريصاً على أن ينشّئ أبناءه على خصاله ونهجه.. وأن يكونوا مثله في الخشونة والذكاء والاحتيال والفهلوة...!
          كان يقول: أنا أغش أولادي كلما سنحت لي الفرصة.. فأنا أريدهم أن يكونوا أذكياء يتعلمون المكر و الحرص والحذق.. أُريدهم أن ينشأوا على الخشونة والصرامة.. أنا أتاجر معهم.. أبيع وأشتري وأنصب عليهم.. وأغالبهم وأغلبهم كلما استطعت إلى ذلك سبيلاً.. أريد أن أنمّي عندهم اليقظة والانتباه وشحذ التفكير.. أريد أن أجعل منهم صارمين حاذقين.. لا مسترخين خاملين...!! ولقد نجح" بل الكبير" فعلاً خصوصاً مع ابنه جون دي. روكفلر.. الذي أصبح أكبر الاحتكاريين في العالم.. وأكثرهم نجاحاً في كل العصور...!
          كانت عقيدته الدينية التي كرس حياته وعبقريته وجهوده لتنفيذها والتأكيد عليها هي القضاء على المنافسة التي هي جوهر الرأسمالية (نظرياً على الأقل).. يؤثر عنه مقولته الشهيرة في كل خطاب له: "المنافسة خطيئة ينبغي تجنّبها...".
          وعندما تحولت أعماله التجارية إلى ما تحولت إليه من ضخامة غير مسبوقة.. تبلورت على يديه قصة التطور الاقتصادي الأمريكي برمّته.. اقتصاد قائم على محاربة مبدأ "دعه يمر..." فقد كان روكفلر يعتقد بيقين جازم أن النظام الاقتصادي التنافسي الذي اعتاد العالم أن يسير عليه من قبل كان خطأً فادحاً.. بل كان جريمة ضد التنظيم والكفاءة بل ضد الاقتصاد الصحيح.. وليس له إلا علاج واحد هو القضاء على المنافسين.. وكانت له خطته في هذا المجال لا يحيد عنها.. وتتلخص في محاولاته أن يأتي بكل منافسيه إلى جانبه.. فالأقوياء منهم يجعلهم شركاء له ولكن تحت إبطه.. وآخرون يسمح لهم فقط أن يكونوا حاملي أسهم في البورصة.. أما الذين لا يقبلون الانضمام إليه ويرفضون التبعية فإنه يسحقهم تحت قدميه..
          وهكذا نرى أن صعود إمبراطورية روكفلر برهان على نجاح خطته الجهنمية.. لقد أصبح لديه عدد من الشركاء الحميمين.. بعضهم كان من شركائه الأصليين وأكثرهم من المنافسين المنهزمين الذين احتواهم تحت جناحه.. هؤلاء أصبحوا مليونيرات كبار مرموقين.. وظلوا مرتبطين بعجلة روكفلر وبعائلته.. فقد تعددت بينهم زيجات المصلحة.. شأنهم في ذلك شأن الأسر المالكة الأوربية التقليدية.. أو كانت العلاقات الرومانسية الحرة تجري في أوساطهم.. والمهم أن ينتهي كل نشاط في هذا المجال إلى زواج مصالح.. وقد استطاع جون دي روكفلر من خلال عمليات الاحتواء أن يطوي تحت جناحيه نصف عدد الأسر الأكثر ثراء في أمريكا والبالغ عددهم ستين عائلة.. وأصبح هذا التجمع الحاشد تحت سيطرته وسيطرة أبنائه من بعده...
          أما تقدير ثروة هذه الأسرة فمن المستحيلات.. إنها سر من الأسرار المغلقة لا يعرفه إلا عدد قليل منهم.. و الجزء المنظور فقط من هذه الإمبراطورية الاقتصادية يكفي لصعق الخيال الجامح.. لقد أقام جون دي روكفلر تكتلاً احتكارياً للبترول خلال السبعينيات في القرن التاسع عشر ثم أعيد تنظيمه سنة 1899 تحت اسم شركة "إستاندرد أويل" في نيوجرسي.. ابتلعت في جوفها جميع الصناعات البترولية في الولايات المتحدة.. ابتداء من البحث والتنقيب وانتهاء بالتسويق والتوزيع والتطوير...
          بمقتضى حكم المحكمة العليا لسنة 1911 أجبرت هذه الشركة على التقسيم لتصبح ست شركات منفصلة بغرض كسر حالة الاحتكار المروّع.. إلا أن هذا القرار لم يحقق هدفه أبداً.. فقد بقيت الشركات الست في حوزة وإدارة نفس الأشخاص.. ولم يحدث بينهم أي نوع من المنافسة.. وفي سنوات لاحقة عادت أسرة روكفلر إلى سياستها التقليدية لتضم إليها شركات بترول أخرى كبرى مثل" تكساكو" و "هامبل أويل" التي أصبح اسمها "إكسوم" وغيرها.. هذه الشركات بدورها كان لها توابع في أنحاء أخرى من العالم.. وقد اعترفت (إستاندرد أويل) الشركة الأمّ بأنها في ذلك الوقت كانت تسيطر على 322 شركة.. وفوق هذا كله أنشأت روكفلر كارتل مؤلف من شركات كبرى أجنبية مثل رويال دتش وشل أويل..
          ومع كل هذا التوسع الأسطوري لروكفلر في مجال الاحتكارات والأرباح البترولية والصناعية.. والسطوة التي قبضت على زمامها من خلال هذا الكارتل الهائل فإن هذا كله لا يساوى شيئاً إذا ما قورن بما حققته روكفلر في السنوات اللاحقة من خلال إمبراطوريتها البنكية في التمويل العالمي والاستثمارات الدولية.. ولروكفلر قصة مع البنوك بالغة الإثارة.. فإلى لقاء آخر بمشيئة الله...
          إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

          تعليق


          • #6
            الإنسان في عالم التكتلات الاحتكارية [5]

            كتب: محمد يوسف عدس
            17/10/1430 الموافق 06/10/2009


            كتب: محمد يوسف عدس

            (1)
            إحدى النصائح التي ما زلت أتذكرها من قراءاتي لأعمال المفكر والفيلسوف الإسلامي العظيم "مالك بن نبي" في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي نصيحة وجّهها للكتّاب والمفكرين ألا تستغرقهم ردود الأفعال على الاستفزازات التي تأتي من جهة أعداء الإسلام والحاقدين عليه.. فهو يرى أن هذه الاستفزازات لن تنقطع.. وأنه يكفي للتصدي لها مجموعة من الكتاب المخلصين الذين يجيدون التواصل مع جماهير القراء.. أما بقية المفكرين فيجب أن يواصلوا جهودهم في البحث والدراسة.. لاكتشاف الجديد من الأفكار والإبداعات التي لا غنى للتقدم الفكري عنها.. وقد ضرب لذلك مثلاً بالإمام الشيخ محمد عبده الذي اضطر لإنفاق وقت ثمين من حياته الفكرية ومن جهده في الرد على افتراءات هانوتو وإرنست رينان.. والمجادلة مع فرح أنطون.. كان مالك بن نبي يفضّل أن يتفرّغ الإمام محمد عبده لتعميق رسالته الإصلاحية وتحقيقها.. وأن يتصدى غيره للرد على افتراءات المفترين وجدال المنحرفين..

            من هذا المنطلق رأيت أن أتوقف حيث انتهيت في الحلقة الأولى من مقالي " عمالقة وأقزام في تاريخ اليونسكو" وأن أستأنف مواصلة حلقات " الإنسان في عالم التكتّلات الاحتكارية" فالأولى تتناول قضية لها كًُتاب كثيرون مهتمون بها، أما الثانية فقد يندر من تطرق إلى موضوعها إلا لماماً وفي إشارات خاطفة، على أهميته البالغة، فعكفت على دراسته زمناً، وعزمت على تجليته وإبلاغه، لعله يقع يوماً ما في وعي باحث ذكي أو مصلح مخلص، يواصل سبر أغواره وآثاره الخطيرة في حياة الإنسان المعاصر ويعمل على تحصين الناس منها..

            فقط أردت أن أوجّه هذا السؤال البسيط قبل أن أغلق هذه الصفحة: هل نضبت أرض مصر من الرجال والنساء الذين يستحقون جائزة الدولة التقديرية.. ولم يبق إلا أمثال القمني فتمنح لهم الجائزة في محاولة استفزازية لروح الأمة وعقيدتها..؟؟! لقد حق للدكتور قاسم عبده قاسم أن يعلن صدمته واستياءه عندما وجد اسمه مقترناً باسم سيد القمني.. وحق للدكتور قدري حفني أن يعلن عدم مسئولية لجنته عن الموافقة أو التوقيع على قبول ترشيح القمني للجائزة.. وصرح بأن الأمر لم يعرض أصلاً على اللجنة.. خلافاً لما تزعمه شلّة الجائزة.. فإذا لم تكن قد عميت القلوب والأبصار فإنني أدلّهم على بعض أسماء استحق أصحابها التكريم والجائزة منذ وقت طويل ولم تصلهم بعد.. وما أظنها ستصلهم طالما بقيت شلة الأهواء والمصالح الشخصية تتحكم فيها.. هذه بعض أسماء كما ترد على خاطري سريعا بلا استقصاء ولا حصر: الدكتور مصطفي الشكعة، المستشار طارق البشري، الدكتور كمال البتانوني، الدكتور عادل حسن غنيم، الدكتور جلال أمين، الدكتورة زينب عبد العزيز، الأستاذ فهمي هويدي، الدكتور زغلول النجار، الدكتور كمال عرفات نبهان، الدكتور محمد عمارة.. يمثل هؤلاء مجرد عينة من مفكرين كُثْر لهم مكانتهم الفكرية ولهم إنجازاتهم العلمية.. وإن كنت أظن أن بعضهم أو كلهم قد يرفض الجائزة بعد أن تم تلويثها والحط من قيمتها بهذه الصورة العبثية ...!

            (2)

            نعود إلى إمبراطورية روكفلر: فنقول: لقد بدأت قصة هذه الإمبراطورية سنة 1891 عندما أصبح "ناشيونال سيتي بنك أوف نيويورك" تحت إدارة "جيمس ستيلمان" هو البنك الرئيس لأسرة روكفلر.. فبالأموال التي أودعتها فيه تحول إلى أكبر بنك في الولايات المتحدة.. ومن خلال هذه العملية ازداد اهتمام الأسرة بالبنوك وبالاحتكارات البنكية كوسيلة لمضاعفة أرباحها من توظيف أموالها في هذا المجال.. بدأت القصة باثنين من أبناء روكفلر يتزوجان اثنتين من بنات جيمس ستيلمان.. وهكذا امتزج روكفلر وستيلمان في كيان واحد..

            عندئذ شرعت أسرة "جون دي روكفلر" تحوّل معظم مصالحها المالية إلى بنك خاص بها ولكن بقي أبناء أخيه وليام روكفلر وأحفاده يعتبرون هم الغالبية من حاملي أسهم "ناشيونال بنك".. ولم يكن تحويل جزء من ثروة الأسرة إلى بنك آخر راجعاً إلى شعورهم بعدم الرضا ولا بسبب صراع داخلي بين أجنحة الأسرة للسيطرة على البنك وإنما لامتصاص المنافسة بين البنوك.. وهكذا أُدرجت مجموعة من البنوك تحت لواء بنك اشترته الأسرة باسم" تشيس ناشيونال بنك".. ثم ضمّت إلى ذلك مجموعة أخرى من البنوك تحت اسم مانهاتن.. ثم جمعت كل هذه البنوك سنة 1955 تحت ملكية الأسرة.. في واحد من أشهر بنوك العالم هو " تشيس مانهاتن"..

            فما هو حجم تشيس مانهاتن هذا؟ لا أحد خارج الإدارة العليا لهذا البنك يعرف الإجابة الصحيحة على هذا السؤال.. كل ما يعرفه العالم الخارجي عن هذا البنك أنه أشبه ما يكون بدولة ذات سيادة.. أكثر منه مجرد بنك مالي وأن به أموالاً أكثر مما لدى معظم دول العالم.. عدد العاملين فيه لا يقل عن خمسين ألف موظف يعملون كسفراء للبنك في أنحاء العالم.. ولدى البنك ممثل فوق العادة متفرغ كل الوقت في مبنى الأمم المتحدة.. ومن هناك يقوم البنك بكل العمليات البنكية لهذه المنظمة العالمية الكبرى..

            لا تنس أن مبنى الأمم المتحدة نفسه كان مشروعاً لأسرة روكفلر فقد أقيم مبنى هذه المنظمة العالمية على أرض أهدتها مؤسسة روكفلر.. وليس من المستبعد أنهم ينظرون إلى الأمم المتحدة باعتبارها الآلية المطلقة لبسط قوتهم الاحتكارية في أنحاء العالم..

            ولا تنس كذلك أن إمبراطورية روكفلر المالية لم تقتصر على بنك تشيس مانهاتن على ضخامته وهيمنته الهائلة فإن هذا التجمع البنكي تحت سطوة روكفلر مع مجموعة بنك مورجان استطاعت أن تنشئ بنك الاحتياط الفدرالي Federal Reserve System فهل معنى هذا أن هذا البنك المركزي الذي يصك النقود في الولايات المتحدة ويهيمن على البنوك الأخرى كأي بنك مركزي آخر في العالم هو بنك خاص تملكه بعض أسر تحت سيطرة أسرة روكفلر وليس بنكاً حكومياً كما يوهمنا اسمه الفدرالي...؟والإجابة نعم هو بنك خاص مستقل وليس بنكاً تملكه الحكومة الأمريكية وتسيطر علي سياسته أو توجهه..!! ولمعرفة بقية القصة وأبعادها الأسطورية اقرأ كتاب: Edward Griffin – The Creature from Jekyll Island.
            A second Look at the Federal Reserve.
            Village, C.A.: American Media, 1995.

            ومع تطور مؤسسات الاستثمارات البنكية في أمريكا أصبحت مدينة نيويورك مركز التمويل العالمي.. حتى نظام الأرقام والحسابات السرية التي كانت تميز البنوك السويسرية لم تعد ترقى إلى مستوى حجم الأموال والسلطة المتداولة في الولايات المتحدة.. بل إن لندن التي كانت مركز إمبراطورية روتشيلد ومورجان في السابق أصبحت تحتل المركز الثاني بعد نيويورك..

            (3) تركيز الثروة بأرقام فلكية:


            إذا نظرت إلى واحدة من الشركات الكبرى التي يسمونها عابرة القارات أو متعددة الجنسيات مثل: ستاندرد أويل أو فورد أو جنرال موتورز أو (آي تي تي) فستجد أن ممتلكاتها المالية تفوق مجموع ما تملكه كثير من دول العالم.. وهناك مؤشرات على ضخامة تعاملات وعمليات هذه الشركات حول العالم فمثلاً : لدى "آي تي تي" موظفين وممثلين بالخارج أكثر من موظفي وزارة الخارجية الأمريكية.. ولدى سْتاندرد أويل أسطول من ناقلات البترول أكبر من مجموع أساطيل الاتحاد السوفييتي الحربية والتجارية في زمانه الغابر.. وتزيد ميزانية البحوث والتطوير لشركة"آي. بي. إم "على مجموع عائدات الضرائب لكل دول العالم مجتمعة باستثناء عدد قليل منها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة..

            والمشهد في أمريكا يصيبك بالذهول والدوران: حيث تجد أن واحداً بالمائة من السكان يملكون 70% من الصناعات الأمريكية.. وستجد أن بنوك أمريكا المتركزة في (وول ستريت).. نصفها تملكه مجموعة من الناس لا يزيد عددهم (أيضاً) على عدد أصابع اليد الواحدة.. ويمثل هذا أعظم تركيز للثروة والسلطة شهده العالم في كل عصور التاريخ حتى هذه اللحظة الراهنة...! فكيف حدث هذا...!؟: هل هو نتيجة التجارة الحرة كما يزعمون..؟ هل هو نتيجة توفر منتجات وخدمات تنافسية وبالتالي حصل أفضلها وأرخصها على أكبر نصيب من الرواج في الأسواق..؟ هل هو نتيجة عمليات الإنتاج الكبير وتقدم أساليب التوزيع التي جعلت أسعار بيع السلع تنخفض، ومن ثم جذبت أكبر عدد من المستهلكين...؟ ربما كان لهذه العوامل بعض التأثير.. ولكن التأثير الأكبر لتركيز الثروة على هذا النحو المذهل يرجع إلى الاحتكارات والقضاء على المنافسة بأساليب مكيافيلية بل إجرامية...!

            (4) روكفلر النموذج الأعلى

            بشكل أو بآخر ( والله وحده يعلم ) خضعت كل شركات التأمين لسيطرة مجموعة روكفلر الاحتكارية.. ويوجين بلاك المدير الأعلى لهذا القطاع هو في نفس الوقت مدير إحدى شركات روكفلر.. وطبعاً أموال شركات التأمين ليست ملكاً ليوجين بلاك ولا لروكفلر (إنما هي عبارة عن الأقساط المالية التي يدفعها المؤمّنون).. ومع ذلك فيوجين بلاك يشغّلها لحساب روكفلر في البورصة ويحصّل عليها أرباحاً.. فكرة جهنمية لتحصيل أرباح من الهواء الطلق...!


            ( كان جحا هو الوحيد في تاريخ الثقافة الشعبية الذي استطاع بعبقريته توليد النقود من النقود) أما دافيد روكفلر عميد إمبراطورية روكفلر الحالي فإنه يستطيع أن يفخر بإنجازاته، ونجاحه أن يولّد أموالاً من الهواء الطلق.. تحدث أمام أحد المؤتمرات العالمية للاستثمار في باريس فقال: "كان من الحكمة أن نستثمر في شركات التأمين على الحياة وعلى المخاطر والمعدات التجارية وغيرها.." وأيّ حكمة.. فهذه صناعة لا تكلّف صاحبها رأس مال..!!

            فإذا كان نشاط روكفلر في هذا القطاع الاقتصادي ظاهراً.. فإن تغلغلها في قطاع الصناعات الدوائية هو الأكثر خفاء.. وهو الذي يجرى في سراديب سرية بعيداً عن الأعين أكثر من أي نشاط آخر لها في كل الصناعات والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين الأول: أنه قبل الحرب العالمية الثانية بسنين عديدة كانت ستاندرد أويل مقيدة باتفاقية كارتل تمنعها من التدخل في الحقل الواسع للصناعات الكيميائية إلا كشريك مع "آي جي فاربن" الألمانية.. وفي المقابل ألا تتنافس هذه الأخيرة في الصناعات البترولية مع روكفلر.. أما الأمر الثاني: فهو أن فاربن لم تكن قبل الحرب العالمية الثانية مقبولة في أمريكا وكانت تحتاج إلى عمليات تمويه على نشاطها وممتلكاتها الأمريكية.. وقد قامت روكفلر بهذه العمليات التمويهيـّة بمهارة فائقة باستخدام وجوه مزورة وحسابات مالية غامضة كان بنك تشيس مانهاتن هو الذي يتولاها.. وهو كما تبين لنا مجرد جزء من إمبراطورية روكفلر الاقتصادية..

            (5) عالم بلا أدوية:

            أرباح الأدوية شيء مهول يصعب على الخيال تصوره.. وطبيعة هذا المنتج في حد ذاته يجعله من أنسب المجالات لتلاعب الاحتكارات والكارتيلات.. فالإنسان عندما يكون مريضاً أو شاعراً بخطر الموت لا يتساءل أبداً عن ثمن الدواء.. إنه يشتريه فقط.. هذه واحدة.. أما النقطة الثانية: وهي الأهم فهي أن صرف الدواء لا يتم إلا بروشتة طبيب.. وهذا الإجراء مع إجراءات أخرى كفيل بمنع المنافسة تماماً بين الأصناف المختلفة.. فاختيار الطبيب لدواء ما متأثراً في اختياره بقوة الدعاية وتأثير مندوبي التوزيع ومهارتهم في فن العلاقات العامة.. والهدايا التي يتلقاها من شركات الدواء.. هذا الاختيار هو الذي يحسم القضية لصالح دواء ما دون الأصناف الأخرى المماثلة.. وبذلك تنعدم المنافسة في سوق الدواء تماماً.. وبهذه الطريقة تتضاعف الأرباح العائدة من بيع الدواء.. لا للطبيب ولا الصيدلية وإنما للشركة المنتجة.. وهذا هو السبب الجوهري وراء إصرار جمعية الأطباء الأمريكية على ضرورة ألا تصرف الفيتامينات إلا بروشتة طبيب. وإذا كانت الروشتة شرطاً أساسياً لصرف الدواء فرضته هذه الجمعية فإن شركات التأمين الصحي أيضاً تشترط في تعاملها مع المرضى (المستهلكين) وجود الروشتة، وفي هذا المناخ الاحتكاري تستطيع شركات الأدوية رفع أسعار الدواء من وقت لآخر دون شكوى من الزبون المستهلك.. علماً بأن المستهلك في النهاية ( واعياً بذلك أو غير واع) هو الذي يدفع الثمن ويتحمل الزيادة فيه إما من خلال رفع أقساط التأمين التي يدفعها أو من خلال ضريبة الدخل السنوية.. وهذا نموذج لاستخدام شركات الأدوية للحكومات في إلغاء المنافسة ورفع الأسعار ضد مصلحة المستهلك...

            والسؤال الآن:

            هل رحلنا بعيداً عن هدفنا الأصلي ودخلنا في متاهة من التفاصيل ومعلومات لا علاقة لها بموضوعنا الأصلي المتعلق بقضية استخدام الفيتامينات في علاج مرض السرطان...؟! أقول: لا.. إننا لم نرحل بعيداً بل نقترب أكثر وأكثر من صميم الموضوع...! لقد رأينا كيف أن الصناعات الدوائية ليست بمنأى عن خطط التكتلات الاحتكارية.. بل هي في الصميم منها.. وهذه حقيقة بالغة الأهمية لا ينبغي أن ينساها من يحاول دراسة هذه القضية ليضع يده على الحقائق المجردة والمذهلة.. هذا من ناحية.. أما من الناحية الأخرى فإن المعارضة الشرسة الواسعة المتعددة الأبعاد لعلاج السرطان بالفيتامينات يستحيل فهمها فهماً صحيحاً بدون فهم دور هذه التكتلات الاحتكارية وتأثيرها الشامل والعميق في صنع القرارات الحكومية والمهنية المتعلقة بالدواء والعلاج..
            إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

            تعليق


            • #7
              مازلنا نتحدث عن إمبراطورية روكفلر..

              وهذا مشهد آخر من سلسلة المشاهد العجيبة نتطلع إليه فتصيبنا الدهشة: فرؤساء دول العالم الذين يذهبون إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية هناك دائماً بند مقرر عليهم في برنامجهم أن يقوموا بزيارة شخصية إلى المقر الرئيس لإدارة إمبراطورية روكفلر ومقابلة عميد الأسرة الأكبر.. حتى إمبراطور اليابان ورئيس الاتحاد السوفييتي لم يُستثنيا من هذه الزيارة المقدّسة.. والأغرب من هذا أنه عندما يتوجه عميد أسرة روكفلر لزيارة أي دولة أجنبية فإنه يُمنح استقبالاً رسمياً كرؤساء الدول... بينما الشعب الأمريكي لا يلقى بالاً لأهمية روكفلر.. وهنا يصدمنا هذا التناقض ويجعلنا نتساءل عن السر في ذلك...!

              والإجابة البسيطة التي يستخلصها الدارس الفاحص هي أن روكفلر وصحبه وإن كانوا هم الذين يقبضون على زمام السلطة الحقيقية في الولايات المتحدة إلا أنهم قد اختاروا بحكمة أن يجلسوا خلف الكواليس.. ولذلك نادراً ما تظهر أسماؤهم في الأخبار.. أما من نراهم يتحركون على المسرح، ويظهرون أمام الجماهير، وتملأ تصريحاتهم عن سياسة الدولة الصحافة والإعلام، فهؤلاء في حقيقة الأمر الأتباع الذين يدينون بالولاء لروكفلر وصحبه ويخدمون مصالحهم.. إنهم أتباع بدرجات مختلفة تبدأ أو تنتهي بمنصب رئيس الجمهورية.. وهذه إحدى عجائب هذا الزمن...!

              ولكن علينا أن نفهم.. وحتماً سيأتي اليوم الذي يتبين لنا فيه أن هؤلاء الناس الذين يقبضون على زمام السلطة الحقيقية في الولايات المتحدة يفضلون أن يتجنبوا الإعلانات والمظهريات تاركين لأتباعهم السياسيين المتخصصين في هذه المهمة بحكم تعليمهم وتدريبهم على الظهور والكلام والإقناع الجماهيري.. قد لا تكون سطوة ديفيد أو جون روكفلر على مستوى ما يظهر من نفوذ وسطوة رئيس الولايات المتحدة.. ولكن الرؤساء هناك عندهم (وليس عندنا) يظهرون ثم يختفون في بضع سنوات قليلة تتراوح بين أربعة إلى ثمانية سنوات بلا زيادة.. ثم يختفي الرئيس ويصبح شخصية عادية يأكل الطعام ويمشى في الأسواق مثل بقية البشر.. و إذا كان مرْضيّاً عنه قد يُنتدب لمهمة توفيقية أو استطلاعية إلى مواقع الاضطرابات في العالم مثل دارفور أو البوسنة لمدة محدودة ولغرض مرسوم، أما [الإمبراطور] روكفلر فهو باق خارج هذا المشهد السياسي الإنساني كله.. يبقى مراقباً محركًا للقوى الفاعلة من وراء حجاب...! ربما تذكر كتب التاريخ هؤلاء الرؤساء.. ويُقدم بعضهم للمحاكمات على خطاياهم وجرائمهم.. وبعضهم وربما أفضلهم يتم اغتياله ولا يعرف أحد بعد ذلك أبداً المجرم الحقيقي ولا من كان وراء جريمة الاغتيال.. ثم يكنس الزمن كل من سبق من الرؤساء فيخرجون من ذاكرة البشر بعد أن انتهت صلاحياتهم.. أما سلطة روكفلر فتنتقل من جيل إلى جيل مثل ألقاب النبالة.. وتصبح في حد ذاتها واقعاً أبديّاً حيّاً ونامياً حتى يرث الله الأرض ومن عليها...!

              (2) روشتة الطبيب:

              كما سبق أن رأينا كارتلة (روكفلر - فارْبـِن) أصبحت هي صاحبة السطوة الشاملة على صناعة الدواء.. وأصبح هذا الواقع يفرز لنا حقائق ثابتة على الأرض من أهمها وأخطرها انعدام المنافسة في الأسعار الاستهلاكية بين الأدوية الموصوفة.. ولم يعد هناك من منافسة سوى ما نشاهده من إعلانات لا سبيل للتحقّق من صحتها مثل: " لقد أثبتت المختبرات المعملية أن (باير) هو الأفضل".. أو أن "البحث العلمي قد أثبت أن ( أناسين) هو الأسرع مفعولاً"...إلخ. وعلى مر الأيام وصلت شركات صناعة الأدوية إلى اتفاقيات فيما بينها تقضى بأن تبقى كل شركة في حدود تخصصها الضيق وأن تمتنع عن محاولة المنافسة في السوق المستقر لمنافسيها الآخرين.. يعني صناعة منظمة ومهذبة وتحت سيطرة الكبار الأقوياء...!

              أحد أسباب انعدام المنافسة أن معظم الأدوية قد سجلت براءات اختراعها وأصبحت متاحة فقط عند منتِج أو صانع واحد.. أما السبب الآخر فهو أن الروشتة (الموصوفة) يصدرها طبيب.. أكبر همّه هو فاعلية الدواء أو كفاءته بصرف النظر عن ثمنه.. ومع ذلك فإن شركات الأدوية أصبحت تقذف في السوق بفيض من أصناف الأدوية حتى أن الطبيب لم يعد قادراً على التمييز بينها لمعرفة أكثرها كفاءة في العلاج.. وكل ما يعرفه أنه رأى إعلانات عن هذا الدواء أو ذاك في مجلة طبية.. أو أنه قد تسلم إعلاناً من ورق مصقول يحتوي على بعض المعلومات، من أحد مندوبي مبيعات شركات الأدوية.. أو أنه قد لاحظ بعض النجاح في استخدام هذا الدواء أو ذاك على بعض المرضى.. ولأنه (مجرد ممارس عام أو أخصائي أو حتى مستشار) وليس باحثاً، لا يمكن أن يقوم بتجارب محكمة لكي يتأكد بنفسه من الكفاءة النسبية للدواء الجديد مقارنة بالأدوية القديمة أو الأدوية المماثلة التي تنتجها شركات أخرى.. وكل ما يستطيع أن يعرفه أو يقرره هو: أن هذه الأدوية قد ساعدت بعض مرضاه على الشفاء.. وفي حالة ما إذا لم يأت الدواء بنتيجة سريعة فإن كل ما يفعله الطبيب هو أنه يصف دواء آخر للمريض على سبيل التجربة.. وبهذه الطريقة يضطر المريض لشراء أدوية عديدة من شركات مختلفة.. كل شركة تأخذ نصيبها من جيب المريض المسكين على أمل أن يجد الشفاء في واحد من هذه الأدوية المتعددة...

              عبّر عن هذه الحقيقة بصراحة جارحة دكتور "جورج بائير" في مؤتمر طبي عقد بجامعة هوبكنز قال : "كنت مستشاراً لسنوات طويلة لأطباء في عياداتهم الخاصة.. وقد لاحظت أن كثيراً من الأطباء سواء منهم الممارسين العامين أو الأخصائيين قد اعتادوا على التنقل المتكرر ( بدون ضرورة ظاهرة ) من دواء إلى دواء آخر في علاج مرضاهم.. وعرفت أن السبب في ذلك كان تأثرهم بالإعلانات والزيارات التي يقوم بها رجال التسويق التابعين لشركات الأدوية".. و إذا ذهبنا نفحص شعور الطبيب وهو يفعل هذا لوجدنا أنه لا يشعر بأن ما يفعله أمر غير لائق.. بل يشعر أنه إنما يفعل كل ما يستطيعه لمساعدة مريضه على الشفاء.. [ومع قليل من تحليل الموقف ستجد أن الطبيب في واقع الأمر يساعد مرضاه بما أخبره به الآخرون، وأعني بهم أصحاب المصلحة في تسويق الدواء بزعم أنهم يبيعون آخر ما توصّلت إليه الأبحاث في تكنولوجيا الأدوية].. وهنا يجب أن نتنبه إلى أن الطبيب ليس هو الذي يكسب من وراء كتابة الروشتة..!! فإذا مضينا أكثر قليلاً في تحليل الموقف لوجدنا الكاسب الأكبر هو شركات الأدوية الكبرى التي تحصد الملايين بل البلايين من الدولارات.. والطبيب إنما هو مجرد مروّج أو بائع بلا أجر.. مع أنه يقوم بخدمة حيوية لهذه الشركات لا يمكن الاستغناء عنها..

              (3) التعليم الطبيّ:

              تعلّم الطبيب على القيام بهذا الدور في كلية الطب وهو لا يزال طالباً يدرس.. تعلّم أداء هذه الخدمة بدون مقابل.. ففي مناهج التعليم بجميع كليات الطب الكبرى في أمريكا الطلاب معرضون لنوع من التدريب المكثف في استخدام الأدوية.. إنهم جميعاً يتعلمون ويتدربون لكي يستخدموا الأدوية الكيماوية كعلاج لجميع أمراض الإنسان باعتبارها الاختيار الأوحد.. والسؤال هنا: كيف استقرت جميع كليات الطب على تبني هذا المنهج الموحد في العلاج..؟؟

              هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه.. ولكن الإجابة ليست من السهولة والبساطة بحيث تقدم مباشرة بدون مقدمات.. لأنها حينئذ لن تكون مفهومة.. ولن تكون مفتاحاً لحل مشكلة بل يمكن أن تزيد المشكلة تعقيداً.. وإذا قلت لك إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا أن نفهم منظومة بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي؛ وأن نفهم قصة ضريبة الدخل والإعفاء الضريبي في الولايات المتحدة.. لو قلت لك إن هذه القضايا تضرب في صميم المشكلة التي نحن بصددها..! فماذا يكون رد الفعل عندك.."! لا أظن أن أحداً يمكن أن يمسك نفسه عن الدهشة والاستغراب وربما الاستنكار أيضاً.. وهو محقّ فيما يفعل.. فهذه مسائل مالية اقتصادية صرفة.. وقضيتنا هي قضية الطب والأطباء والعلاج و الاحتكارات الكبرى في الصناعات الدوائية.. يعني هذا مجال وذاك مجال آخر..! وأقول لك: لقد نسيت أنني أتحدث عن أمريكا.. وأمريكا هي بلاد العجائب.. هنا.. في هذه البلاد.. تلد العنقاء وتبيض وتفرخ.. وكل مستحيل آخر مما تتخيل ومما لا يستطيع خيالك أن يقبض عليه موجود هنا بزفرة خيالية..

              أقول لك: إن الذين صمموا هذه المنظومات المالية والضريبية لأمريكا وللشعب الأمريكي هم أصحاب التكتلات الاحتكارية في الصناعة والمال.. لخدمة مصالحهم الخاصة ولنهب ثروة أمريكا وثروة العالم.. ثم وضعت في الكونجرس ليوافق عليها.. ثم تقوم حكومات الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذها رغم أنف بعض كبار مفكريها من الآباء الأوائل ورؤساء الجمهورية.. بعض هؤلاء وربما أشهرهم في التاريخ الأمريكي دُبرت مؤامرات لقتلهم.. وبعضهم تم اغتياله بالفعل.. وكان آخرهم "جون فيتزجيرالد كنيدي"..

              ثم أضيف إن الذين صمموا هذه المنظومات المالية هم هم أنفسهم الذين صمموا مناهج الطب والعلاج في الولايات المتحدة.. والهدف (مرة أخرى) خدمة مصالح تكتلاتهم الاحتكارية في الصناعات الدوائية... وستعرف أن نظام ضرائب الدخل والإعفاء الضريبي تتداخل بشكل معقّد بمنظومة العلاج والطب في أمريكا.. فإذا عرفت تفاصيل ذلك كله لن تملك نفسك من الصياح ذهولاً: أي شيطان هذا الذي يدير هذه الشبكات الرهيبة.. ؟! وأي عقل هذا الذي يهيمن على كل تفصيلاتها ويقبض على ناصيتها بقبضة جهنمية...؟!

              أمس فقط شاهدت على التلفاز مقابلة مع مدير جمعية الطب الأمريكية يتحدث عن محاولة أوباما تغطية خمسين مليون أمريكي بالخدمة الصحية الشاملة على غرار ما كان متّبعاً في دول أوربية.. إنه يعارض هذا الاتجاه أو يقترح تدعيم العاجزين عن الحصول على العلاج لتكاليفه الباهظة بالمال.. بحجة أن يكون أمامهم اختيارات بديلة مع شركات التأمين الصحي.. والسر في الاعتراض أن هذا الرجل وأمثاله ممن يديرون الجمعيات والمؤسسات ذات البريق والهالات ليسو أكثر من وكلاء أو أتباع للقوى الاحتكارية في مجال الصناعات الدوائية والتأمين الصحي.. والمروّجين للمصالح الخاصة لهذه القوى.. وإن غلّّفوا تصريحاتهم بمزاعم الدفاع عن مصالح الجماهير...!

              إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

              تعليق


              • #8

                المؤسسات الخيرية مؤسسات تعرف بأسماء أصحابها مثل فورد وكارنيجي.. وغيرهما.. ولكني معني بمؤسسة روكفلر لأسباب ستتضح في سياق الكلام عن ارتباطها بالتوسع في دائرة التأثير السياسي والتأثير على المهن الطبية...

                بالنسبة لروكفلر لا أحد يعرف على وجه اليقين حجم الأموال والأصول التي تملكها هذه الأسرة.. إن ما يُعرف منها شطر ضئيل من جبل هائل جذوره ضاربة في الأرض وقمته في السماء – وحتى هذا الشطر الضئيل يتحايلون لكي لا تُدفع عنه الضرائب المستحقة للدولة.. ولكي يفعلوا هذا خصصوا أكثره لحساب المؤسسات الخيرية.. ولأنه مخصص لهذا الغرض هو معفي من الضرائب بحكم القانون الذي صنعوه هم ووافق عليه كبار الأثرياء..

                كنا نتصور أن الضرائب التصاعدية من شأنها أن تطال هؤلاء الناس لأنهم يمتلكون أعلى نسبة من الثروة الوطنية من 70 إلى 80 % على الأقل.. ولكنهم أفلتوا منها.. وتوقفت الضرائب في صعودها على عتبة هؤلاء الحيتان فمن يتحمل عبء هذه الضريبة القاصمة..؟! إنهم الطبقة المتوسطة من المهنيين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.. أما الأغنياء السوبر فقد تضاعفت ثرواتهم مع مرور السنوات والعقود وأخذت الفجوة تستفحل وتتسع بين من هم في القمة وبين من يعيشون في القاع وهم الأغلبية الساحقة من البشر.. ومرة أخرى كانت الحكومة هي الأداة التي استخدمت دائماً لمنع المنافسة والحفاظ على المصالح الاحتكارية..

                ولا ينبغي أن نقع في الخطأ فنقول: لعلها مجرد صدفة.. كلا.. بل هي مسألة مخططة بإحكام كما يشرح لنا "فرديناند لوندبيرج" فهو يرى أن معظم المنح و(الصدقات الجارية) تجري في اتجاه الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية.. يقول ليندبيرج: " الشرط الأساسي الذي لا بد من توفره لدى الذين يتلقون المال هو أن يكونوا مقبولين (فكرياً أو أيديولوجيّاً) من جانب الواهب المانح، ولدى المانح سجل لأولئك المؤهلين فكرياً للاستجابة لتوجهاته حتى ولو لم ينص عليها في عقود المنح.. بهذه الطريقة تصبح المؤسسة قادرة على التأثير على البحث العلمي وعلى كثير من السياسات الجامعية.. ويتضح هذا أكثر في اختيار الأشخاص.. وسنجد المؤسسة هي أكبر المدعمين لتطوير العلوم الطبيعية خصوصاً تلك التي يتوقع أن يكون لها عائد نافع في التطبيقات الصناعية التي تقع في إطار اهتمام أصحاب هذه المؤسسات..

                هذه مسألة لا تحتاج إلى كثير من تفكير أو ذكاء. فهي واضحة عند المانحين من أصحاب المؤسسة وعند الباحثين والمشرفين على هذه الأبحاث" اقرأ في هذه النقطة كتاب لوندبيرج: The Rich and the Super Rich..... وما ينطبق على البحوث العلمية والتكنولوجية في الجامعات ينطبق بنفس القدر على الأبحاث الحكومية ففي كلتا الحالتين سنجد أن مصالح شركات الأدوية هي المستفيد الأكبر تجارياً من برامج هذه البحوث.. وهي بحوث لا تنفق عليها المؤسسة منفردة بل تمتص في نفقاتها (جزئياً أو كلياً ) دولارات دافعي الضرائب..

                وقد عبر عن هذه الحقيقة إحصائياً وبدقة دكتور "فرانك راوْشر" مدير "المعهد القومي لبحوث السرطان " الذي قال إننا نختبر سنوياً 30 ألف مركب دوائي جديد.. ومعنى هذا أننا ندفع من أموال الضرائب الحكومية بمعدل عشرة مليون دولار على كل دواء نقوم باختبار فاعليته على الحيوان.. وتقوم كثرة من مراكز البحوث في الجامعات وغيرها بتلقي مساعدات مالية كبيرة من شركات الأدوية الكبرى.. والباحثون إذ يقومون بأبحاثهم يطلب منهم ماذا ينبغي أن يفعلوه وماذا لا ينبغي أن يفعلوه.. فهم يعلمون ضمناً أن أبحاثهم ونتائجها يجب أن تصب في مصالح واهتمامات وتوجهات هذه الشركات الدوائية التجارية وإلا فهم يعلمون أن أسماءهم ستحذف من قوائم المنح المالية عندما يحين موعد توزيعها..!

                وقد تقع أحياناً مصادمات تظهر على سطح الأحداث.. وهناك مثال مشهور في هذا المجال.. فقد منحت مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي 15 ألف دولار للإنفاق على أحد البحوث، فلما رأت أن اتجاهات البحث تذهب عكس ما ترغب أعلنت غضبها وهددت بسحب المنحة إذا لم يتوقف المشروع فوراً أو إعادة نقودها...!

                في هذا العالم فقد البحث العلمي (على الأخص في مجال ألأدوية) موضوعيته ومصداقيته.. ومن لا يزال عندنا يعتقد بغير ذلك فهو واهم...!

                وانظر إلى الآثار العلمية المدمرة لهذا الاتجاه في مثال آخر بجامعة هارفارد الشهيرة عالمياً فقد تحول قسم التغذية بالجامعة إلى قسم للعلاقات العامة للمؤسسة العامة للأغذية General Food Corporation (وهي مؤسسة تابعة للقطاع الخاص).. كان رئيس هذا القسم لسنوات عدة هو بروفسور "ستير" Stare .. وكان مشهوراً في دوائر الصحة الغذائية باسم" بروفسور كورنفليكس".. دائم الهجوم على أي رأي يقول إن هذه الأطعمة المجهزة للسوبر ماركت قد أضيف إليها كيماويات حافظة وملونة لا يمكن أن تكون مثل الأطعمة الطازجة المنتجة في المزارع العضوية.. وكانت له عبارة مشهورة تتردد على لسانه تعليقاً على هذه الآراء دائماً :"هذا كلام زبالة..! ونصب غذائي لا يستند إلى أساس علمي.. !!" و كان من بين من هاجمهم دكتور "كارلتون فريدريك" لدعمه (فيتامين بي6) إذ تحداه أن يبرز له أي دليل محترم يعزز دعواه أو يثبت قيمته.. وكان رد دكتور "كارلتون فريدريك" مفاجأة إذ أرسل إليه تقريراً علمياً عن فيتامين بي 6 نشر قبل عدة سنوات من أبحاث دكتور ستير نفسه.. ولكن قبل أن يدخل تحت عباءة هارفارد والمؤسسة الغذائية التي تنفق عليه الأموال الطائلة...!

                أما عمر جاريسون Omar Garisson فيتعمق في القضية أبعد من هذا ليكشف عن جذور هذه الظاهرة وكيف ظهرت إلى الوجود قال: " إن دكتور ستير هو عضو مجلس إدارة شركة لتعليب الأطعمة وإن قسمه بجامعة هارفارد يتلقى أموالاً طائلة لحساب أبحاثه في هذه الشركة.. وقد أعلن رئيس جامعة هارفارد سنة 1960 عن منحة قيمتها مليون و26 ألف دولار من مؤسسة "جنرال فود كوربوريشن" لاستخدامها على مدى عشر سنوات في توسيع معامل بحوث الأغذية بالجامعة حيث يعمل دكتور ستير.. والسؤال هو: هل في الإمكان أن يبقى البحث العلمي موضوعياً غير منحاز بولائه إذا كان يعتمد على منح سخية من شركة تجارية لتصنيع الأغذية.. يتوقف مركزها التجاري وسمعتها في الأسواق على ما ينتجه هذا المركز من أبحاث..؟!

                كيف امتد تأثير المؤسسات التجارية إلى المهن الطبية..؟

                هناك دراسة هامة قام بها جوزيف جولدن للمؤسسات الخيرية الأمريكية أودعها في كتاب له بعنوان: The Money Givers (المانحون للمال ).. يصف فيه كيف امتدت سيطرة هذه المؤسسات إلى المهن الطبية يقول فيه: أنفقت مؤسسة فورد سنة 1950 ثلث بليون دولار على كليتي الطب وعلى المستشفيات وعلى جمعيات الأطباء.. قدمت كمنح إنشائية ونفقات على البحوث الطبية..

                وقد تبين أن هذه المؤسسات الخيرية تسعى لتحقيق غرضين: 1- توسيع مجال وسطوة التكتلات الاحتكارية ومضاعفة أرباحها.. 2- توسيع حجم تغلغل الحكومات في السيطرة على المهن الطبية لتساعد بالرقابة والقوانين على القضاء على المنافسات..

                ويلاحظ أن المنح التي تقدمها هذه المؤسسات تنتشر على مساحة واسعة من الفئات ومختلف التخصصات فهي تذهب إلى أكاديميين وباحثين وإلى معاهد علمية وتعليمية، وإلى أدباء وكنائس ومسارح وإلى منظمات ذات تأثير جماهيري وإلى شعراء.. وقدمت لمن هو في السلطة ومن هو في المعارضة؛ وإلى الوسط المعتدل؛ وإلى المتطرفين المحبّذين للانقلابات ضد الحكومات، وقدمت للجمهوريين والديمقراطيين على السواء، للمناضلين وأنصار السلام وللشيوعيين والاشتراكيين... هذا التنوع الهائل أربك الدارسين المراقين.. وجعل الأمر يختلط عليهم فأصدروا على هذه المؤسسات أحكاماً متناقضة فبعضهم رأى أن هذه المؤسسات لا تحسن الاختيار وبعضهم قال: إنها لا تميز في منحها، أو أنها تؤكد وتشجع فكرة الديمقراطية التي تضم مختلف الاتجاهات.. ولكن الذي يمعن النظر في هذه العملية سوف يدرك أن الأمر المشترك بين هؤلاء جميعاً أنهم يروجون لفكرة سيطرة الحكومات وإلى الاتجاهات الاشتراكية تحت شعار مصلحة الجماهير الواسعة.. وهناك أمثلة لا حصر لها في هذا المجال فمثلاً: ساد في بريطانيا والسويد نظم اشتراكية في العلاج.. وقد حدث أن هذا النظام في حد ذاته يتسم بإسراف شديد في استخدام الأدوية من جانب المرضى ومن جانب الأطباء.. ولكن المهم أن الذي يحصد الأرباح في النهاية شركات الأدوية..

                مؤسسة فرانكلين للأعمال الخيرية :

                دخول فرانكلين في مجال المؤسسات الخيرية يمثل الأهمية الكبرى في هذه الدراسة فقد قامت فرانكلين بالدور الأكبر والأساس في تشكيل المهن الطبية بالولايات المتحدة.. وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي التقاط جون دي روكفلر لشخصية لمح فيها عبقرية من نوع خاص ذلك هو " إيفي لي Ivy Lee خبير العلاقات العامة في إحدى شركاته.. فقد نجح في تحسين صورة جون دي روكفلر الذي كان مشتهراً بجشعه وقسوته وتصلب شخصيته.. حيث نصحه "إيفي لي" أن يتنازل عن نسبة ضئيلة من ثروته كل سنة يوزعها على شكل هدايا ومنح للمستشفيات والمكتبات والمدارس والكنائس وغيرها من الأعمال الخيرية.. وذلك في إطار محسوب بدقة قدّر فيها " لي " العوائد المالية التي يمكن اكتسابها من هذه العمليات الخيرية.. اقترح عليه كذلك أن يقيم مبنى ضخماً يسمى باسمه كشاهد على دوام كرمه وحبه للخير العام.. ولكي يحظى بتغطية إعلامية دائمة نصح روكفلر بأن يحمل معه دائماً كميات من العملات المعدنية الجديدة اللامعة قيمتها عشر سنتات في كل المناسبات الاحتفالية التي يظهر فيها ويوزعها على جميع الصبيان الذين يحضرون الحفل.. بهذه الطريقة ابتدأ الناس تدريجياً ينسون شهرة جون دي روكفلر التي ورثها من أبيه الموصوم بالمكر والقسوة وجفاف العاطفة ليصبح في نظرهم الرجل الخير المحب للأطفال..

                ونواصل الحديث في حلقة لاحقة بمشيئة الله..
                إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                تعليق


                • #9
                  رأينا في مقالة سابقة كيف امتد تأثير التكتلات التجارية والصناعية إلى المهن الطبية عن طريق مؤسساتها الموصوفة بالخيرية.. وألمحنا في هذا السياق إلى دراسة هامة قام بها جوزيف جولدن في كتاب له بعنوان (المانحون للمال The Money Givers) وقد وعدت بمواصلة الموضوع في مقالة لاحقة.. وهذه هي اللاحقة: استطاع جون دي روكفلر (مؤسس إمبراطورية روكفلر) أن يكسب قلب قسيس كنيسة البابتيست عندما تبرع بستمائة ألف دولار فقط لجامعة شيكاغو، فأثنى على روكفلر من فوق منبر الكنيسة ووصفه بالمنقذ الذي أرسله الرب إلى الولاية في الوقت المناسب.. ولكن روكفلر لم يكن ليعبأ بهذا الثناء من رجل دين.. ما لم يتلو هذا اكتساحه للجامعة، وهذا ما حدث بالفعل فقد تمكّن روكفلر بهذه المنحة من السيطرة على الجامعة كله .. إذ استطاع أن يفرض مرشحه دكتور وليام هاربر رئيساً لها.. وخلال عامين من رئاسة الرجل المختار تطهّر كل أعضاء هيئة التدريس بالجامعة من أفكارهم السابقة عن روكفلر (الخبيث الخسيس) ليصبح المخلّص المبارك: مثلاً أستاذ في الأدب وأستاذ آخر في الاقتصاد أعلنا معاً: أن روكفلر في عبقريته الخلاقة كان أعظم من شكسبير وهوميروس ودانتي أليجْييري.. وعلى عكسهما كان بروفيسور بيميس الذي استمر على رأيه السلبي في روكفلر فنال عقابه الفوري بالطرد من هيئة التدريس بحجة (عدم الكفاءة).. ولم تُـثْنه هذه العقوبة الظالمة عن موقفه فكرر نقده على الملأ في مظاهرة لعمال شركة بولمان سنة 1894. بعدها غاب في عالم النسيان، لنفس السبب طرد رئيس جامعة سيراكيوز محاضراً في الاقتصاد عنده اسمه جون كومانز.. [ المال هناك والسلطة هنا يفسدان الجامعات ورؤساء الجامعات].

                  لكن في سنة 1953حدث تطور هام، إذ أثار بعض النواب الأحرار في الكونجرس شكوى ضد تصرفات المؤسسات الخيرية الكبرى واستغلالها الإعفاء الضريبي في غير موضعه، فأسند الكونجرس إلى سناتور (بي.كارول ريس) مهمة إنشاء لجنة تحقيق في أوضاع هذه المؤسسات.. ولأن أصحاب هذه المؤسسات يرفضون تعريتها والكشف عن حقيقة أهدافها أمام الرأي العام الأمريكي تولى أصدقاؤهم من كبار رجال السياسة في الحكومة المهمة القذرة بتعويق عمل اللجنة ووضع العراقيل أمامها، مما اضطر سناتور ريس أن يعلن فضّ اللجنة بعد أن قطعت شوطاً طويلاً في تحقيقاتها.. ولأن التستر على الجرائم الكبرى لا يكتمل أبداً، فقد تسربت من التحقيقات وقائع مذهلة.. كان يراد طمسها أو التعتيم عليها، كاشف هذه الحقائق هو نورمان دَدْ Norman Dud. .. الذي كان رئيساً لفريق البحث وأكثر الخبراء معرفة بأسرار هذه المؤسسات.. أدلى بشهادته أمام اللجنة مؤكداً فيها أن النظام التعليمي ابتداء من المرحلة الثانوية حتى نهاية التعليم الجامعي خاضع في حقيقة الأمر لتوجيهات أناس ليس لهم أي معرفة بالتعليم أو التربية.. وأن أكبر همهم هو أن يخضع الطلاب لمناهج تعليم تضيّق آفاقهم المعرفية بحيث يصبحون ببغاوات تردد أهداف هذه المؤسسات.. ويدينون بالولاء لأصحابها..

                  وفي محاولة للاستفادة بعبقرية فريد جيتس (الذي سبق الإشارة إليه) سعى روكفلر بوعي ومنهجية لفرض سيطرته على التعليم الأمريكي وعلى الأخص التعليم الطبي.. وقد بدأت هذه العملية سنة 1901 بإنشاء معهد روكفلر للبحوث الطبية، الذي كان يضم في مجلس إدارته أسماء طبية ذات توجّهات سياسية معيّنة من أمثال الدكاترة: إل إم. هولت و وكريستيان هرتر و تي.ميتشل برودن وهرمان إم . بريجز و وليام إتش ولش و ثيوبولد سميث و سيمون فليكسنر.. كان دكتور هرتر بالذات يُعدّ للقيام بمهام خاصة لحساب أسرة روكفلر.. و(بقدرة قادر) أصبح وزيراً لخارجية أمريكا.. أما سيمون فليكسنر فقد كان مهيئاً لمهمة أكبر وإن لم يشتهر اسمه كما اشتهر هرتر.. ولكنه مع أخوه أبراهام فليكسنر الذي كان يعمل في مؤسسة كارنيجي للتقدم التعليمي.. (ستلاحظ أن مؤسستي روكفلر وكارنيجي تعملان معاً كمؤسسة واحدة ذات أهداف مشتركة).. والمهم أنه بفضل الأخوين فليكسنر أصبح كارنيجي وروكفلر في بؤرة اهتمام المهن الطبية..

                  وإليك القصة: قبل عام 1910 (في الولايات المتحدة) كان يمكن الحصول على شهادة تأهيل طبي بالمراسلة.. يعني تذاكر في البيت وتمر في امتحانات ضمن إطار نظام تعليمي [سايب..] بلا ضوابط.. وتحت إشراف أعضاء هيئات تدريس عددهم قليل ومؤهلاتهم ضعيفة.. وباختصار كانت المهنة الطبية تعاني.. وكانت سمعتها سيئة لدى الرأي العام الأمريكي وتحتاج إلى عملية إصلاح وتغيير.. استشعرت الجمعية الطبية الأمريكية سوء الوضع وبدأت بالفعل تبذل محاولات لتنظيف بيتها.. فأنشأت مجلساً للنظر في أوضاع التعليم الطبي، ووضع اقتراحات بشأن إصلاحه.. ولكن شهد عام 1908 توتراً بين أعضاء المجلس بسبب اختلافات في وجهات النظر ولسبب آخر أهم هو نقص التمويل اللازم للبحث.. وقد خلق هذا الوضع فراغاً ملحوظاً.. وهنا سارع كل من كارنيجي وروكفلر بجهد موحد لاختراق الموقف في الوقت المناسب.. حيث تقدم (هنري إس. بريتشت) رئيس مؤسسة كارنيجي باستراتيجية محكمة إلى الجمعية الطبية الأمريكية وتطوع بأن يتولى المشروع برمّته بما في ذلك التكاليف المالية.. ويسجل مجلس الجمعية الطبية في اجتماعه بنيويورك في ديسمبر سنة 1908 التقرير التالي "في الساعة الواحدة بعد الظهر انعقد مؤتمر غير رسمي مع الرئيس بريتشت وأبراهام فليكسنر من مؤسسة كارنيجي.. وكان مستر بريتشت قد أعلن من قبل في مكاتباته للجمعية عن استعداد المؤسسة للتعاون مع المجلس في دراسة أوضاع التعليم بكليات الطب.. وقد شرح لنا أن المؤسسة مستعدة للقيام بمهمة دراسة جميع المهن: القانونية والطبية واللاهوتية [ لاحظ أن فكرة الزحف على جميع فروع العلم والتعليم فكرة راسخة في مخططات المؤسسة].. وقد وافق المجلس على الفكرة بعد مناقشتها تفصيلياً بين أعضاء المجلس.. على أن تقوم المؤسسة ببحث الأوضاع تحت توجيهاته حتى نتفادى إدعاءات التحيّز المتوقعة.. بهذه الطريقة يكون للتقرير وزن محترم بوجود هيئة محايدة وسيكون له بذلك شهرة على أوسع نطاق.." وهكذا كانت بداية اختطاف التعليم الطبيّ في الولايات المتحدة ليستقر في حجر الأم الحنون مؤسسة روكفلر/ كارنيجي الخيرية..

                  وفي التصريح التالي لواحد من كبار مخططي المؤسسة في نشر سيطرتها على مجالات أخرى من التعليم (هو التعليم الفني الحرفي) تتجلى عقيدة المؤسسة الخيرية في مجال التطبيق حيث يقول: "لدينا موارد كثيرة لا حصر لها ولدينا أحلام نريد أن نحققها.. نريد أن نرى الناس مستسلمين لنا خاضعين بأدب ورضا.. نحن لا نعبأ بالتقاليد التعليمية فقد تلاشت من ذاكرتنا .. فنحن نُعمل إرادتنا الخيّرة على أناسٍِ شاكرين حامدين مستجيبين كما الفلاحين البسطاء.. نحن لا نريد أن نجعل من هذه الطبقة من الناس ولا من أبنائهم وبناتهم فلاسفة يجهدون عقولهم في التفكير والعلوم.. لا نريد أن نخلق منهم مؤلفين وكُتّاب أو محرري صحف أو شعراء أو أدباء ولا نبحث فيهم عن فنّانين أو موسيقيين عظام.. ولا محامين وأطباء.. ولا دعاة دينيين ولا رجال سياسة ورجال دولة.. فمن هذه الأصناف لدينا إمدادات كثيرة تمتلئ بهم الساحة.. إن المهمة التي وضعناها لأنفسنا مهمة غاية في البساطة.. كما أنها مهمة جميلة جداً..! إنها تعليم وتدريب هؤلاء الناس كما وجدناهم في إطار طبقتهم وأوضاعهم والحرف التي تسود في مجتمعاتهم.. لسوف ننظم أطفالنا هؤلاء ونعلمهم وندربهم لكي يقوموا بنفس الأعمال والحرف التي يعمل فيها آباؤهم وأمهاتهم ولكن بطريقة أكثر كفاءة وإتقاناً.. في البيوت والدكاكين والمزارع..." اقرأ في هذا إن شئت: (Occasional Paper no.1 General Education Board 1904)..

                  إن جون دي روكفلر في مسيرة حياته كلها كان شديد الحماسة والحرص على مبدأ الكفاءة.. لا في مشروعاته التجارية والصناعية فحسب ولكن أيضاً في إدارة أموال مؤسساته الخيرية.. ومصطلح" الكفاءة" عنده يعني شيئاً أكثر من مجرد اجتناب العادم في الموارد حيث يشمل أيضاً وبصفة جوهرية: إنفاق المال الخيري بطريقة تستهدف مضاعفة العائد من الأرباح في أعماله الصناعية والتجارية.. ذلك لأن مشروعات روكفلر الخيرية ليس مقصوداً بها خدمة الناس.. إنما المقصود بها في النهاية مضاعفة أرباحه وأمواله في التجارة والصناعة..

                  ولا يقتصر هذا الاتجاه على روكفلر فحسب بل ينطبق أيضاً على كل المؤسسات الخيرية التي تنبثق أصلاً من شركات صناعية ومؤسسات مالية مثل فورد وكارنيجي وغيرهما.. لذلك من حقنا أن نتشكك وأن نفحص حقيقة الأهداف المستترة وراء المشروعات التي تقدّم إلينا في ثوب أعمال ثقافية أو خيرية مصحوبة بتبرّعات مالية سخية واستشارات مجانية.. لأن هذه المشروعات ليست خالصة لوجه الله..! وإنما يُقصد بها في النهاية خدمة مصالح الجهات التي تقدّمها.. وهذا موضوع كبير يحتاج إلى شرح طويل.. وما يحدث هناك له انعكاساته وامتداداته هنا..

                  وإليك مثل واحد لمزيد من الإيضاح.. كيف يتم السطو على الجمعية الثقافية أو الخيرية التي تخترقها المؤسسة: " جمعية نيويورك لمرضى السل (الدّرَنْ الرئوي).. أنشأها مجموعة من الأطباء في محاولة للقضاء على هذا المرض اللعين.. ولكن سرعان ما سقطت في شبكة مؤسسة روكفلر العنكبوتية.. اخترقتها في أول الأمر بتبرّعاتها السخية.. و لكن سرعان ما أصبحت تحت سيطرتها الكاملة.. فوضعت فيها أسماء مجهولة يحمل أصحابها صفة أخصائيين اجتماعيين.. بحجة البحث والتدقيق في الحالات التي تستحق العلاج والمعونة.. اشتهر منهم واحد باسم هاري هوبكنز الذي استطاع بمهارته التسويقية أن يوسع دائرة الجمعية لتصبح على مستوى عالمي.. وقد رأيناها بعد سنة 1920 تجمع من المتبرعين ملايين الدولارات كل عام.. وأصبح رأسمال الجمعية الأكبر يأتي من تبرعات لرجال أعمال صغار ومن فئات الجمهور الواسع.. استطاعت مؤسسة روكفلر [الخيرية] بأصابعها الذكية أن تدير هذه الأموال ب(رموت كنترول).. ولقد اتضح من تحقيقات أجريت بعد ذلك أن معظم هذه الأموال كانت تُنفق على مرتبات العاملين فيها ومكافأتهم وعلى هدايا لشخصيات ذات نفوذ في المجتمع والإدارات الحكومية وكان هذا هو عنوان فضيحة تفجرت سنة 1932..

                  وتُصوّر هذه القصة أسلوب مؤسسة روكفلر في الزحف على الجمعيات الخيرية الأمريكية ووضعها تحت السيطرة وتوجيهها لتحقيق أهدافها التجارية ومصالحها الصناعية ونفوذها في المجتمع الأمريكي.. نفس هذه القصة تتكرر مع جمعية القلب الأمريكية وجمعية مرضى السكري وجمعية مكافحة العمى.. وغيرها من الجمعيات الأهلية في الولايات المتحدة وخارجها.. ولكن الجمعية الأمريكية للسرطان تحظى من روكفلر بعناية خاصة: فقد تأسست هذه الجمعية سنة 1913 في نادي هارفارد بنيويورك.. وفي السنوات اللاحقة أصبحت توجّهاتها تتقرر تحت سلطة شخصيات معروفة شكلت مجلس إدارتها.. كلهم يمثلون شركات كبرى هي التي تحدد بأي دواء يعالج مرضى السرطان في العالم وأي دواء آخر ينبغي منعه ومعاقبة أصحابه حتى يكونوا عبرة لمن تسوّل له نفسه أن يقتحم مجال الدواء والعلاج في أخطر مرض يواجه الإنسان في هذا العصر.. ولتظل أرباحه الهائلة حكراً على هذه الشركات...

                  وللحديث بقية.. بمشيئة الله نحاول المتابعة..
                  إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                  تعليق


                  • #10

                    تأثير لا نظير له:


                    في الولايات المتحدة مؤسستان لهما تأثير خطير على الطبيب الأمريكي وعلى مهنة الطب والعلاج، وهما: الجمعية الطبية الأمريكية وإدارة (أو وكالة) الأغذية والأدوية.. وفي هذه المقالة أتناول بشيء من التفصيل تأثير الجمعية الطبية الأمريكية (AMA) لعلنا نتبيّن مداه وعمقه في التعليم الطبي وفي مهنة الطبيب وممارساته العلاجية:
                    1- لا يستطيع طالب الطب أن يحصل على الدرجة العلمية التي تؤهله لممارسة الطب إلا من كلية معترف بها من الجمعية الطبية الأمريكية..
                    2- ولا يستطيع أن يمارس تدريبه العملي إلا في مستشفى تخضع في مواصفاتها لمعايير الجمعية..
                    3- إذا اعتزم الطبيب أن يصبح أخصائياً في فرع من فروع الطب فلابد أن يكون ذلك طبقاً للمعايير التي تقررها الجمعية..
                    4- وعندما يتخرج فإنه لا يستطيع ممارسة المهنة إلا بترخيص يصدر من الجهة الحكومية المختصة.. ولكن طبقاً للقوانين التي صنعتها..

                    علاوة على ذلك كله تقوم الجمعية بدور الأم الحاضنة والمسيطرة على الطبيب خلال رحلة طويلة من التعليم المستمر لا تتوقف حتى يتخلى الطبيب عن المهنة أو يتوفاه الله، ونتبين ذلك خلال النشاطات التالية: نشر المقالات العلمية في مجلتها، التي تنشر أيضاً نتائج الأبحاث، وعروض الكتب الجديدة وملخصاتها، وباب سؤال وجواب في مناقشات حول المشاكل الإكلينيكية، وتقييم الأدوية الجديدة والمعدّات الطبية، وباب خطابات إلى رئيس التحرير.. وغير ذلك من مئات المسائل التي يرغب الطبيب في التعرف عليها وترضي فكره وتشبع حبه للاستطلاع في كل ما يتعلق بمهنته وممارساته الطبية.. يضاف إلى هذا كله: المؤتمر السنوي الذي تعقده الجمعية لأعضائها لمدة أسبوع كامل مليء بالمحاضرات والمعارض والعروض الوثائقية.. وأفلام يحصل عليها الطبيب ليشاهدها في بيته.. مع هدية مجانية عبارة عن حقيبة مليئة بعشرات النشرات والكتب وعينات أدوية.. كلها هدايا من شركات الأدوية..
                    في كتاب نقدي لريتشارد كارتر بعنوان "عمل الطبيب": Richard Carter. The Doctor"s Business, N, Y.: Doubleday, 1958. يقول فيه: "على المستوى القومي تمدّ الجمعية سلطانها أبعد كثيراً من كليات الطب كوصية وراعية للمقاييس المعيارية الطبية: فهي التي تقوم بتحديد صلاحية المستشفيات لتدريب الأطباء الجدد.. وتقدم نصائح واجبة التنفيذ في برامج تدريب الفنيين والممرضات، ولها تأثيرها الفعال في تمرير قوانين تتعلق بالأغذية والأدوية، وفضح العلاجات التي تعتبرها غير علمية، ومحاربة عمليات النصب والغش العلاجي".

                    وتنفق الجمعية الطبية ملايين الدولارات كل عام على برامج متلفزة للتأثير على الرأي العام لتظل واحدة من أغنى اللوبيات وأكثرها أثراً في واشنطون.. بل إنها تنفق ملايين الدولارات لدعم المرشحين السياسيين الذين تفضلهم ولها اليد الطولي في اختيار رئيس مجلس إدارة وكالة الأغذية والأدوية.. إنها باختصار أكبر قوة مؤثرة على الطبّ في الولايات المتحدة..

                    والسؤال الآن هو: من الذي يسيطر على جمعية الطب الأمريكية..؟!

                    سوف يفترض كثير من الناس أنه من المنطقي والطبيعي أن يكون من يسيطر على هذه الجمعية هم أعضاؤها من الأطباء الذين يدفعون اشتراكاتهم السنوية للجمعية بانتظام.. ولكن ليس هناك أبعد عن الصحة من هذا الافتراض..!! فمن الذي يسيطر إذن على هذه الجمعية ..!؟ لكي نعرف الإجابة على هذا السؤال لا بد من الرجوع قليلاً إلى الوراء لنرى كيف نشأت هذه الجمعية وكيف تطورت..؟

                    لقد تأسست الجمعية الطبية سنة 1847 بجهد ثلاثة من الرجال هم: دكتور جورج سيمونز، ودكتور جي. إن. ماكورماك ودكتور ريد.. كان دكتور سيمونز هو القوة الدافعة وراء الجمعية في أيامها الأولى باعتباره المدير العام.. رغم أنه لم ينتظم في دراسة الطب بشكل أكاديمي في معهد رسمي وإنما استطاع أن يحصل على درجة طبية بالمراسلة وكان هذا ممكناً في ذلك الزمن.. كما أنه (بصفة عامة) ليس من الضروري أن يكون الإنسان طبيباً ليدير جمعية طبية أو غيرها.. والحقيقة أنه لا يوجد طبيب ناجح في مهنته يمكن أن يضحي بوقته ومهنته للتفرغ لإدارة جمعية.. فمثل هذا الطبيب سوف ينأى بنفسه عن هذا العمل ويتركه لمن يجيد اللعبة السياسية.. فرئيس الجمعية- في واقع الأمر- ليس له عمل حقيقي سوى السفر إلى الولايات المختلفة ليشرح سياسية الجمعية ووظائفها وإنجازاتها.. والحقيقة أنه رجل مستأجر يمكن أن يأتي من خارج الجمعية، وهو في هذه الحالة ليس مستأجراً من قبل الأطباء بل من جهة أخرى قد لا تخطر على بال أحد ولعلنا نتطرق إلى هذه النقطة في سياقها.. والمهم هنا أن نعلم أنه لا سلطان عليه من ناحية الجمعية (من حيث هي محصلة الإرادة الجامعة للأطباء).. بل هو الذي يسيطر على الجمعية، فهو الذي يعيّن أعضاء مجلس إدارتها.. في نظام ديكتاتوري مفروض على الأعضاء وإن احتفظ بمظهر ديمقراطي صوري يتمثل في اجتماعين سنويين للجمعية العمومية.. حيث يُدْعون لمناقشة مشكلات ثانوية لا تأثير لها على السياسة العامة للجمعية.. ولا تغيّر شيئاً من مهمتها الأساسية التي خُلقت من أجلها وهي خدمة المصالح المالية الاحتكارية لشركات الأدوية..

                    أبرز مصدر لتمويل الجمعية يأتي من ناحية مجلتها الشهرية.. كان الاشتراك السنوي فيها لا يزيد عن خمس دولارات في وقت من الأوقات" ولكن الأهم من الاشتراك السنوي هو الإعلانات التي تدرّ عليها ملايين الدولارات.. فمن الذي يعلن فيها..؟ إنها شركات الأدوية..! ورئيس تحرير المجلة هو في نفس الوقت رئيس الجمعية الطبية وهو الوسيط بين شركات الأدوية المموّلة وبين الجمعية.. إنه هو الذي يجمع الأموال وهو الذي يتصرف في وجوه إنفاقها وهو الذي يوظّف مدّخراتها ويأتي بالأرباح والمكاسب الطائلة والجميع سعيد وشاكر لجهوده وأفضاله..!

                    الجمعية الطبية الأمريكية إذن من هذا الموقع ذي الهيمنة الشاملة والنافذة على المهنة الطبية في الولايات المتحدة وبنفوذها في صميم السلطة السياسية" وبالدعم اللامحدود من جانب احتكارات صناعة الأدوية.. بهذه الأبعاد في الاعتبار نستطيع أن ندرك كيف كان نفوذها وتأثيرها على الرأي العام عندما انفجرت مشكلة استخدام فيتامين بي 17 في علاج السرطان (كعلاج منافس للعلاجات التقليدية).. إذ قامت المجلة بشن حملة مكثفة واسعة النطاق على هذا التوجّه ووصفته بالدجل والشعوذة، ووصمت الأطباء الذين يقومون به بأشنع الأوصاف، ولم يكن ذلك الموقف إلا خدمة لمصالح شركات الأدوية الكيماوية التي هي المصدر الأساسي لتمويل جمعية الأطباء وتمويل مجلتها الشهرية.. فهناك التحام مصالح بين الجمعية وبين قوة ومكاسب وثراء شركات الأدوية...!

                    دراسة كاشفة:

                    في سنة 1972 ظهرت دراسة تقييمية لمجلس بحوث الأدوية (التابع للجمعية) ، استغرقت وقتاً طويلاً بعيداً عن الأضواء.. فلما أُعلنت نتائجها أحدثت دوياً هائلاً يشبه انفجار قنبلة في الأوساط الطبية والدوائية.. فقد جاء بتقرير هذه الدراسة أن بعض أكثر الأدوية استخداماً على رفوف الصيدليات ليس له أي قيمة علاجية.. ولا يصحّ وصفها للمرضى بأي حال لأنه لا يصح وصف دواء للمريض تأثيره العلاجي معدوم.. بحيث يعيش على وهم بشفاء لن يتحقق، ويُحرم في نفس الوقت من العلاج الفعال.. ولما طُلب من رئيس اللجنة ووكيلها للمثول أمام اللجنة الطبية بالكونجرس للإدلاء بشهادتهما في الموضوع، أعلنا في هذه الشهادة أن الدخل المالي الكبير للجمعية الطبية الأمريكية يأتي إليها من شركات الأدوية مما جعل الجمعية أسيرة لهذه الشركات بل ذراعاً خادماً لمصالحها التجارية...!! فماذا كان رد فعل الجمعية المحترمة..؟

                    قامت بإلغاء مجلس الأدوية وإحالة الخبراء فيه إلى الاستيداع.. وكان السبب المعلن عن الاستغناء عن خدماتهم هو أنها مجرد عملية اقتصادية بحتة لتوفير نفقات الجمعية لخدمة أغراض أكثر أهمية..!

                    مزيد من إخضاع الأطباء:

                    لم يتوقف سلوك الجمعية عند هذا الحد بل سعت سعياً حثيثاً لإحكام قبضتها (وبالتبعية قبضة شركات الأدوية) على المهن الطبية فصمّمت مشروع قانون جديد عُرض على الكونجرس فوافق عليه وصدق عليه الرئيس ريتشارد نيكسون في 30 أكتوبر 1972.. يخوّل هذا القانون لوزارات الصحة والتعليم والشئون الاجتماعية إنشاء سلسلة من المجالس في الولايات الأمريكية بغرض مراجعة وتفتيش النشاطات المهنية لجميع الأطباء، أما الذين يقومون بالتفتيش فيتم تعيينهم من قبل الحكومة الفدرالية.. وعلى جميع الأطباء أن يطبّقوا في ممارساتهم المهنية والعلاجية التوجيهات والمعايير الحكومية التي هي معايير وتوجيهات الجمعية الطبية.. وعليهم أن يسمحوا للمفتشين بالاطلاع على العلاجات وتقارير المرضى والأدوية الموصوفة لهم.. ومن لا ينصاع من الأطباء لهذه الحملات التفتيشية تُلغى تصاريحهم لممارسة المهنة.. كل هذه الإجراءات والاحتياطات لم تكن لوجه الله ولا لمصلحة المرضى إنما كانت سيفاً مسلطاً على رقبة الأطباء لكي لا يخرجوا عن بروتوكولات العلاج التي صممتها شركات الأدوية.. ولا يجربوا في علاجاتهم أي أدوية أخرى بديلة.. فبحكم هذا القانون أصبح هذا جريمة يعاقب عليها القانون..!

                    الأعجب من كل ذلك أن هذا القانون الذي يمسّ مصير الأطباء ويدخل في صميم مهنتهم ويتحكم في حريتهم واجتهاداتهم العلاجية لم تتم مناقشته في جمعيتهم العمومية.. ولم يُطلب منهم حتى الإدلاء بآرائهم أو اقتراح تعديلاتهم عليه، وإنما فُرض عليهم فرضاً.. ولم يُسمح بعد ذلك للأطباء بنشر أي تعليق أو إبداء أي رأي مخالف في مجلتهم الطبية.. ذلك لأنه إذا كان الأمر متصلاً بمصالح الشركات الاحتكارية فعلى الديمقراطية الأمريكية أن تخرس وأن يدفن أصحاب الرأي الآخر آراءهم في التراب...!!
                    إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                    تعليق


                    • #11

                      في هذه السلسلة من المقالات لا أكشف للقارئ فقط مجرد حقائق أو معلومات عن حالة الإنسان المعاصر الذي قُدّر له أن يحيا تحت سطوة التكتلات الاحتكارية مُستغَلاً مُروّعاً مذعوراً من هواجس الفقر والمرض والأوبئة واستلاب الحرية.. إنما أحاول أن أكشف عن الأوضاع التي آلت إليها حضارة عالمية أرى أنها أوشكت على الانهيار.. وليتذكر هذا عني من قُدّر له أن يشهد السنوات العشر أو العشرين القادمة مٍِِِن تغيّرات متسارعة...!


                      (1)

                      الوكالة الأمريكية لمراقبة الأغذية والأدوية: في مارس 1972 وبعد استفسارات ملحّة من جانب بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي اضطرت هذه الوكالة إلى الكشف عن معاييرها وشروطها التي تطبقها على صناعة الأغذية الأمريكية وهي المعايير التي تُلحق بها دائماً وصف "المعايير النظيفة..!" في هذه المعايير النظيفة التي تقوم بتطبيقها على الصناعات الغذائية أشياء تثير العجب فهي مثلاً: تسمح بوجود فضلات فئران بنسبة (ذبلة) واحدة في كل باَيِنْت من القمح وعشرة بيضات ذباب لكل 8.5 أوقية من عصير الفاكهة المعلّبة، وخمسين نتفة من حشرات ميتة أو شعرتين من القوارض في كل 3.5 أوقيّة من معجون الفول السوداني..

                      ولسنوات عديدة ظلت معايير هذه الوكالة تسمح بوجود هرمون (DES) لتسمين العجول، ثم اكتشفت بعد ذلك أن أي آثار مهما كانت طفيفة من هذا الهرمون في لحم العجول يصيب آكلها بالسرطان، فاضطرت أخيراً إلى تحريم استخدامه.. ولكنها في نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه هذا القرار الجديد سمحت بوجود نفس الهرمون في أقراص منع الحمل للنساء بنسبة خمسين ملليجرام في كل قرص، تتناولها السيدة المتزوجة يومياً لمدة خمسة أيام في الشهر.. وقد علق أحدُ مُربيّ العجول ساخراً فقال: إن الوكالة قد سمحت للنساء بتناول كمية من الهرمون في خمسة أقراص تعادل كمية الهرمون الموجود في 262 طن من كبد البقر الذي يضاف إلى غذائه هرمون (DES).

                      وطبقاً للدراسات المسحية يوجد ثلاثة آلاف من أنواع الكيماويات تستخدم في صناعة المنتجات الغذائية وتلوينها وحفظها.. وبصفة عامة لتغيير خصائصها.. بعض هذه المواد المضافة بالمقادير المعلن عنها لا بأس به.. ولكن معظمها تشكل خطراً حقيقياً على الصحة (مع الاستخدام طويل الأمد) كما هو الحال بالنسبة لهرمون (DES) والأدلة على هذا كثيرة.. وقد أثيرت هذه الاعتراضات وترددت كثيراً في الإعلام الأمريكي..! فماذا كان رد فعل الوكالة المسئولة عن مراقبة الأغذية والأدوية...؟

                      كان الردّ صادماً.. فبدلاً من أن تندفع لفتح معركة لحماية الإنسان الأمريكي المستهلك كما فعلت في حملتها ضد الأطعمة الصحية الطازجة والفيتامينات التي قيّدت استخدامها بشروط وكميات محدّدة وحرّمت بعضها تحريماً مطلقاً.. بدلا من ذلك تراخت وأهملت النقد.. وبهذا الموقف السلبي دعّمت الوضع الراهن.. وستجد أن الوكالة في كلتا الحالتين الدعم أو الحظْر كان دائماً استجابة وتأكيداً لاحتكارات صناعة الأغذية والأدوية الكيميائية.. ذلك لأنها تعلم أن رفضها أو معارضتها لهذه الإضافات الضارة في الأطعمة المصنّعة يترتب عليها تدمير هذه الصناعة.. فلا الشركات بقادرة على الاستغناء عن هذه المواد ولا الناس مستعدّون للمخاطرة بصحتهم إذا وعوْا هذه الحقائق..

                      انظر إلى تصريح لأحد كبار موظفي الوكالة نعرضه كعيّنة تبرز حقيقة الاستهانة والاستخفاف بعقول الناس وصحتهم يقول: "الفروق بين الأطعمة المصنّعة والأطعمة الطبيعية الطازجة فروق طفيفة.." وكالعادة يستند إلى نتائج أبحاث علمية يصعب التحقق من صحتها.. ثم يضيف ببجاحة فيقول: ".. كما أن المخصّبات الكيماوية لا تسمّم أرضنا الزراعية كما يزعم البعض.. فهذه المخصّبات الحديثة مطلوبة لإنتاج غذاء كافٍ لشعبنا.. أما المبيدات الحشرية فإنها وإن تركت بعض الآثار على المحاصيل الغذائية فإن الوكالة تؤمن أن كمية هذه الآثار تظل في حدود المأمون بالنسبة لصحة المستهلك.. كما أن الفيتامينات المركّبة كيميائياً تفيد الصحة شأنها في ذلك شأن الفيتامينات التي تأتي من مصادر طبيعية..".

                      (2)

                      وفي نوفمبر 1971 أصدرت الوكالة نشرة خاصة عن تعريف الغشّ والشعوذة تقول فيها: "يجمع مصطلح الشعوذة كُلاَّ من الناس والمنتجات.. وبصفة عامة فإن الشعوذة تنطوي على معلومات خاطئة عن الصحة".. وهنا نسأل: هل ما تسمح به معايير الوكالة من هرمونات وقذارات في الأطعمة.. وحديثها عن السماد الكيمائي والمبيدات الحشرية وعن الفيتامينات المركّبة كيماوياً من قبيل المعلومات الطبية الصحيحة..!؟ من ناحية أخرى نجد أن قاموس أكسفورد العالمي يحدّد المشعوذ بأنه الشخص الذي يقدّم معلومات عن موضوعات يجهلها..." ويعلق جي إدوارد جريفين على ذلك بقوله: " بأي واحد من هذين التعريفين ستجد أن المتحدث باسم الوكالة المحترمة هو أكبر مشعوذ في العالم.. وإذا مضينا خطوة أبعد في هذا الاتجاه يمكن أن نقول: يوجد فارق هام بين المشعوذ والدّجال.. فالمشعوذ يمكن اعتباره في بعض الأحيان شخصاً أميناً.. ذلك إذا كان يعتقد فعلاً أنه بكلامه يساعد مريضه على الشفاء.. أما الدجّال فهو يعلم أن الأدوية التي يقدّمها أو يوصي بها لا تؤدي إلى علاج أو شفاء، ومن ثمَّ يمكن أن يوصف شخص ما بأنه مشعوذ أو دجال ولكن من المحتمل أيضاً أن يكون الشخص مشعوذاً ودجّالاً في نفس الوقت، ويبدو أن المتحدث الرسمي للوكالة يتمتع بالصفتين معاً.

                      (3)

                      سنة 1960 جرى تحقيق في الكونجرس الأمريكي.. وكان تحقيقاً مشهوراً في ذلك الوقت.. موضوعه تقارير صحفية عن تلقَّي القيادات الكبرى في الوكالة هدايا كبيرة من الشركات التي كان من المفترض أنهم (بحكم عملهم وواجباتهم) يقومون بالرقابة عليها.. ومن أمثلة ذلك: دكتور هنري ولْش مدير قسم المضادّات الحيوية في الوكالة الذي تلقّى رشوة قدرها 287 ألف دولار.. في حفلات تكريم مشبوهة، وكان رؤساؤه يعلمون ذلك ولكنهم أغمضوا أعينهم في بادئ الأمر.. فلما فاحت رائحة الرشوة خارج نطاق الوكالة.. وبدأت الصحافة تنشر عنها معلومات مفصّلة وتأكدت التهمة في تحقيقات الكونجرس طلبوا إليه تقديم استقالته..

                      (4)

                      قبل ذلك في سنة 1940 كانت قد تفجّرت فضيحة أكبر تبيّن فيها أن هدف الوكالة ليس هو حماية الشعب الأمريكي كما تدّعي ولكن حماية الكارتلاّت.. ففي ذلك الوقت كانت مصانع (وِنْثروب) للكيماويات تحت هجوم صحفي عاتٍ لتصديرها أربعمائة ألف قرص عليها عنوان (سلفا ثيازول) ولكن وُجد بكل قرص خمس حبّات من عقار (لومينال) كانت الحبة الواحدة منها تؤدي إلى نوم المتعاطي إلى الأبد.. وتبين بالفعل أنها تسبّبت في موت 17 ضحية في مناطق مختلفة بالولايات المتحدة. ومع ذلك لم تسارع الشركة بإخطار الجمهور مباشرة بالخطورة المحقّقة من تعاطي هذه الأقراص.. وبدلاً من ذلك استدعت رصيدها من الأصدقاء في الجمعية الأمريكية للأطباء وفي مجلس الدواء والكيماويات لتعزيز موقفها.. وبذلك زاد أعداد الضحايا وتفاقمت المشكلة.. وكانت الوكالة متعاطفة مع شركة ونْثروب وداعمة لها على طول الخط.. مستخدمة سلطاتها الإدارية.. فمثلاً دكتور كِلمْب Klump مدير قسم العقاقير ودكتور كامْبل مدير الوكالة نفسه ماطلا في تقديم الشركة للمحاكمة على مسئوليتها عن الضحايا الذين فقدوا حياتهم بسبب تناول العقار.. وعلّقت الوكالة وقف شحن السفينة لمدة ثلاثة أشهر حتى غرقت السوق بمبيعات الشركة، فلما أصدرت الوكالة قرارها بالإيقاف كان قراراً مفرّغاً من المعنى والفاعلية.. ونال دكتور كلمب جائزته كاملة حيث قبل أولاً وظيفة الأمين العام لمجلس إدارة العقاقير والكيمياء ثم أصبح رئيساً لمجلس إدارة شركة ونثروب.

                      (5)

                      بعد ذلك ببضع سنوات ظهر مضاد حيوي باسم "كلورمفنيكول" من إنتاج وتوزيع شركة (بارك ديفز).. واكتسب شهرة عالمية مهولة.. ثم ظهرت تقارير طبية تؤكد أن هذا العقار كان مسئولاً عن تسمم دموي ولوكيميا.. كما أنه تسبب في العديد من حالات الموت بأنيميا (A plastic).. كان الرجل الذي مُفترض فيه أن يأمر شركة بارك ديفز بسحب هذا العقار القاتل من السوق هو دكتور "جوزيف سادوشك" ولكنه بدلاً من توجيه سلطته ضد الشركة وقف في وجه سحبه من السوق.. بل منع صدور قرار بوضع (ليبل) على الدواء يحذّر من مخاطره.. وأخيراً في سنة 1969 بعد أن حققت الشركة ملايين الدولارات من مبيعات هذا العقار وبعد أن توصّلت إلى إنتاج بديل عنه يحل محله.. كل ما فعلته (باسترخاء شديد) أن أرسلت نشرةً للصيدليات تقول: إن "كلورمفينيكول" لم يعد بالضرورة الاختيار الفعّال لأي إصابة مكروبية...!"

                      بعد ذلك خرج الحليف المخلص دكتور "جوزيف سادوسك" من الوكالة ليعمل أستاذاً في جامعة جون هوبكنز، وفي خلال عام واحد جاءته جائزته الكبرى ليُعيّن نائباً لمدير شركة بارك ديفز.. وعيُن مكانه في الوكالة مديران آخران سرعان ما تركا الوكالة لوظائف على نفس المستوى من الأهمية والمرتّب في شركات أدوية بالولايات المتحدة الأمريكية..!

                      ومن خريجي هذه الوكالة المباركة شخصيات محظوظة أخرى مثل: دكتور "هوارد كوهين" الذي ذهب إلى مركز رفيع في شركة سيبا للصناعات الدوائية ودكتور "هارولد أندرسون" الذي ذهب إلى معامل وينْثروب، "وموريس ياكوويتز".. وكذلك "ألين رايفيلد" الذي أصبح مستشاراً لإحدى شركات الأدوية الكبرى...!

                      وفي سنة 1964 وتحت ضغوط من الكونجرس اضطرت الوكالة لإصدار قائمة بأسماء موظفيها الذين سبق لهم العمل في الوكالة ثم تركوها للالتحاق بوظائف في الشركات الصناعية الخاصة.. وقد تبين من تحليل هذه القوائم أن 83 من أصحابها البالغ عددهم 813 موظفاً (أي بنسبة أكثر من 10% منهم) قد تقلّدوا مناصب في شركات كانت في الماضي تحت رقابتهم وإشرافهم.. وكان هؤلاء هم الذين يتخذون القرارات الهامة في الوكالة، وهم الذين يصدرون توجيهاتهم الرسمية إلى الشركات.. وعندما كانوا على رأس وظائفهم في الوكالة أتيحت لهم الفرصة للاطلاع على معلومات متعلقة بالبحوث العلمية لشركات أخرى وعلى العمليات الصناعية المختلفة فيها، وعندما ذهبوا للعمل في واحدة منها كان في الذهن دائماً أن المعلومات التي في حوزتهم عن إنتاج هذه الشركات الأخرى لها قيمتها في تطوير عمل الشركة التي انتقلوا إليها.. وعلى ذلك كانت الشركة مستفيدة دائماً من سيادة الموظف الكبير وهو داخل الوكالة أو خارجها...!

                      هنا يجب أن يلفت نظرنا بشدة الطريقة العبقرية التي تستغل بها شركات الأدوية السلطات البيروقراطية الحكومية وتسخيرها في خدمة مصالحها الاحتكارية وتعظيم مكاسبها على حساب مصلحة المواطنين وصحتهم.. وعلى الأخص تسخير الحكومات في القضاء على المنافسة في مجال الصناعات الدوائية.. وهكذا.. حتى في البلاد التي يبدو لنا أن الناس يختارون حكوماتهم بأصواتهم الحرة عبر صناديق الانتخابات لا تعمل هذه الحكومات لمصالح هؤلاء المواطنين وترعاها وإنما لمصالح الاحتكارات والقضاء على المنافسة الشريفة فما بالك بدولنا التي آخر ما تحترمه صناديق الاقتراع وآخر ما تُعنى به مصالح مواطنيها أو صحتهم...! نعم.. في هذه النقطة بالذات حيث تلتحم مصلحة السلطة مع مصلحة أصحاب الشركات الاحتكارية لم أجد فارقاً كبيراً بين حكومة ديمقراطية وحكومة فاشية إلا في الدرجة وفي القدر المطلوب لعملية الإخفاء والتمويه على الجماهير...! ففي الديمقراطية الأمريكية وقد أطلقتُ عليها (الفاشية الناعمة) يتطلب الأمر كثيراً من الدهاء والكياسة والنعومة في التعامل مع الجماهير، أما في الفاشية الغليظة فإننا نرى حكومات تتمتع بكثير من البجاحة والاستخفاف وبلادة الحس.. وكثيراً ما تلجأ إلى استفزاز المشاعر والقمع بلا حساب...!

                      ولنا وقفة أخرى مع هذه الوكالة إن شاء الله...
                      إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                      تعليق


                      • #12

                        الإنسان في عالم التكتلات الاحتكارية [11] : الحرب البيولوجية وسلاح التطعيم

                        كتب: محمد يوسف عدس
                        18/10/1430 الموافق 07/10/2009


                        (1)

                        أفهم أن تهوّل شركات إنتاج اللقاحات في تصوير خطورة إنفلوانزا الخنازير لأنها تكسب بليونات الدولارات من بيع لقاحات يشكّ الكثيرون في قيمتها وآثارها.. وأفهم أن تقوم هذه الشركات بتلويث لقاحاتها بما يؤدي إلى مزيد من انتشار الوباء في العالم ليزداد الطلب على اللقاحات وتحصد الشركات مزيداً من الأرباح.. وأفهم أيضاً أن تُتّخذ اللقاحات أداة لتقليص سكان العالم وإضعاف الشعوب التي يُخشى من تزايد سكانها على مستقبل الأمن القومي للولايات المتحدة.. وقد كتبت في هذا الموضوع بالذات سلسلة من المقالات المنشورة قبل ظهور إنفلوانزا الخنازير بل قبل إنفلوانزا الطيور.. ونبّهت إلى أن برامج تنظيم النسل والتطعيم في العالم محفوفة بكثير من النوايا السيئة وليست خالصة لوجه الله ولا لوجه الوطن..

                        أفهم كل هذا وأكثر ولكني عاجز عن فهم موقف المسئولين عن الصحة والسياسة الصحية في بلادنا.. ولا أفهم سبباً واحداً يجعل المسئول الأول عن صحة الشعب يقدم معلومات خاطئة للجمهور.. في برنامج متلفز على قناة المحور يوم الأربعاء أول أكتوبر الجاري يقول فيها المسئول الكبير: إننا سنبدأ بتطعيم طلاب الجامعات ضد إنفلوانزا الخنازير لأن هذه الفئة العمرية تفتقر إلى قوّة المناعة التي يتمتع بها الأطفال وكبار السن.. إذا صحّت هذه الرواية فتلك مسخرة لا تليق برجل يوصف بأنه المسئول الأكبر عن صحة الشعب.. فعكس ما قاله هو الصحيح.. يعرف هذا طالب السنة الأولى في كلية الطب.. إن المعلومات الأولية لطالب مبتدئ في كلية الطب تقول عكس هذا تماماً.. استهداف فئة الشباب والشابات بالتطعيم عليه أكثر من علامة استفهام..! ضربت كفّاً بكف على مدى الاستهزاء بعقول الناس من مسئول على هذا المستوى ولكنني لم أستغرب الأمر.. فقد كتبت منذ أكثر من سنة عن وزير آخر سأله الناس مستنكرين عن استخدام الحكومة لمواسير مصنوعة من مادة الأسبستوس لنقل مياه الشرب وهي مادة تسبب السرطان.. وكانت إجابته: أن الأسبستوس لا علاقة له بالسرطان.. وقد أصابني الذهول لأن هذه المادة في كل الأوساط الصحية المحترمة في العالم ومنها منظمة الصحة العالمية تحرّم استخدام الأسبستوس لأنه مادة مسرطنة.. وقلت حينذاك إذا كان الوزير لا يعلم هذه الحقيقة فتلك مصيبة أما إذا كان يعلم فالمصيبة أعظم...!

                        والآن ونحن نواجه كارثة توشك أن تحل بنا ليس من جراء وباء إنفلوانزا الخنازير الذي يتوجس الناس من خطورة انتشاره.. ولكن لأن توجسهم من مخاطر التطعيم أكبر.. فقد اكتسبت اللقاحات المقترحة سمعة سيئة.. أكدتها تصريحات الوزارة بأنها وقّعت على عقد الشركة المنتجة للقاح على إقرار يُخلي مسئولية الشركة عن أي مضاعفات تترتب على التطعيم.. وبدورها سوف تفرض على الحجاج أن يوقعوا على إقرار يتحملون فيه مسئولية أي مضاعفات تنتج من هذا التطعيم.. فهل هذا شيء منطقي يستسيغه العقل؟! وما هي الحكمة في تخويف الناس من الذهاب لتأدية فريضة الحج؟! وهل ترى الحكومة في هذا الإجراء وسيلة ليمتنع الناس عن الحج برضاهم الظاهري بدلاً من أن تبدو وكأنها هي التي تلغي فريضة إسلامية يحتفل بها المسلمون ويتشوقون لأدائها حتى الآن عبر أربعة عشر قرناً من الزمن..؟! وما سر هذا الهلع المصطنع الذي تبثه الإدارات الحكومية لتخويف الناس وإرعابهم من التجمع حتى أصبح مفروضاً على الإمام في المسجد في يوم الجمعة أن يؤدي الخطبة والصلاة في عشرين دقيقة..! وقد أصبح الناس يخشون من التواصل والتحدّث مع بعضهم البعض الآخر حتى لا تصيبهم عدوى الخنازير.. وهل نحن مقبلون على عصر تغلق فيه المساجد أبوابها في وجه الراغبين في صلاة الجمعة والجماعة أيضاً..

                        إذا كانت الأمور تسير في هذا الاتجاه بثبات وتؤدة فهنيئاً للعلمانية الذكية التي استفادت من درس كمال أتاتورك الذي ألغى فيها الإسلام بقرار واحد بين عشية وضحاها.. ولكن عاد الإسلام إلى تركيا أقوى وأذكى مما كان عليه قبل أتاتورك.. كان خطأ أتاتورك أنه ألغى الإسلام بالجملة مرة واحدة أما هؤلاء فيحاولون إلغاءه بالقطّاعي.. وما إنفلوانزا الخنازير إلا ذريعة مناسبة للبدء في مشروع القرن الواحد والعشرين للتخلص من الإسلام بدون حرب أو قنابل من عدوّ خارجي.. فشلت جهوده في العراق وأفغانستان...! مثل هذه الأفكار كانت تراودني منذ أربع سنوات عندما بدأت أكتب عن الحرب البيولوجية وعن الشركات العملاقة وعن الإنسان في عصر التكتلات الاحتكارية خصوصاً في مجال الصناعات الدوائية.. فإذا كان القراء يأخذون موضوعات هذه المقالات وكأنها نثار موضوعات شتى لا رابط بينها فهي ليست كذلك عند كاتبها...

                        (2)

                        منذ ثلاثة أعوام كتبت مقالاً تحت العنوان الذي تجده في رأس هذا الكلام.. وأرى اليوم أنه جدير بالنظر والتأمل من جديد في ضوء ما استجدّ من وقائع وأحداث.. قلت فيه ما يلي: عجيب حقاً أن الذين يخططون لضبط النسل وتخفيض سكان العالم هم أنفسهم الذين ينفقون مليارات الدولارات بسخاء علي برامج التطعيم والتحصين بدعوى محاولة إنقاذ حياة ملايين السكان في العالم الثالث... ! دعنا أولاً ننظر: من هؤلاء..؟ وماذا فعلوا..؟:

                        في سنة 1969 أنشئ تحالف دولي للتطعيم والتحصين تحت اسم (GAVI) مؤلف من " مؤسسة روكفلر " و"مؤسسة بل وميلندا جيتس " والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية والحكومات الغربية... مهمة هذا التحالف مع صندوق التطعيم بالأمم المتحدة هي التأكد من أن أطفال العالم يحصلون على فرصة متساوية من الطعوم اللازمة لإنقاذ حياتهم من الأمراض المعدية مثل الجدري والحصبة.. وهل هناك أنبل من أن يحصل فقراء العالم الثالث على حصانة مجانية ضد الأمراض القاتلة...!؟ ستقول: يا له من عمل إنساني عظيم...! ولكن تمهل قليلاً لنرى معاً ما ترتب على تنفيذ هذه البرامج: في دول العالم الثالث يوجد ملايين الأطفال جوعى يعانون من سوء التغذية على نطاق واسع.. ويعانون من سوء الحالة الصحية وضعف البنية ولذلك كانت ردود أفعال أجسامهم للتطعيم بالغة الحدة.. والسبب الأساسي هو ضعف جهاز المناعة البشري عندهم لدرجة أنه لم يحتمل الجرعة الواهية من الميكروب الضعيف الذي كان من المفترض أن ينشّط جهاز المناعة ويوقظه لمقاومة الإصابة... ولكنه استسلم ولم يستيقظ وهنا كانت الكارثة.. خصوصاً في حالة تناول اللقاحات في جرعاتها المركبة..

                        نعلم أن هيئة للرقابة على الآثار الجانبية للتطعيم تم إنشاؤها سنة 1990 فماذا تقول تقارير هذه الهيئة..؟.. تشير هذه التقارير إلي كوارث وقعت بسبب التطعيم.. وتؤكد الهيئة أن ما يصل إليها من حالات لا يمثل أكثر من عشرة في المائة من الآثار الخطرة الناتجة عن عمليات التطعيم، وأن هناك 90% من الحالات لا تصل إلي علم الهيئة.. كما أن الحالات التي لا تظهر إلا بعد شهور أو سنوات كنتيجة للتطعيم مثل (الأوتيزم) وأمراض جهاز المناعة والحساسية والسرطان والاضطرابات العصابية ينكر منتجو اللقاحات صلتها بالتطعيم.. مثلاً " الأوتيزم" ِAutism مرض يصيب الأطفال على هيئة نوبات.. ولم يُعرف له علاج حتى الآن.. فإذا حلّت النوبة يتحوّل الطفل إلي كائن آخر يكرر حركة معينة بيديه أو رجليه أو رأسه أو يضحك بلا توقف مئات المرات وقد يصل به الأمر أن يضرب رأسه بجدار غرفته ليصاب بإصابات بليغة دون أن يشعر ثم يهدأ بعد فترة من الوقت ليعود إلى حالة طبيعية، ولكنه معرض دائماً لهذه النوبة المفاجئة والحركات غير الهادفة في أي لحظة..

                        (3) الأرقام ودلالاتها:

                        فماذا تقول التقارير الرسمية التي تروج لأهمية التطعيم للأطفال في الولايات المتحدة..؟ طبقاً لتقرير نشرته إدارة الإحصاء ووزارة الصحة: أن وفيات الأمراض المعدية انخفضت نسبتها في الفترة من سنة 1900 إلى 1963 وهي الفترة التي بدأ فيها نظام التطعيم: انخفضت الحصبة من 13.3 في المائة ألف إلى 2 فقط في المائة ألف.. وقد حدث نفس الانخفاض تقريباً بالنسبة للسعال الديكي والدفتريا ولكن في مقابل ذلك هناك حقائق أخرى: أنه في نفس هذه الفترة وفي كل من الولايات المتحدة وبريطانيا اختفت الحمى القرمزية والتيفود بدون أي برامج تطعيم..... فما هو المتغير الأساسي الذي حدث وكان سبباً في اختفاء هذه الأمراض..؟ أولاً كان هناك تحسن هائل في البيئة من طعام وماء وهواء ونظافة.. ثانياً: أن الذين يصابون بهذه الأمراض وينجون منها يكتسبون مناعة ضدها طوال حياتهم.. ويقول بعض الباحثين في تقارير منشورة بالمجلة الطبية لانست The Lancet: إن التطعيم ليس مسئولاً عن تقليص عدد الوفيات.. وهناك تقارير أخرى رسمية نشرت سنة 1999 تقول: إن تحسين المرافق الصحية كنشر المياه النقية ونظام الصرف الصحي المحكم هي السبب الأكبر في تقليص عدد الوفيات من الأمراض المعدية وليس التطعيم هو السبب.

                        والحاصل أن التطعيم قد بدأ ينتشر بعد أن حدث تقلص هائل في نسبة الوفيات والعلل.. فمثلاً التطعيم ضد الحصبة وشلل الأطفال لم يكن متاحاً قبل النصف الثاني من القرن العشرين ولم يحدث في النصف الأول موجة واحدة من موجات الوباء التي كانت تحصد في الماضي الملايين من الناس..

                        (4) وإليك طائفة من الحقائق الأخرى عن التطعيم:

                        أثبت البحث أن 20 في المائة من الذين خضعوا لتطعيم الحصبة أصيبوا بحصبة في المخ (في حياتهم المتقدمة) مما يشير إلى أن الفيروس الحي يسبب خطراً أكبر عند تقدم السن.. وفي دراسة بمجلة " نيو إنجلند جيرنال أُفْ مدسين " بعددها الصادر في يوليه 1994م اتضح أن أكثر من 80% من الأطفال أقل من خمس سنوات من العمر الذين أصيبوا بالسعال الديكي قد اكتسبوا تحصيناً مؤكداً ضد هذا المرض... بمعنى أنهم ليسوا في حاجة إلى ما يسمى بجرعة تدعيم من وقت لآخر...

                        دكتور " أرتشي كالو كرينوس " وهو من أشهر أركان هذا العلم، وحاصل على جوائز وميداليات تكريم من أكثر من دولة وأكثر من هيئة علمية وطبية يقول في موضوع التطعيم: " آخر ما توصلت إليه من خبرتي وأبحاثي بعد أربعين سنة أو أكثر في هذا المجال الطبي هو أن السياسة غير المعلنة لمنظمة الصحة العالمية والسياسة غير الرسمية لصندوق إنقاذ الأطفال وغيرهما من المنظمات المروجة للتطعيم هي سياسة قتل وإبادة...!! " ثم يعقّب: " ولا أستطيع أن أرى أي تفسير آخر ممكن.. إنك لا تستطيع تحصين أطفال مرضى.. أطفال يعانون من سوء التغذية وتتوقع أن تفلت من هذا الحكم.. إنك بإصرارك على تطعيم هؤلاء الأطفال تقتل منهم أعداداً أكبر مما لو تركتهم معرضين للإصابة الطبيعية بالحصبة " ثم يشير بإصبع الاتهام قائلاً: " إن الذين ذهبوا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية وإلى أماكن أخرى كثيرة وطعّموا أطفالاً مرضى وجوعى واعتقدوا أنهم يقضون على الحصبة.. في الحقيقة هم ساعدوا على قتل هؤلاء الأطفال بأمراض أخرى غير الحصبة.. فالتطعيم الذي حصلوا عليه ضد الحصبة كان سبباً في تدهور مستوى المناعة الطبيعية عندهم مما سهل غزو إصابات أخرى قاتلة.. ويقول في هذا الصدد أيضاً دكتور فدنبرج H.H.Fudenberg وهو من أشهر أساتذة التطعيم في العالم وله مائة كتاب وبحث في الموضوع: " طعم واحد يخفض خلايا المناعة إلى النصف، وطعم مركب من نوعين يذهب بسبعين في المائة من هذه الخلايا، أما المركّب من ثلاثة أنواع فإنه يقضي تماماً على فاعلية خلايا المناعة مما يسبب تكرار الإصابة الفيروسية للطفل".

                        برغم هذا وربما من أجل هذا اتخذت مؤسسة (GAVI) التي أشرنا إليها سابقاً (سنة 2001) مبادرة لتطعيم 200 مليون طفل في أفريقيا جنوب الصحراء ضد الحصبة رغم انتشار فيروس الإيدز في هذه المنطقة بشكل مخيف.. وربما لا تكون العلاقة واضحة تماماً في هذه الحالة.. ولكن تأمّل: التطعيم ضد الحصبة يقلل من المناعة وHIV هو الذي سيجهز على البقية الباقية من جهاز المناعة المهزوم..!

                        (5) تلوّث الأمصال واللقاحات:

                        نشرت مجلة فاكسين Vaccine سنة 1986 دراسة على عينة كبيرة من (اللقاحات) الموجودة في السوق.. وكانت نتيجة البحث أن 6% منها ملوثة بنوع من البكتريا شديدة الدقة تسمى "مايكوبلازما"... وقد قامت القوات المسلحة الأمريكية بتطعيم جميع الجنود الذاهبين إلى حرب الخليج الثانية (1991).. حصلوا على ما يقرب من ثلاثين لقاحاً في غضون ثلاثة أيام.. وقد عاد آلاف منهم مصابون بأمراض غريبة فيما سمي بظاهرة مرض حرب الخليج.. لم يعترف البنتاجون بمسئوليته عن هذه الظاهرة.. وأعلن أنها مجرد اضطرابات عصابية بسبب أهوال الحرب.. ولكن أثبت مركز أبحاث هو Institute of molecular Medicine في دراسة حديثة أن 40% من أمراض الجنود العائدين من حرب الخليج بسبب نوع جديد من بكتيريا المايكوبلازما أطلق عليها (مايكوبلازما فِرْمنْتانْس) (انظر الموقع)..

                        كذلك أثبتت دراسات أخرى أن الأمصال التي طعّم بها 30 مليون طفل أمريكي ضد شلل الأطفال خلال عقدي الخمسينات والستينات كانت ملوثة بفيروس القرود المسمي (SV40)، ويعتقد أن هذا كان السبب الأكبر في تفشي مرض السرطان بين الأطفال خلال العقود التالية.. ترى ماذا وراء تفشي السرطان بين أطفال مصر!؟ هل هذا ينبه أحداً لكي يفحص الأمصال المجانية أو المشتراة التي يطعم بها هؤلاء الأطفال التعساء..؟! وقد وجد دكتور جون مارتي وعدد آخر من العلماء سنة 1972 أن خلايا القرود التي تصنع منها الأمصال ملوثة بفيروس آخر أيضاً هو " كاتيوميجالو فيروس. ولكن نداءات الرجل المتكررة والملحة بضرورة فحص هذه الأمصال فحصاً دقيقاً قبل استخدامها ذهبت أدراج الرياح.. مما جعله يستقيل من وظيفته الرسمية وينشئ لنفسه مركزاً خاصا للأبحاث..

                        (6) التطعيم لإعقام النساء:

                        في فليم وثائقي بثه تلفزيون ( بي بي سي) البريطاني في 5 نوفمبر سنة 1995 كشف عن وقائع مثيرة عن جرائم ارتكبتها منظمة الصحة العالمية في الفلبين، حيث قامت بتطعيم النساء – دون علمهن – بأمصال ضد التيتانوس مضاف إليها مواد سببت الإجهاض عند الحوامل.. وقد التفت إلى هذه الظاهرة مجموعة من الأطباء (الشجعان) أوْعزوا إلى اتحاد الأطباء بفحص عينات من هذه الأمصال ليجد – بالفعل – بأنها ملوثة بمواد لإعقام النساء ومسببة للإجهاض.. وأن نسبة التلوث هذه بلغت 20% من العينات المفحوصة..

                        وفي نيجيريا قامت اليونيسيف بحملة تطعيم كبرى للشباب النيجيري قالت عنها الدكتورة هارونا كانيا (وهي من كبار علماء العقاقير):" لقد كانت جبهة حرب أخرى لإعقام الأمة...!!" ويبدو أن منظمة الصحة العالمية بدأت تتنبه إلى خطورة ما تقوم به في العالم الثالث أو ربما أرادت أن تغسل يديها من الفضائح التي بدأت تنتشر حول سمعة الأمصال واللقاحات التي تستخدمها – لذلك أعلنت في مارس سنة 2004 ضرورة استخدام تكنولوجيا جديدة لتحديد مكونات الأمصال.. وبالفعل وجدوا أدلة على ملوثات خطرة في هذه الأمصال وصرّح بعض أطباء المنظمة: أن بعض ما اكتشفناه في هذه الأمصال ضار وبعضها سام.. وبعضها له تأثير مباشر وسلبي على جهاز الخصوبة البشرية، وعندما سئل أحدهم عن رأيه: لماذا يلجأ صناع ومنتجو هذه الأمصال إلى تلويثها؟ أجاب: " هؤلاء الناس ومن يروجون لهم في كل مكان بالعالم لهم أجندة سرية يمكن بمزيد من البحث العلمي الكشف عن حقيقتها"، ثم أضاف: "لقد أخذونا في العالم الثالث كغطاء لجرائمهم وأداة سهلة لتجريب سمومهم على البشر معتقدين أننا لا نملك المعرفة ولا الأجهزة لإجراء بحوث يمكن أن تكشف هذه الملوثات.. وللأسف استطاعوا أن يجندوا أناساً من بيننا للدفاع عن أعمالهم وتوجهاتهم المشبوهة"...!

                        (7) مشتقات الزئبق وآثارها المدمرة:

                        يستخدم منتجو اللقاحات مشتقات الزئبق كمادة حافظة.. وقد وجد أن هذه المادة لها علاقة بمرض الأوتيزم.. فلم يكن هذا المرض منتشراً بين الأطفال قبل تسعينات القرن العشرين حيث لم تزد النسبة عن واحد كل عشرة آلاف من الأطفال الأمريكيين.. الآن أصبحت النسبة واحد إلى 150 طفلاً.. مما جعل رجل الكونجرس "دان بيرتون" يتنبأ بأنه إذا استمرت الاتجاهات السائدة الآن فإن عدد مرضى الأوتيزم سيرتفع إلى 4 مليون طفل في العقد القادم، كذلك فإن لهذه المشتقات علاقة بخفض مستوى الذكاء عند الأطفال مما يجعلهم يعانون من مشكلات تعليمية أكيدة.. وقد دفع هذا كل من رجلي الكونجرس " دان بيرتون " و " داف ولدون " إلى تقديم مشروع لقانون يحرم استخدام مادة " ثيمروسال " (من مشتقات الزئبق) الضارة في صناعة الأمصال حيث أن الجرعة الواحدة من الأمصال تحتوي على 25ميكرجرام من الثيمروسال وهذه الكمية تزيد 25 مرة عن المستوى الذي يمكن لجسم الإنسان احتماله..

                        ولكن منتجو الأمصال – في رد فعل ثائر – أطلقوا في الإعلام عدداً من الأبحاث (الموجّهة) لباحثين مستأجرين تلقّوا مكافآت سخية مسبقاً.. كلها تقول بأنه لا علاقة للثيمروسال بمرض الأوتيزم أو أي اضطرابات أخرى للجهاز العصبي مما دفع أستاذاً كبيراً مثل مارك جلير ليؤكد في دراسة له نشرت في أبريل 2003 أن هناك علاقة مؤكدة بين مشتقات الزئبق والاضطرابات العصبية عند الأطفال بما في ذلك مرض الأوتيزم.. وأنه بسبب هذه المشتقات أصبح يوجد واحد من كل ثمانية أشخاص أمريكيين يحتاجون إلى تعليم خاص بسبب الإعاقة العقلية، بل إن هذا العدد قابل للزيادة إلى واحد كل خمسة أطفال مع انتشار التطعيم وتراكم مادة [ ثيمروسال ] في الجسم..

                        وفي دراسة تحليلية للدكتور " توماس فيرستراتن" صدرت في فبراير 2000م أكدت وجود علاقة بين اللقاحات وبين أمراض الجهاز العصبي، ولكن تم منع هذه الدراسة من النشر أو الوصول إلي الإعلام العام.. واكتُـفيَ بمناقشتها في جلسة مغلقة عقدت في 7-8 يونيه 2000م في ولاية جورجيا حضرها 51 عالماً وطبيباً على أعلى مستوى في الخبرة كان من بينهم خمسة يمثلون صناعة الأمصال، ولم يذع من نتائج هذه المناقشة شيء على الجمهور العام.. ولكن استطاع رجل الكونجرس " دافيد ولدون" أن يحصل على قائمة الموضوعات التي نوقشت في هذه الجلسة (عن طريق قانون حرية طلب المعلومات) وتبين له أن دكتور "توماس فير ستراتن" قد أثبت خطر التعرض لمرض الأوتيزم بالنسبة للمواليد الذين يطعمون بلقاحات بها ثيمروسال.. وتحت تأثير ممثلي شركات الأدوية رأى المجتمعون أن هذه النتائج ينبغي أن تظل سراً غير معلن.. ثم انتقلوا إلى مناقشة الوسائل التي يتلاعبون فيها بالبيانات لكي يتم إخفاء هذه العلاقة..! بعد ذلك بثلاثة أعوام ظهر علينا " فيرستراتن" ببحث مضاد أنكر فيه ما سبق أن أكده من قبل.. ترى ما السر في هذا التغيير العجيب..؟!

                        السر أن شركة "جلاكسو" المنتجة للقاحات ملوثة أغرته بوظيفة فيها بمرتب خيالي بدأ يتمتع به فور الانتهاء من الندوة السرية المذكورة..! وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة على ما تقوم به شركات الأدوية من عمليات إفساد لضمائر الباحثين.. والترويج لأدوية ولقاحات فاسدة غير عابئة بصحة الشعوب وما يمكن أن يلحق بها من أضرار مدمرة... وفي نفس الوقت هناك أمثلة أخرى على ما تقوم به من دعاية مضادة وقمع أي معلومات صحيحة عن أدوية شعبية رخيصة كما حدث في معالجة السرطان بفيتامين (ب17).. انظر مقالاتي السابقة تحت عنوان " الإنسان في عصر التكتلات الاحتكارية... ولله الأمر من قبل ومن بعد...



                        إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                        تعليق


                        • #13
                          لا أذكر على وجه الدقة من قائل هذه العبارة التي وجدتها مدونة عندي في بعض مسودات بين أوراقي يقول صاحبها: إذا خرجت حكومة ما عن دائرة وظيفتها المبدئية في حماية حياة مواطنيها وصيانة حرّياتهم وممتلكاتهم.. وفرّطت في ثروة الأمة لصالح الأغنياء والأجانب فستقع لا محالة في أيدي قوى مستغلة تدفع الحكومة إلى تقنين عمليات النهب لصالح هذه القوى..!.

                          (2) وكالة الأغذية والأدوية:

                          في ظل هذا المعنى ظهرت وكالة الأغذية والأدوية الأمريكية التي يرجع تاريخ نشأتها إلى سنة 1906 بعد حملة قومية كبرى كان وراءها شخصية قوية باسْم "هارفي واشنطون وايلي" من رجال روكفلر، استطاع أن يدفع الحكومة للتدخل في مراقبة صناعة الأغذية والأدوية وتولى هو مركز أول رئيس لهذه الوكالة.. نأتي بعد ذلك إلى عجائب ممارسات هذه الوكالة في مراقبة الصناعات الغذائية والدوائية:

                          أول مثال نذكره وربما أشهر الأمثلة في زمنه: أن إحدى شركات الأدوية طرحت في السوق مضاد حيوي باسْم "إلِكْزير أوف سلفا نيلامايد" Elixir of Sulfanilamide.. وقد تم اختبار المركب الكيميائي من حيث مظهره الخارجي وطعمه ورائحته فقط..! ولكن الوكالة المحترمة لم تعبأ بإجراء اختبارات الأمان من ناحية الاستخدام الآدمي.. وإنما حولت للشركة المنتجة مهمة أن تقوم هي بالتأكّد من صلاحية أي مركب دوائي جديد للاستخدام الآدمي.. ثم تقدم تقريرها للوكالة فتسمح لها بعرضه في الأسواق مباشرة للتداول.. وكانت نتيجة استعمال هذا العقار على نطاق واسع مأساوية.. وعلى ذلك رأت الحكومة الأمريكية أن علاج هذا الخلل هو أن تتوسع في منح الوكالة صلاحيات أكبر من أهمها أن تقوم بسحب أي دواء من السوق ترى أنه غير صالح للاستخدام.. فماذا كانت النتيجة من واقع الممارسات العملية...؟

                          كانت النتيجة كارثية فإن بعض العقاقير التي سُمح ببقائها على رفوف الصيدليات وكذلك البعض الذي سُحب منها لم يكن على أساس أي بحث علمي على الإطلاق.. وفي هذا الصدد نشرت مجلة العلوم Science Magazine كلاماً تقرر فيه أن وكالة الأغذية والأدوية ليست بالمكان السعيد الذي يمكن أن يعمل فيه العلماء، فقد أبدى الكثير منهم تأفّفاً شديداً من تدخّل قيادات الوكالة في أبحاثهم ووضع العقبات في طريقهم.. خصوصاً في مشروعات الأبحاث طويلة المدى خوفاً من أن تأتي النتائج بحقائق تحرج الوكالة أمام شركات الأدوية.. كما انتقدوا الوكالة في مواقفها غير المبرّرة من معاقبة العلماء الذين يعارضون مواقفها...

                          (3)عقار ثاليدومايد Thalidomide:

                          اشتهر هذا العقار في أوائل الستينات من القرن العشرين، و ظهرت بعد ذلك حالات كثيرة من المواليد المشوهين ممن تعاطت أمهاتهن الثاليدومايد أثناء الحمل.. وقد أعطى القانون الجديد الوكالة سلطة سحب مثل هذه العقاقير وتدميرها حيث أعلنت أنه غير فعّال.. ولكنها تراخت في اتخاذ أي إجراء لمواجهة خطره خصوصاً أنه كان قليل الاستخدام في الولايات المتحدة.. وإن انتشر استخدامه في البلاد الأخرى مثل أستراليا.. وقد كنت حاضراً هناك في (السبعينات من القرن العشرين) ورأيت ضحايا الثاليدومايد أطفالاً مشوهين على شاشات التلفزة.. رفعت أمهاتهم قضايا أمام المحاكم على شركة الأدوية المنتجة للعقار.. النقطة الجوهرية هنا هي أن الأضرار التي نتجت عن هذا العقار لم يكن سببها أنه غير فعال فقط كما وصفته الوكالة ولكن لأنها لم تؤدَّ واجبها لإثبات استخدامه الآمن فلم تقم بإجراء أي بحوث أو اختبارات حقيقية.. معتمدة فقط على تقارير معامل الشركة المنتجة..

                          ومما يؤكد تواطؤها مع الشركة علمها بأن آثار العقار لا تظهر إلا بعد فترة طويلة من تاريخ استخدامه.. أما حكاية أن العقار فعّال أو غير فعال فالوحيد الذي يستطيع أن يقرر ذلك بيقين هو المريض الذي يتعاطى العقار.. والمهمة التضامنية بين الوكالة والشركات فهي البحث والفحص والتقرير بأن العقار ضار أو غير ضار بصحة الإنسان.. بمعنى أنه لا يحتوي على عناصر كيميائية ضارة وأن الكميات الموجودة نسبها فيه آمنة.. ولأن الوكالة تقاعست عن أداء هذا الواجب تعرضت لانتقادات شديدة واتهّمت بالفساد الضارب في أطنابها.. هذا الفساد كما يؤكد (جريفين) كان السبب في وفاة الملايين.. عندما منعت وجود واستخدام فيتامين بي 17 في الولايات المتحدة بدون مبرر علمي أو بحث موضوعي وإنما تحت ضغوط شركات الأدوية التي تحتكر صناعية أدوية علاج السرطان.. يقول (جريفين): لا شك أن هناك كثير من الشرفاء في وكالة الأغذية والأدوية ولكن هؤلاء موظفون صغار لا يملكون التأثير على سياسة الوكالة.. فالقادة الكبار فقط هم أصحاب الرأي والقرار وهم المستفيدون من توجيه سياسة الوكالة.. وهم الذين يلعبون لعبة السياسة على حساب الحقيقة العلمية في معظم قراراتهم وأنشطتهم.

                          في صورة كاريكاتيرية ساخرة ولكنها صادقة يتناول (إدوارد دي جرينفيلد) موقف وكالة الأغذية والأدوية عندما يتبيّن لها وجود عقار في السوق ينبغي سحبه من الصيدليات فإن الوكالة تستدعي الصحافة والإعلام للتصوير والترويج للحدث الهام.. وتتعلق أنظار الجمهور بالحدث البطوليّ الجلل الذي ستقوم به الوكالة من أجل حماية صحة المواطنين، ثم تذهب إلى صيدلية صغيرة ليفتش رجالها رفوفها ويجمعون علب العقار الممنوع تداوله تحت عدسات التصوير، ويأخذ الصحفيون أقوال قائد الحملة لنشره على أوسع نطاق، ثم يتابع قائلاً: إن رجال الوكالة يتجنبون الصيدليات الكبرى ومخازن شركة الدواء الممنوع.. لماذا؟ والإجابة عنده أنها تمهل الكبار وتمنحهم الوقت والفرصة لتوزيع الدواء أو التخلص منه على مهل.. إنها تبادر بالإجراءات الفورية القاسية مع الدكاكين الصغيرة لأن الصغار لا يملكون السلطة ولا المال للاعتراض في المحاكم.. حيث تكاليف القضاء باهظة، فالوكالة مستعدة وقادرة فقط على قمع الصغار من أصحاب الأعمال وتدويخهم في المحاكم وتعريض أعمالهم للإفلاس، أما الكبار فلا تملك المساس بهم..

                          وفي هذا يقول عمر جاريسون (Omar Garrison) كلاماً لا يحدث عادة إلا في الدول القمعية من العالم الثالث: "من القضايا التي انخرطت فيها وكالة الأغذية والأدوية وكانت مدمّرة لصاحب القضية.. ولكنها بدت في أول الأمر وكأنها ستنقلب على الحكومة بالخسارة.. هنا كشّر واحد من كبار موظفي الوكالة أنيابه وهدّد موكّل صاحب القضية قال له: إذا خسرنا هذه القضية فسوف نخرج لكم قانوناً آخر يدينكم ولن تفلتوا منا عندئذ...!.. ولم يكن هذا التهديد في الهواء" يقول جاريسون متابعاً حديثه: هناك أدلة كثيرة في قضايا من هذا النوع تمكنت الوكالة بأساليبها في تمطيط القضايا والدفع والاستشكالات المتجدّدة من تحطيم خصومها ودفعهم إلى حافة اليأس والإفلاس.. وإذا حدث وظل الخصم يتحدى الوكالة وقراراتها فعليه أن يتوقع منها مزيداً من الغضب وأن يظل هدفاً متصلاً للاضطهاد.. وهذه عينة من ألوان الاضطهاد: يجد الضحية في اليوم التالي رجال الضرائب يطرقون بابه ويحاولون الوصول إلى أخطاء ما في ملفّاته المالية.. وإذا باع مُنتجاً فسيجد على أكتافه المفتش التجاري يسائله.. وإذا قام بالإعلان عن مُنتج ما اتصلت الوكالة بالراديو والتلفاز لتهديدهما بأنهما معرضان بهذا الإعلان المشبوه إلى المساءلات القانونية.. وهكذا تمضي سلسلة المواجهات وتشويه السمعة حتى تنهار الضحية..

                          ملاحظة هامة:

                          ظن بعض القراء أن لديّ حلولاً أو إجابات على استفسارات مثل: ماذا يفعلون لتجنيب أطفالهم مخاطر التطعيم؟؟ إلى غير ذلك من استفسارات.. وأود أن أقرر هنا أنني أعتبر نفسي مجرد باحث مجتهد رأيت أخطاراً تحيط بالأمة، أخطاراً حقيقية تساندها شواهد وأدلة، وأردت بما كتبت وأكتب أن أنبه المخلصين من أبناء هذه الأمة المستباحة إلى ضرورة الفحص والتدقيق في اللقاحات والأدوية التي ترد إلينا من الخارج والتأكد من سلامتها قبل استخدامها.. وامتلاك الأجهزة والأدوات اللازمة والمهارات التقنية المناسبة لإجراء هذه الفحوص.. حتى يأتي الوقت الذي نستغني فيه عن هذه المواد المستوردة الملوثة، بعلاجات ننتجها نحن بعقولنا وأيدينا وفي مصانعنا.. وإذا كنتُ قد تحدثتًًُ عن فيتامين بي 17 كعلاج بديل للسرطان فأنا لم أقصد الترويج لدواء معين دون دواء آخر. وإنما أقصد دعوة الأطباء المخلصين المؤمنين أن ينظروا في الطبيعة التي خلق الله فيها دواء لكل داء.. وأضعف الإيمان أن يحاولوا تجريب فيتامين بي17 في علاج السرطان.. وهو دواء اكتشفه إخوان لهم في أمريكا وجربوه في سبعينات القرن العشرين على آلاف المرضى فنجحوا في العلاج.. ولذلك انقضّت عليهم شركات الأدوية واستعانت بأجهزة الدولة للقضاء عليهم فسحبت منهم تراخيص مزاولة المهنة الطبية وأغلقت عياداتهم ومستشفياتهم وقدمتهم إلى المحاكم ووضعت بعضهم في المعتقلات..

                          عرفت قصّتهم وتعاطفت معهم وكتبت عن تجربتهم وصمودهم أمام البغي وأمام الحملات الإعلامية المأجورة.. وحاولت أن أنزع هالات القداسة الزائفة عن وجه مؤسسات ضالعة في خدمة المصالح الاحتكارية لشركات الأدوية مثل منظمة الصحة العالمية والجمعية الطبية الأمريكية ووكالة الأغذية والأدوية الأمريكية وجمعية السرطان الأمريكية، شاركت جميعها في الحملة الظالمة على أطباء العلاجات الطبيعية البديلة لمرض السرطان..

                          أنا ليس هدفي إذن أن أصف علاجاً ولا من شأني أن أقدّم نصيحة طبية ما.. ولقد فوجئت مساء الأربعاء 8 أكتوبر الجاري بأحمد منصور يقدم في برنامجه الشهير (بلا حدود) واحداً من أشهر الأطباء الأمريكيين متخصص في اللقاحات والأمصال يحذر من لقاح أنفلونزا الخنازير بصفة خاصة ويضع كل التطعيمات في دائرة الشك.. ويرى أن هذا المرض الخنزيري يمكن الوقاية منه بعلاجات طبيعية بديلة.. ويمكن للقارئ أن يطّلع على هذا اللقاء في قناة الجزيرة على شبكة الإنترنت..

                          وقد علمت أيضاً أن خبراء آخرين في العلاج الطبيعي ينصحون من يضطر إلى التطعيم اضطراراً أن يتحصن بجرعة مركزة من فيتامين سي لا تقل عن ثلاثة جرامات قبل التطعيم ومثلها بعد التطعيم.. وأن يحافظ على جرعة أقل بعد ذلك يومياً لمدة أسبوع أو أسبوعين.. فإن (فيتامين سي) يقلل من التأثيرات الضارة للتطعيم.. وهم يشترطون ألا يُؤْخذ فيتامين سي على معدة خالية من الطعام..

                          ولكن إذا أصر القراء على معرفة موقفي الشخصي مثلاً من التطعيم بصفة عامة فأنا لا أقترب منه مطلقاً منذ عرفت احتمالات مخاطره.. ولا أنصح به أحداً ولا أشجع أحداً عليه... كما أنني أفضل الموت على العلاج بالبتر والحرق بالأشعة أوالتسمّم بالكيماوي.. ورحم الله صديقي الحميم أحمد رمزي سليمان الذي عانى ما عانى من هذه العلاجات الوحشية قبل وفاته.. وكذا صديقي الراحل دكتور عبد الوهاب المسيري الذي ظل متماسكاً شامخاً رغم ما كان يعانيه من آلام المرض والنفقات الباهظة حتى آخر لحظة في حياته.. أما صديقي ورفيق عمري في الدراسة منذ المدرسة الابتدائية الدكتور رشاد قاسم الأستاذ السابق بكلية الطب جامعة الأزهر.. و كان قد أمضى فترة تدريب وهو نائب في القصر العيني في قسم جراحة السرطان في أوائل الستينات من القرن الماضي.. أذكر أنه قال لي: لو حدث وأصبت بهذا المرض فإنني أتمنى على الله أن يقبض روحي ولا أتعرض لهذه الجراحات البشعة.. ويشاء الله وهو في قمة نجاحه العلمي والأكاديمي أن يدخل العناية المركزة وهو لم يكد يبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً.. فلما تبين له أن إصابته في الكبد خطيرة استسلم لإرادة الله وتهيّأ للقاء ربه.. وقال لهم: أخرجوني من العناية المركزة فلعل هناك مريض آخر هو أولى مني بهذا المكان.. يرحمك الله يا أخي الحبيب.. بعد ستة وثلاثين عاماً تنساب دموعي كلما تذكرتك وتذكرت هذا الموقف الإنساني النبيل في أحرج لحظة من لحظات حياتك...

                          إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                          تعليق


                          • #14
                            ما زال الحديث متّصلاً عن الوكالة الأمريكية للأغذية والأدوية في محاولة للكشف عن دورها الحقيقي في خدمة مصالح شركات الأدوية، لا مصالح الشعب الأمريكي كما تزعم.. ومن أخطر نتائج هذا الدور لعبها السياسي على حساب الحقيقة العلمية.. ويتجلى هذا واضحاً في معظم قراراتها وأنشطتها.. وقد رأينا في حلقة سابقة كيف تلاحق الوكالة خصومها الضعفاء بالاتهامات الزائفة والملاحقات القانونية والمحاكمات المصحوبة بحملات إعلامية حتى تلتصق بهم التهم والشبهات في أذهان الجماهير، ويصبح الواحد منهم موصوماً بسوء السمعة حتى بعد أن يُبرئه القضاء.. نعم سيخرج من المحكمة بريئاً ولكنه سيخرج مُفلساً منهاراً تماماً لا أمل له في استعادة سمعته وبراءته في نظر الجماهير...
                            (2)
                            نموذج عملي يتمثّل في حالة مسز ويلْش في الإعلام: كل جريمة هذه السيدة أنها كانت تملك فندقاً صغيراً على حدود المكسيك حيث كان يأتي إليه الأمريكيون من مرضى السرطان اليائسين من العلاجات التقليدية التماساً للعلاج في المكسيك عند أطباء يستخدمون فيتامين بي 17 كعلاج بديل.. فماذا فعل الإعلام بها..؟ أخذت الصحف كلها القصة كما روتها وكالة الأغذية والأدوية بتفاصيلها.. ولم يفكر أحد من الصحفيين للاتصال بالمتهمة لمعرفة الحقيقة منها وعرضها على الجماهير بل تم تغييبها عن أنظار الجماهير، وبرزت صحيفة "نيويورك تايمز" بعناوين صارخة: "القبض على عصابة عيادة السرطان في كاليفورنيا"..!! خبر مهول جعل الجمهور يعتقد أن الوكالة اليقظة قد جرّدت حملة هائلة وجريئة على عصابة من أخطر مجرمي القرن العشرين.. عصابة تقوم بتهريب عقارات محرّمة ومخدّرات إلى البلاد.. وأخذ جمهور القراء يعبّر عن أسفه وحزنه على الأبرياء التعساء من ضحايا السرطان اليائسين من العلاج الذين وقعوا فريسة للعصابة الإجرامية..
                            يقول الخبر المنشور: اتجه رجال الوكالة في كاليفورنيا هذا الأسبوع لتدمير [ما أسموه] قطار الأنفاق المظلمة الذي يتعامل أصحابه في تجارة سرية لنقل ضحايا السرطان الأمريكيين إلى المكسيك للعلاج بعقار محظور في الولايات المتحدة وكندا.. وقد وُجّهت تهمة التآمر الإجرامي والغش ضد السيدة ماري وينْشل التي جعلت من منزلها مأوى لمرضى السرطان يفدُون إليه من أنحاء الولايات المتحدة في طريقهم إلى المكسيك طلباً لعلاج غريب هناك يصفونه بأنه علاج مدهش.. ويمضي الخبر ليزعم بأن دولة المكسيك تراجع الآن أوضاع العيادات والمستشفيات التي أقيمت فيها لعلاج السرطان بأدوية بديلة,,". (المصدر نيويورك تايمز عدد 28 فبراير 1971).. تسأل الصحفية ضابط بوليس وهو بطبيعة الحال لا يفهم في الطب ولا في الأدوية ولكنه أخذ مزاعم وكالة الأغذية والأدوية مأخذ التصديق بلا مناقشة.. تسأله عن أسرار العملية فيقول: "إن من يتعاملون في هذا العقار المحظور لا يقلّون إجراماً عن بائعي ومروّجي الهيروين".. ويصبح هذا الكلام على لسان رجل الشرطة الكبير مصدراً آخر لمعلومات موثوق بها عن جريمة بشعة تتداولها الصحف في أنحاء البلاد...!!
                            والخبر التالي المنشور في "سيتل بوست إنتليجانس" نموذج آخر من هذه النماذج الغبية يقول: " على الأقل هناك خمسة من مواطني واشنطون، بينهم طبيبان مشتبه في صلتهم ببيع عقار محظور لعلاج السرطان يعرف باسم لاترايل (وهو الاسم التجاري لفيتامين بي 17).. وبعد بحث استمر شهراً كاملاً قام به رجال الشرطة صرحوا أمس بأنهم قد أمسكوا بخيوط أكبر عملية بيع أدوية مهرّبة لشبكة إجرامية منتشرة في الولايات المتحدة.. وطبقاً لكلام "بلْ إليس" رئيس فريق البحث الجنائي أن هناك دافعان وراء هذه العملية أولهما: أن بعض الناس يعتقدون أن العقار فعال في علاج أو إيقاف نمو السرطان ولكننا لا نستبعد دافع الكسب المالي، فهناك أموال كثيرة تُدفع للحصول على هذا العقار من السوق السوداء.. وهناك أدلة على أن المرضى مفروض عليهم أن يستخدموا هذا العقار مدى الحياة.. كذلك يعتقد رجال المباحث أن هناك احتمال أن الذين يروّجون لعقار "لاترايل" من أجل الكسب المادي يتخذونه غطاء للترويج لمخدّرات مستوردة بما في ذلك الهيروين.. ذلك أنه إذا كان الشخص يستطيع أن يهرّب بنجاح دواءً محظوراً في الولايات المتحدة بكميات كبيرة.. فما الذي يمنعه أن ينوّع في المواد التي يقوم بتهريبها...؟! تتفشّى هذه التكهّنات في الإعلام المقروء والمشاهد بلا تحفظ رغم أن التحقيقات التي أجريت على مدى شهر كامل لم يشر فيها إلى شذرة واحدة من المعلومات إلى احتمال تهريب مخدّرات على الإطلاق.. علماً بأن كل ما تجمع من شهادات الشهود يفيد بأن حقنة اللاترايل كانت تباع بثمن زهيد لم يزد عن عشرة إلى خمسة عشر سنْت فقط.. ولا يمكن أن تصنع هذه السنتات ثروة بأي معنى من المعاني.. وفي هذا يقول جى. إدوارد جريفين: "في وقت ظهور هذه الاتهامات سنة 1974، كان أجر الطبيب على حقْن جرام من عقار لاترايل لا يزيد عن أربعة دولارات وكانت هذه أرخص حقنة في كل عيادات الأطباء آنذاك.. ولم يحدث ارتفاع في سعر العقار إلا بعد أن صدرت قرارات الحكومة بحظره فأصبح يباع في السوق السوداء. ولو أنه كان يُنتج بحرية في أمريكا لانخفض سعره إلى الثلث تقريباً".
                            (3)
                            تكاليف العلاج في المكسيك: يقول الدكتور "كونتريرا" مدير مستشفى الأمل (في المكسيك) لعلاج السرطان بأدوية بديلة: إن أجر الطبيب في الزيارة الأولى عشرة دولارات وفي الزيارات التالية سبعة دولارات.. ويتكلف حقن الدواء لكل جرام ثلاثة دولارات فقط.. [ وفي سبعينات القرن الماضي] لم تزد تكاليف العلاج الكلّية عن سبعمائة إلى ألف دولار.. ولكن لأن معظم مرضاه كانوا يأتون إليه من خارج المكسيك يُضاف إلى هذه التكاليف أجرة الإقامة والوَجَبَات...
                            (4)
                            كيف تُدار البرامج المتلفزة للهجوم على العلاج البديل:
                            اتفق مجموعة من الأطباء المؤيدين لعلاج السرطان بـ (لاترايل) مع دكتور "ويلر ستاين" لعقد مقارنة بين العلاج التقليدي والبديل.. وبدأ يستعرض الفرق في التكاليف بين النوعين المختلفين.. وكان العلاج التقليدي لمرحلة واحدة يتكلف في ذلك الوقت ثلاثة عشر ألف دولار وكان العلاج (في أوائل السبعينات من القرن الماضي) لا يزال متخلفاً ولا يعطي نتائج ذات قيمة بينما وُجد في ذلك الوقت إلى جانبه علاج آخر متاح (لم يكن محظوراً في ذلك الوقت) أكثر فاعلية وأقل تكلفة.
                            وفي برنامج آخر إذاعي قام (إدْ ديلاني) في 2 مارس 1972 بعقد مقارنة بين مرضى العلاج التقليدي ومرضى العلاج البديل.. وبدأ في الظاهر محايداً وموضوعياً ولكن كان هناك تلاعب اتضح فيما بعد في اختيار الأشخاص الذين كانوا يمثلون كل عينة.. كما اتضح أن هناك أدواراً مرسومة تحدّد فيها من يقول ماذا؟ أما بالنسبة لعينة العلاج البديل فقد تم اختيارهم من بين أناس فقراء لا يجيدون الحديث باللغة الإنجليزية فلم يستطيعوا التعبير عما استفادوه بالعلاج البديل لركاكة اللغة وضعف الشخصية وبالتالي سوء التعبير. ثم تلا ذلك مقابلة محبوكة مع دكتور "جيسي ستاينفيلد" كبير الجراحين في الولايات المتحدة ومعه عدد من كبار الأطباء، ودكتور "تشارلز إدواردز" رئيس الوكالة. وطبعاً كانت النتيجة النهائية أن لايترايل ربما يبدو جميلاً من الناحية النظرية لأنه ليس فيه جراحة ولا آلام ولكنه علاج لا يؤدي إلى الشفاء من السرطان.. وأصيب فريق الأطباء من الطرف الآخر الذين بذلوا جهوداً كبيرة لإنجاح البرنامج على أساس أن يُعطوا فرصة متساوية للتعبير عن وجهة نظرهم.. ولكن غُدر بهم ومُنعوا من الإدلاء برأيهم من أول البرنامج إلى آخره.. لقد تحملوا من الفريق الآخر اتهامات متلاحقة وسمعوا بآذانهم أوصافاً بذيئة بأنهم كلاب وغشاشون، ثم انتهى وقت البرنامج فجأة دون أدنى فرصة للدفاع عن أنفسهم.. وهكذا انتهى المسلسل بتأكيد الهدف الذي رسم له وهو برمجة المشاهدين والمستمعين ضد العلاج البديل وأصحابه...
                            وفي فيلم آخر بعنوان رحلة في الظلام أعدته جمعية السرطان الأمريكية (ACR) يعقد مقارنة بين مجموعة أخذت بنصيحة طبيبهم ومجموعة أخرى لم تقبل النصيحة وذهبت تجرّب علاجات فاشلة باللاتيرايل وكانت النتيجة صحة وحيوية عند مجموعة العلاج التقليدي وعذاب وضياع للذين جربوا العلاجات البديلة.. ولكن تأتي المفاجأة خارج الفيلم الخيالي المفبرك فقد مرض الممثل "روبرت رايان" بطل الفيلم المذكور.. سقط ضحية دعايته هو.. فمات بالسرطان في يوليه 1973 بعد عذابه من علاج مكثّف بالكوبالت ثم ماتت زوجته بنفس المرض بعد عذاب أليم...!
                            (5)
                            أسلحة أخرى في جعبة وكالة الأغذية والأدوية:
                            من هذه الأسلحة تهديد وابتزاز العيادات التي رفضت الخضوع رغم تأثير الرأي العام الذي تمّت برمجته.. وعمليات اضطهاد.. ووقف نشر وتوزيع أي مواد إعلانية للتعريف بالعلاج البديل بما في ذلك الكتب والكتيّبات مثل كتاب دكتور "وليام كيلي" (جواب واحد للسرطان) لمجرد أنه أوصى بنظام غذائي لعلاج السرطان بدلاً من العلاجات التقليدية.. وجاء حكم المحكمة مشتملاً على الحيثيات التالية: أن توزيع الكتاب ينطوي على خطر واضح على الرأي العام، وأن واجب الحكومة هو حماية صحة المواطنين ومصلحتهم، وهذا الواجب يتجاوز حقوق الطبيب في حرية الرأي والتعبير.. وانتهزت الوكالة صدور هذا الحكم وبدأت حملة لمصادرة الكتاب وإلقاء القبض على كُتّاب ومحاضرين في الصحة العامة لمجرد هذا الاتهام.. فإذا وصف أحدهم وصفة غذائية للتغلب على صداع بسيط فإنه بحكم القانون يُعتبر ممارساً لعلاج طبي بدون ترخيص رسمي، فإذا وصف فيتامين سي أو أي شيء آخر لمعالجة حالة خفيفة من البرد أو الزكام فإنه يكون ممارساً للعلاج الطبي بدون رخصة.. وإذا وصف الفاكهة أو غيرها من الأطعمة لمعالجة بعض الاضطرابات المعوية فهو يمارس الطب بلا ترخيص، فإذا اقترح أن المكونات الطبيعية الموجودة في الطعام الطبيعي يمكن أن تكون فعّالة في السيطرة على السرطان فبالتأكيد يكون ممارساً للطب بدون رخصة.. وكل هذه جرائم يعاقب عليها القانون..!
                            (6)
                            يعلّق جى. إدوارد جريفين فيقول: بالمقارنة إذا دعت شركة أدوية ممثلاً مشهوراً ليذهب إلى التلفاز (وهو بدون رخصة طبية) ليلقي على ملايين الناس أن أسبرين باير أفضل شيء في علاج الصداع أو أن أقراص فيكس أحسن علاج للبرد، أو أن دواء إكسلاكي أفضل علاج للإمساك فلن يرتفع حاجب الوكالة المحترمة استغراباً أو استنكاراً، ولن تقوم بأي عمل لوقف هذا الهراء الطبي"...
                            تعلم الوكالة أن عملها في مصادرة الكتب هو عمل من أعمال البربرية التاريخية في حرق الكتب، ومن ثم تحاول تبرير عملها بأنها لا تمنع الكتب لما فيها من أفكار، ولكن لأنها تُستخدم في الترويج لأنواع معينة من المنتجات.. فليس للوكالة أي سيطرة قانونية على الأفكار ولكن لها سيطرة قانونية على المنتجات الغذائية والدوائية.. ومن هذه الثغرة تسلل رجال الوكالة إلى القاعات لمراقبة المحاضرات ومنع المحاضرين والقبض عليهم بحجة ممارستهم للطب بدون ترخيص أو لأنهم يروّجون لسلعة محظورة..
                            ويمثل هذه الحالة واقعة حدثت لـ (بروس باتْ تَتْ) وهو شيخ مُسنّ قُبض عليه لمجرد أنه عرض فيلماً في (كارلس بنسلفانيا) يبين فوائد فيتامين بي17 في علاج السرطان.. وبعد محاكمة طويلة استغرقت عامين ونصف عام أسقطت المحكمة كل التهم الموجهة ضده ولكن بعد أن أنفق كل ما يملك في الدفاع عن نفسه وأصبح (على الحديدة) وبعد أن هدّته الدعايات الصحفية البذيئة واتهمته بأنه مخرّف ودجّال.. وهكذا ثبتت صورته إلى الأبد في عقول الجماهير.. وتستخدم الوكالة مكاتب البريد باعتبارها إدارة من إدارات الحكومة لمصادرة كل المطبوعات الصحية والإعلانات بحجة أنها ليست في مصلحة الشعب حيث يختم عليها بخاتم خاص عبارة (احتيال ونصب)..
                            (7)
                            اتهامات أخرى موجّهة إلى العلاج البديل:
                            أنه يحتوي على مواد سامة، وفي هذا يقول جريفين: الحقيقة أن كل المواد يمكن أن تكون سامة إذا أُخذت بكميات زائدة عن حاجة الجسم، وينطبق هذا على الأسبرين والسكر واللاترايل، وغاب عن الجميع أن الأدوية الكيميائية التقليدية في علاج السرطان ليست سامة فقط إذا أُخذت بكميات أكبر من الموصوفة، ولكنها سامة في أثرها المباشر بصرف النظر عن الكمية قليلة كانت أو كثيرة.. أحد خصائصها أنها سامة وعلى المريض الذي يتناولها أن يدفع ثمناً باهظاً من الآلام المروعة التي تترتب على استخدامها.. ومشكلة هذه الأدوية أنها لا تميّز بين الخلايا السليمة والخلايا السرطانية فتتجه إلى المريضة وتترك السليمة جانباً.. لا.. إنها تميز بين نوعين فقط من الخلايا: خلايا سريعة النمو وخلايا بطيئة النمو أو ضعيفة أو عديمة النموّ نهائياً.. فالخلايا سريعة الانقسام هي وحدها الهدف ومن ثم فإن الكيماوي يدمر كل الخلايا الحية الضرورية لحيوية للجسم فلا يفلت منه شيئاً.. فتسميم الجهاز الخلوي هدف جوهري لهذه الأدوية.. وينتج عن ذلك آلام أشد ومرض أشرس من المرض الأصلي نفسه، فالتوكسينات تدمر خلايا الدم وتسبب له التسمم.. وتظهر على المريض آثار التقلصات في المعدة والأمعاء مسببة القيء والإسهال وفقدان الشهية والمغص والإنهاك المستمر.. ولأن خلايا الشعر من نوع الخلايا سريعة النمو تموت ويسقط شعر المريض أثناء العلاج، والأعضاء التي تحتاج إلى النمو تتأثر بذلك وتستجيب بالعقم والضمور.. والحقيقة أن كل وظيفة حيوية في الجسم تضطرب.. مع آلام رهيبة تزلزل كيان المريض، حتى أن بعض المرضى يفضل الموت بالسرطان على أن يستمر في علاجه......
                            (8)
                            العجيب أن المعالجين بالكيماوي من أطباء وممرضين يأخذون كل احتياط ممكن حتى لا يتعرضوا هم أنفسهم لمخاطره وسمومه وإشعاعاته.. ولديهم تعليمات تحذرهم من تداول هذه الأدوية بأيديهم وتجنب ملامستها لأجسامهم.. ونصائح للمريض الخاضع للعلاج بعدم مخالطة أطفال الأسرة حتى لا يتأثرون بملامسة جسمه.. وفي تعليمات الأطباء ستجد 16 وسيلة وقائية للقائمين بالعلاج لوقاية الأنف والعينين والجلد من عبوّات هذه الأدوية.. وإجراءات للتخلص من الحقن والإبر وبقايا الأدوية كلها تحت عنوان (الفضلات الخطرة)، ثم حاول الآن بعد أن عرفت كل هذا أن تتصور أن هذه المواد تُحقن مباشرة إلى دم مريض السرطان المسكين.. يقول جريفين: إن معظم هذه الأدوية لها خصائص إشعاعية ومن ثم فهي تدمّر جهاز المناعة فتساعد بذلك على انتشار السرطان في مواضع أخرى من الجسم المُعالج...
                            ونواصل الموضوع إن شاء الله في حلقة قادمة...
                            إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                            تعليق


                            • #15
                              ما زال الحديث موصولاً عن [ الوكالة الأمريكية للأغذية والأدوية ]، ودورها في خدمة التكتلات الاحتكارية.. ولاحظ أننا نتحدث عن نوعين مختلفين تماماً من أنواع العلاجات أحدهما مصدره الطبيعة ويطلق على منظومته (المقترب الغذائي في الصحة والعلاج) والآخر وهو الشائع، مصدره المصانع التي تنتج أدوية ولقاحات مركبة كيميائياً ولا تخلو أبداً من آثار جانبية قد تكون قاتلة في بعض الأحوال، ولا تخلو من خطر على الصحة في كل الأحوال..
                              وقد رأينا أن حملات الوكالة لا تنقطع في هذا المجال ضد الفيتامينات والمكمّلات الغذائية وضد العلاجات (الطبيعية) عموماً، وهناك تحذيرات مستمرة للجمهور ضد المقترب الغذائي فقد أصدرت الوكالة نشرة عامة تهوّن من شأن الآثار الجانبية للأدوية المركبة كيميائياً تقول فيها: "هل ينبغي أن يخاف الناس من هذه الأدوية بسبب ما يترتب عليها من أعراض جانبية..؟ لا.. فالأدوية يجب أن تكون موضع احترام بدلاً من أن تكون موضع خوف وتوجّس، فقرار الطبيب هو المحكّ، ومن الأفضل للمريض أن يتناول الدواء الذي يصفه الطبيب بدلاً من إهمال العلاج، فهناك خطر أكبر على صحته إذا لم تتناول الدواء..".
                              ويعلق جي إدوارد جريفين صاحب كتاب (عالم بلا سرطان) على هذه النشرة فيقول: "إن الوكالة لم تكن متّسقة مع نفسها في تطبيق هذا المبدأ على الأطباء الذين وصفوا لمرضاهم لاترايل (الاسم التجاري لفيتامين بي17) لعلاج السرطان.. وهكذا تتدخل الحكومة لتحدّد للطبيب نوع الدواء الذي يجب وصفه لمرضاه.. وهنا تتجلى ازدواجية المعايير.. وهو ما عبر عنه رجل الكونجرس "كريج هوسمار" في انتقاداته اللاذعة للوكالة حين قال: لقد عرفت أنه لم تحدث حالة وفاة واحدة بسبب تعاطي جرعات كبيرة من الفيتامينات، ولكني علمت أن هناك شخصاً يموت كل ثلاثة أيام بسبب تعاطي جرعات كبيرة من الأسبرين.. وبرغم ذلك ورغم أن الأمريكيين يشترون في العام الواحد عشرين مليون رطل من الأسبرين فإن الوكالة لم تفكر في وضع إجراءات تنظيمية لتعاطيه أو اشترطت وضع ملصق تحذيري عليه، وعلى عكس ذلك أنفقت الوكالة معظم وقتها وأنفقت ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتحديد كمية الجرعات التي لا يجب تجاوزها من مواد لا ضرر فيها مثل الفيتامينات والأملاح المعدنية، مع أن الخطر على الصحة العامة لا يأتي من المكمّلات الغذائية العضوية ولا من الفيتامينات التي تباع في محلات الأغذية الصحية، إنما تأتي المخاطر من بعض الأدوية السامة المصنّعة والمكدّسة على رفوف الصيدليات وفي المستشفيات"..
                              (2)
                              ويعلق جي. إدوارد جريفين قائلاً: "الحقيقة أنه لا شيء مما أشاد به المحاضرون عن العلاج بالغذاء الطبيعي تسبب كوارث صحية كالتي نتجت عن استخدام دواء مثل (ثاليدومايد) في تشويه المواليد.. كما أن 5% من المرضى الذين يدخلون المستشفيات كان نتيجة لأعراض جانبية لأدوية وُصفت قانونياً لهؤلاء المرضى، ولقد قُدّر عدد الذين يُحوّلون إلى المستشفيات سنوياً بما لا يقل عن مليون ونصف المليون مريض بسبب تعاطي أدوية تقليدية وصفها الأطباء لعلاجهم.. أما ضحايا الأمراض التي تسببها الأدوية الكيميائية بخلاف الأعراض الجانبية فهم أكثر من الضعف إذ يبلغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون مريض في السنة.. والعدد في تزايد مستمر..".
                              ثم يعود جريفين مرة أخرى إلى ضحايا الأسبرين بتفصيل أكثر فيقول: "المعروف أن تناول الأسبرين خطر على الصحة، والجرعة الزائدة منه ليس من الضروري أن تكون في مرة واحدة، فالأسبرين له تأثير تراكمي مع الاستخدام المستمر، ويتسبب تناوله تسعين حالة وفاة كل سنة، وليس هذا بالعدد القليل، ولم تحرك الوكالة بإزاء ذلك ساكناً، بينما بالنسبة للمكمّلات الغذائية يبدو تعسّفها واضحاً، ففي نوفمبر 1973 أصدرت قراراً بحظر إنتاج مادة غذائية اسمها أبريكيرن Aprikern وهو اسم تجاري لمستخلص (مر الطعم) من نواة المشمش مطحون ومعصور على البارد لإخراج الزيت منه واستبعاده، ثم يوضع في كبسولات أو أمبولات للحقن، ويحتفظ المنتج بمادة فعالة هي نيتريلوسايد Nitriloside وهو ما يطلق عليه فيتامين (B17).. اسُتخدم هذا العقار في سبعينات القرن العشرين بالولايات المتحدة على نطاق واسع، ولم ينتج عنه أي أضرار ولم يشْكُ منه المرضى، ومع ذلك استندت الوكالة إلى دراسة علمية مزعومة أجريت لحسابها في كلية الصيدلة بجامعة أريزونا، زعمت أن الأبريكيرن يحتوى على سموم (يمكن أن تقتل) الصغار والكبار.. ولاحظ هنا أن التقرير يقول (يمكن أن تقتل) ولم يقل أن الأبريكيرن [ قتل] كما يقتل الأسبرين أناساً كل يوم.. لاحظ أيضاً أن العلماء الذين نُسب إليهم البحث أعلنوا في شهادتهم أمام المحكمة أنهم جرّبوا العقار على الفئران فقط وليس من حقّهم أن يعمموا الحكم على الإنسان كما أشاعت الوكالة.. ولذلك خرجت الوكالة بعد ذلك بتقارير جديدة مُفبركة ادعت فيها أنها من جانبها قامت بأبحاث علمية أثبتت أن العقار خطر على صحة الإنسان.. وخرج السيد وليام دكسون رئيس قسم حماية المستهلكين بتصريح على الصحفيين أعلن فيه قائلاً: لا أريد أن يكون مكتبي مسئولاً عن وفاة أحد بسبب تناول هذا العقار.. ويعلق جريفين على ذلك ساخراً: "هل مكتب السيد ديكسون مسئول أيضاً عن الوفيات التي تسببها الجرعات الزائدة من الأسبرين..؟! كما خرج دكتور لويس كاسوث مدير الصحة في ولاية أريزونا بتصريح أشد من ذلك غرابة قال: "إن نواة المشمش خطر على الصحة ولا يجب كسرها أو أكل ما بداخلها". وفي حملة دعائية للوكالة أصدرت نشرات حكومية رسمية تحذر من نوى المشمش واستخدام أي بذور أخرى ذات طعم مرّ أو إضافتها إلى أي مُنتج صناعي.
                              (3)
                              يفسر لنا جريفين هذه الحملات حيث يقول: قبل ذلك بعامين تلقيت رسالة في 26 ديسمبر 1971 من دكتور إرْنست كريلس Krelis يتنبأ فيها بأن أصحاب الكارتلات الدوائية قد تنبهوا إلى نجاح فيتامين بي 17 وأنهم قد بدأوا بالفعل يتآمرون مع جهات حكومية معينة للقضاء على هذا المنتج الجديد لإخلاء السوق من أي منافسة لأي أدوية في مجال علاج السرطان.. وأضاف ضع في اعتبارك أن هؤلاء الناس يعلمون أن الجمهور بدأ يهتم ويُقبل على هذا العقار، وأن الأجهزة الحكومية يمكنها ببعض قرارات تنفيذية وأحكام قضائية مُبتسرة وبعض نشرات تحذيرية، أن تدمر هذه الصناعة الوليدة.. وتجعل ملايين الدولارات التي أُنفقت عليها هباءً منثوراً..
                              لقد قامت الوكالة بتقدير مجموع ما ينفقه المرضى على العقار الجديد بثلاثة بليون دولار في العام وهي تستكثر هذا المبلغ، ولا تشير إلى أن شركات الأدوية التقليدية تحصد أكثر من 52 بليون دولار سنوياً ( لا حظ أن هذا الإحصاء ينتمي إلى سبعينات القرن الماضي)، يضاف إليها 14 بليون دولار أخرى ينفقها الأمريكيون على أدوية تباع في الصيدليات والسوبر ماركت بدون روشتة طبية.. يعني لا يهم الوكالة أن يذهب أكثر من 66 بليون دولار إلى حسابات الكارتلات الدوائية على ما يترتب عليها من كوارث صحية دون أن تنطق بكلمة. وقد ظهرت تقارير كثيرة من أطباء وكتّاب معنيّون بالصحة العامة يشكون فيها أن إعلانات الأدوية المذاعة والمتلفزة ليس كلها صحيح بل فيها كثير من المبالغات والتزوير ومع ذلك لم تحقق الوكالة في واقعة واحدة من الوقائع التي أشار إليها الأطباء.. وفي نفس الوقت اتجهت بكل قواها لمطاردة المحاضرين الذين يتحدثون عن فوائد الأغذية الطبيعية لصحة الإنسان.. وأطلقت كلابها في حرب على مواد تباع في محلات الأغذية الصحية مثل عسل النحل وأجنّة القمح ونوى المشمش.
                              (4)
                              فلوريد الصوديوم:
                              لقد أغمضت الوكالة عينيها عن مادة فلوريد الصوديوم التي تضاف إلى مياه الشرب منذ عشرين سنة بزعم أنها تحمي الأسنان من التسوّس، علماً بأن دكتور "إتش تريندلي دين" قد أثبت في دراسة له أن الولايات التي تستخدم هذه المادة المضافة إلى مياه الشرب ليست أقل إصابة بفساد الأسنان من الولايات التي لا تستخدم المادة إطلاقاً بل العكس هو الصحيح.. وليست هذه هي كل القصة ذلك لأن فلوريد الصوديوم يحذّر صانعوه المستهلكين بأن ملليجرام زيادة منه في كبسولة قد تؤدي إلى أمراض عند بعض الناس لا يُحمد عقباها.. وبالفعل أثبتت دراسات أخرى أُجريت في أنتيجو وسْكونس وفي جراند رابيدس وميتشيجان ونيويورك، كلها أثبتت أنه بعد شُهور قليلة من استخدام هذه المادة في المياه تضاعف عدد الموتى بأمراض القلب، وفي هذه المدن المذكورة كلها تأثرت حتى الحيوانات والطيور خصوصاً في حديقة حيوان فيلادلفيا..
                              وجاء الدكتور "بول إتْش فيلبس" أستاذ علم الكيمياء الحيوية بجامعة شيكاغو بعد 29 سنة من البحث العلمي في موضوع سُمّية الفلوريد أكدّ أن فلوريد الصوديوم حتى ولو أُخذ بكميات ضئيلة فإنه يتراكم في الجسم ولا تظهر آثاره إلا بعد سنوات، ولكنها آثار خطيرة، إذْ أنها تسبب تصلّباً في الشرايين واضطرابات الكلى والأمعاء والجلد والمعدة والغدّة الدرقية، والجهاز العصبي.. وقد تسبب عند بعض الناس القيء وقرح الفم وآلام المفاصل وفقدان الشهية.. وتطرح مصانع الألمونيوم مركبات الفلورايد كعادم يذهب معظمه في الهواء ثم يجد طريقه في آخر المطاف مرة أخرى إلى الأرض حيث يتحول إلى مادة ضارة بصحة الإنسان والحيوان. فعندما تمتصّه النباتات يتحوّل إلى مركّبات عضوية.. ومعنى هذا أن الخضار والفاكهة التي تُروى من هذه المياه المزوّدة بالفلوريد يمكن أن يتحول إلى قاتل حقيقي.
                              وهنا ينبهنا جريفين إلى تناقض موقف وكالة الأغذية والأدوية فيقول: "وهكذا في الوقت الذي تشن فيه الوكالة حرباً ضارية على الفيتامينات المشتقة من مصادر نباتية طبيعية ومنها فيتامين بي 17 تترك للشركات الصناعية الحبل على الغارب لتسميم مياه الشرب بفلوريد الصوديوم ليصل إلينا في كل كوب ماء نشربه".
                              (5)
                              مهزلة دوائية أخرى:
                              في أسبوع واحد من تقديم طلب للوكالة للتصريح باستخدام عقار مانع للحمل مصنوع من الأستروجين.. اتضح أن الوكالة لم تقم بأي اختبار للعقار.. كما اتضح أمام لجنة تحقيق بالكونجرس أن الوكالة اعتمدت على نتائج اختبارات أُجريت في بريطانيا.. ولما تم فحص التقرير البريطاني وُجد فيه هذه الفقرة: "أن الاختبار قد تم فقط على فاعلية الدواء وليس على سلامة الاستخدام الآدمي له".. الأكثر من هذا (كما لاحظ جريفين) أنه عندما سأل فاونتين عضو الكونجرس مدير الوكالة (تشارلز سى. إدواردز) ما هو السبب الجوهري في المعاملة التمييزية التي اختصّت بها شركة سيرل للأدوية (منتجة العقار) أجاب: "إنه للسلامة العامة" ولما سأله أن يُحدد له ماذا يعنى بـ "السلامة العامة" التي انطوى عليها قرار الوكالة السريع بالترخيص قبل إجراء ما يكفي من الدراسة للتأكد من سلامة الاستخدام الآدمي..؟؟ ارتبك السيد إدوارد قليلاً ثم نطق كُفراً فقال: "إنه ليس من سياستنا أن نقف عائقاً في طريق المصالح المالية لشركات الأدوية...!" هذا هو إذن السبب الحقيقي..
                              (6)
                              دواء آخر اسمه سيرك Serc تلَقّى أيضاً أفضلية في المعاملة من الوكالة التي منحته الترخيص متسرّعة وبدون أن تتثبّت من سلامة استخدامه كعلاج لبعض أمراض الأذن الداخلية التي تسبب دوخة و وشعور بانعدام الوزن.. ولكن ظهرت أدلة كثيرة وقوية أن الدواء قد تسبّب في تدهور أكثر عند كثير من المرضى.. وبرغم شكاوى الأطباء المتكرّرة، وحتى من الكونجرس، فإن الوكالة أخفقت في مطالبة الشركة بوقف تسويق هذا الدواء رغم اضطرارها للاعتراف بأن البيانات التي قدمتها الشركة عن دوائها كانت غير كافية وفيها أخطاء وعبارات طبية غير صحيحة.. كما اعترفت بأن مزيداً من الدراسة لا يزال مطلوباً.. ومع ذلك ظلّت الوكالة تدافع بإصرار غبيّ عن قرارها بالسماح للعقار المعيب للتداول في السوق بحجّة [أن الدراسة لا يمكن تمويلها ما لم يُصرّح للدواء بالتداول] ، بمعنى آخر على حد قول (جريفين): "إن الوكالة منحت ترخيصاً للشركة بتسويق دوائها وبيعه برغم عدم ثبوت فاعليته في العلاج، وبذلك جعلت الجمهور يقوم مجبراً بتمويل أبحاث للشركة غير مضمونة النتائج..!"
                              ويعلق جريفين على هذا الموقف مستغرباً فيقول: "أي تناقض فاقع بين هذا الموقف وبين موقف الوكالة الحاسم بل الضاري من دواء (لاترايل) وغيره من المنتجات الطبيعية الأخرى في علاج السرطان..!" ، ويوجه سناتور وليام بروكسماير نقداً مباشراً للوكالة في هذا السياق حيث قال: "إن الوكالة وكثيراً من مؤسسات المهن الطبية قائمة على قدم وساق ضد منتجي وبائعي الفيتامينات والأملاح المعدنية كأغذية أو مكملات غذائية.." وهكذا ترى أن الوكالة تتشدّد بلا منطق في منع استخدام أعشاب لا ضرر منها كمكّملات غذائية للوقاية من أمراض اضطرابات الهضم والتمثيل الغذائي"..
                              (7)
                              ويلخص إدوارد جريفين الموقف قائلاً: "هو إذن ازدواج المعايير الذي تمارسه وكالة الأغذية والأدوية.. عندما تسمح للناس بتعاطي الأسبرين ومئات الأدوية الأخرى التي أصبحت هناك علامات استفهام كثيرة على سلامتها الاستخدامية.. تسمح بتداولها بالبرميل، وتطلق الخمور للتداول بالقناطير والطباق للتدخين بالصناديق.. ومفروض علينا في مجتمعاتنا أن نشرب مع المياه فلوريد الصوديوم الضار.. ونطأطئ رءوسنا.. وتقول الوكالة لا بأس من هذا كله.. ولكن عندما تأتي الفيتامينات والمكّملات الغذائية الطبيعية تستأسد علينا الوكالة وتبرز أنيابها وتتحفز للهجوم بحجة المحافظة على صحة الشعب الأمريكي...!!" ويتابع قائلاً: "إن المرأة قد تبرّئها المحكمة إذا قتلت جنينها ولكنها تعاقب بالسجن وتُعامل كمجرمة إذا تعاطت نوى المشمش أو قدّمته لابنها لتنقذ حياته من مرض السرطان.. فإلى متى يمكن أن يتحمل الشعب الأمريكي هذا الازدواج الفاجع للمعايير..؟ ولمصلحة من تفعل كل هذا..!؟
                              والآن قد يتساءل القارئ: كيف تم إرهاب الأطباء الأمريكيين لمنعهم من استخدام فيتامين بي17 في علاج السرطان..؟ نحاول الإجابة على هذا السؤال في حلقة قادمة بمشيئة الله...
                              إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X