ثنائية العقل والقلب

برز في تاريخ البشر مجموعة من الثنائيات, قائمة على وجود علاقة ما بين طرفي هذه الثنائية مثل: الليل والنهار, القراءة والكتابة, القلب والعقل .. الخ, وعن هذه الثنائية الأخيرة سيكون مقالنا, وفي مبتدأ الحديث أود التنبيه إلى أن العقل ليس المخ, وإلى أن القلب ليس عضلة ضخ الدم لأجزاء الجسم, فالقلب غالبا ما يُستخدم إشارة إلى المشاعر والعواطف, والعقل يشير إلى العمليات الذهنية المجردة, المستندة إلى مبادئ مجردة وإلى حسابات مقدرة.

ولن يكون مدار المقال حول العلاقة بين القلب والعقل أو الصراع بينهما, ودور كل منهما في اتخاذ القرارات, وأي منهما تكون اختياراته أصوب وأرجح, وإنما سيكون الحديث عن "ظهورات" أو تمثلات القلب والعقل في العالم حولنا! فنقول: عُرف الإنسان ب "العقل" ونُسب إليه, فقيل إن الإنسان هو ذلك الكائن الحي "العاقل", واعتُبر هذا التعريف تمييزا فاصلا له عن باقي الحيوانات, ولا يعني هذا أن الحيوانات ليس لها "عقل", ولكن عقلها محدود الأدوار والآثار, بينما المحرك البارز لها في الأعم الغالب من سعيها هو "الغريزة", والإنسان كذلك له "غريزة", إلا أنها ليست "المحرك الأول" له, لذلك لا يُعرف الإنسان بأنه كائن غريزي! إذا فالعبرة ب "الغلبة" والسيادة وليس المقصود غياب المختلف.

ونبدأ بأول ظهور للعقل وهو ظهوره في الأفكار ومنتوجاتها, فنجد أن هناك من الكُتّاب –والكتب- من يُصنفون بأنهم "عقلانيون" أو من التيار العقلاني, وفي الناحية الأخرى نجد "الرومانسيون", وكذلك من يمكننا أن ننعتهم بأنهم "النصيون", أولئك الذين ينطلقون من "نص" مقدس ما, وإذا نحن محصنا النظر وجدنا أن الوصف الأدق ل "العقلانيين" هو: "الأرسطيون", أولئك الذين ينطلقون من المبادئ الأرسطية في المنطق خاصة, ومن منطلقات الفلسفة اليونانية عامة, وأكثر هذه المنطلقات هي مبادئ عقلية عامة مجردة, قد تكون صحيحة في العقل ولكنها لا تصدق في الواقع, أو يمكن أن تظهر بظهورات عديدة تفقدها قيمتها! بينما الرومانسيون يعملون على مخاطبة المشاعر وكذلك على إبرازها, وعلى إبراز حكمتها, وكيف أنها الأهم, وكذلك –قد تكون- الأصوب والأعمق نظرا. بينما لم يقم "النصيون" بهذا الفصل الحاد, وإن تحدثوا عن عنصر جديد وهو "النور"! وخاطبوا عقل وقلب الإنسان للوصول إلى غاية, وقدموا له المبادئ "الأخلاقية", التي عليه التمسك بها في حياته, وهذه المبادئ هي كذلك مبادئ عقلية, وإن كانت أقل درجة أو درجات في التجريد, وأكثر تجسدا وأوضح ظهورا وأيسر تطبيقا في حياة الفرد.
والعجيب أن "العقلانيين" و "الرومانسيين" نظروا إلى "القلب" و "العقل" باعتبارهما حاكمان مطلقان على الإنسان الانصياع لهما واتباعهما, ونفوا أن يكون هذا "تسييرا" باعتبار أن "القلب" أو "العقل" هو الذات الحقيقة للإنسان! بينما لم يقر "النصيون" بالذات الكائنة فعلاً بين جنبي الإنسان, ودعوا إلى ذات مثالية, صورة افتراضية للصواب وللاستقامة, على الإنسان أن يسعى لتمثلها وتحقيقها, فنعم أنت أنت ولكن عليك أن تكون "هكذا" –وهو ما يُعرف ب: التزكية/ المجاهدة", وبهذا ستكون النسخة الأفضل منك .. وتصل إلى: "الهو" الأعظم.

وننتقل من مستوى الأفكار إلى مستوى الأفراد فنقول: رغما عن أننا نُعرف الإنسان بأنه كائن "عاقل", إلا أننا نعود فنَصف نِصف هذا الجنس وهو المرأة بأنه: "عاطفي" أو "كائن شعوري", حيث المشاعر تحتل حيزاً كبيرا من تكوينها الوجداني, ولها اليد الطولى في رؤيتها للحياة ولتصرفات الآخرين حولها, ويقينا كذلك في اتخاذها قراراتها وفي ردود أفعالها! وأنا أقر فعلا أن المرأة عاطفية شعورية, ولكن لا يعني هذا أنها ليست "عاقلة" أو ناقصة العقل, وإنما هي تعتمد "آلية" أخرى ومناظير أعم وألين ذات مستندات إحيائية في الحكم على الأمور وتقييمها, وهو ما يمكننا نعته كذلك بالمنظور الاحترازي طويل المدى, مقابل المنظور الإجرائي قصير المدى عند الرجال, وربما لأنه غير ذي نفع مادي –ولأسباب أخرى- اعتُبرت هذه الآلية غير –أو قليل- عقلانية!!

فإذا انتقلنا من الأفراد إلى الأمم والشعوب وجدنا أن الأمم الغربية تُصنف وتوصف بأنها "عقلانية", بينما توصف الأمم والشعوب الشرقية –سواءً العربية أو الآسيوية- بأنها شعورية وجدانية, -والتي بداخلها لا يزال الرجل يوصف بأنه عقلاني وربما قاسي والمرأة بأنها "قلبية"- ولست أدري أين الأفارقة في هذا التقسيم؟! فهل هم عقلانيون أم عاطفيون, أم لا هذا ولا ذاك؟!! وذلك التقسيم تابع للمبادئ والقيم الكلية المسيطرة في المجتمع, والمنظور الشمولي للعالم ولدور الإنسان فيه, والتي تبعاً لها –شعورياً أو لا شعورياً- تُتخذ القرارات, ويُصنف فعل ما بأنه جيد وآخر بأنه سيئ, ويُقيم فعل ما متفق على مقبوليته بأنه عالي الحسن أو يُكتفى بأنه مقبول. وأنا أرى أنه من المفترض تعديل هذا التصنيف إلى: شعوب مادية عملية, وشعوب أخلاقية قيمية, فنحن كعرب ليس للعواطف أو المشاعر لدينا تلك اليد الطولى في التقييم والتقرير, وإنما للقيم الدينية والأخلاقية العامة, بغض النظر عن التزامنا إياها في واقعنا أم لا, وهنا في هذا السلوك يقترب العرب والشرقيون كشعوب من المرأة .. كفرد, حيث تتشابه الأفعال الأخلاقية مع الأفعال "القلبية".

فإذا انتقلنا من مستوى الأمم إلى مستوى الإنسان ك "ذات", نجده كائناً متميزاً عن غيره من الدواب والنباتات الموجودة على الأرض وتحت البحر, ومن ثم يمكنني النظر إلى الإنسان كله باعتباره "عقل الأرض", فالأرض باعتبارها كائن واحد كبير, هي كائن ذو فطرة, ذات برنامج مسبق تعمل تبعاً له, وعندما أراد الله أن يعطي للأرض "عقلاً" خلق الإنسان! فالأرض والإنسان مثل جسد الإنسان والعقل, فالعقل الموهوب من الوهاب هو ما يسير هذا الجسد, فكذلك شاء العلي الحكيم أن يهب الأرض عقلاً, هو الإنسان, فيتحكم ويسيطر ويشكل ويعدل ويحور, ويجمع ويفرق .. الخ. وبهذا يمكننا الحديث عن "عقل أول" غير ذلك الذي افترضه فلاسفة اليونان, ورأوا أن العالم قد صدر عنه, إلى "عقل أول" ليس منشأً وإنما متصرف, والأولية هي أولية مرتبة, بالعلو على الكائنات –وإن تأخر في الظهور-, باعتباره المخلوق .. ليُصرف وليسود.