إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حوارات الطرشان (الإسلاميون نموذجا!)

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حوارات الطرشان (الإسلاميون نموذجا!)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين, مالك يوم الدين, خالق السماوات والأراضين, وصلاة على النبيين المرسلين, وتسليما لخاتمهم الأمين, ومغفرة ورضوان على من اتبع سبل السالكين, ثم أما بعد:

    انتشرت في السنوات الأخيرة خدمة الانترنت السريع في وطننا العربي, وصاحب هذا الانتشار بعض الظواهر الصحية مثل انتشار المواقع العلمية, التي سهلت على الباحث, متخصصا كان أو هاويا, الوصول إلى مبتغاه!
    كما انتشرت المنتديات الحوارية, والتي أصبحت منفذا جيدا لبث الأفكار ونشرها, والتي كانت يُكتب على أكثرها الموت قبل ذلك, على الرغم من أن صاحبها قد يشي! بها لبعض أصدقاءه المقربين!

    ومع انتشار هذه المنتديات ازداد الثراء الفكري للمثقف العربي, لأنه أصبح يرى ويسمع عن كثير من الآراء, والتي ربما ما كان يخاطر بباله في يوم من الأيام أن يقرأ مثلها, أو أن يتجادل حولها! والتي لعبت دورا أكيدا في توسيع أفقه وتطلعاته, وتغيير منظوره إلى من وما حوله!
    والحق يقال أني –ككاتب- وجدت في كتابات وحوارات كثير ممن يكتبون في المنتديات الحوارية نضجا وعمقا يرقى بكثير عما نجده لبعض الذين سنحت لهم الفرصة فأصبحوا أصحاب كتب منشورة!

    إلا أن الآفة الكبرى التي تواجه هذه الحوارات في أي منتدى من المنتديات, -طالما أن المتحاورَين لا ينتميان إلى نفس التيار أو التوجه- أن هذه الحوارات "حوارات طرشان!"
    فكل متحاور من المتحاورين يدور في واد, ويرى أنه ألقم الطرف الآخر حجرا! وأنه هو من خرج منتصرا من الحوار! ونادرا ما وجدنا أحد المتحاورين يقر بانتصار الطرف الآخر عليه! نعم, قد يقر بخطأ في نقطة ما أو مسألة ما, أما أن يقر بانتصار الآخر فهذا ما لا يكاد يحدث!

    وبغض النظر عن أنفة النفس البشرية واستثقالها الإقرار بالهزيمة, فإن هذا الواقع يرجع إلى عامل رئيس, وهو ضيق الأرضية المشتركة بين الطرفين أو انعدامها, لأن كل واحد من المتحاورين ينظر إلى المسألة المتحاور عنها, من منظور معين, يعده الصواب الصحيح, والذي يجب أن يُنظر إليها عبره فقط! وما عداه من المناظير فمناظير خاطئة مقلوبة, وعلى أصحابها أن يعدلوها لكي يستطيعون الوصول إلى الحق الحقيق!

    والمنظور الذي يلتزمه أي قارئ لا ينشأ بين ليلة وضحاها, وإنما يرجع إلى عقلية القارئ وإلى التصور العام للواقع, والذي استخرج جزئياته –شعوريا أو لا شعوريا- من خلال قراءاته الكثيرة, أو الذي لُقنه تلقينا عبر دراسته لتخصص من التخصصات, فوقر عنده أنه هو الصواب الذي لا مناص عنه!
    وفي كلا الحالتين فإنه غالبا ما ينطلق في تعامله مع التوجهات المخالفة من منطلق الرفض التام لكل أصول المخالف! (مثل الملحد أو العلماني الرافض للمسألة الدينية كلية, وعلى الرغم من ذلك يتحاور مع الآخر, على الرغم من عدم استعداده للإيمان بأي حال!!) أما الفروع فربما يتقبل بعضها ويعدل بعض فروعه, -وربما لا يفعل-, أما الأصول فلا مجال للتزحزح عنها!

    لهذا يخرج كلا الطرفين منتصرا تبعا لأصوله, والتي لا يقول بها المخالف ولا يلتزمها! لأنه لا تقوم الحجة لأي منهما على الآخر بالحجة التي يستند إليها! لأن كلا الطرفين لا يريد أن يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها المخالف, ويضع نفسه موضعه, لينظر هل سيقتنع بما يقول أما لن!
    إن الحوار مع الرافض لمنطق الآخر لن يؤدي إلى أي نتيجة, وإنما يثمر الحوار مع ذلك المتحاور الباحث عن الحق, الراغب في اتباعه! والذي غيّر بعض آراء مسبقة له, أما ذلك المنطلق لإبطال الآخر وإظهار بطلانه, فسيكون كل سعيه من إجل الانتصار على الآخر, وإظهار بعض الثغرات في كلام الخصم من أجل الانتصار عليه, كما يفعل أي "محامي" كل همه هو كسب القضية بأي شكل من الأشكال, على الرغم من معرفته بتورط موكله!

    فإذا أخذنا بعض الحوارات كنموذج, فلن نأخذ الحوار بين الإسلاميين وغير الإسلاميين أو غير المسلمين, وإنما سنأخذ الحوارات بين الإسلاميين أنفسهم, والتي تنتهي غالبا إلى لا شيء!
    فلماذا تسود الصفحات الطوال بين المتحاورين ولا يصل الحوار في نهاية المطاف إلى شيء؟!
    بغض الطرف عن القصور العلمي لبعض الأطراف أو الأخطاء الجلية التي يقع فيها بعض المتحاورين, بسبب طبيعة اللغة وطريقة استخدام كل طرف لها, ولا ينتبهون إليها على الرغم من صراخ الطرف الآخر, فإن هذا يرجع إلى ما تقوم به الحجة عند كل طرف من الأطراف:
    فالسلفي مثلا يعد الحديث حجة, حتى ولو زاد عما في القرآن, ويجب أن يُؤول القرآن من أجل أن يتفق مع الحديث!! لأن الحديث حاكم على القرآن, والرسول أدرى به من أي إنسان آخر!!
    كما أن أقوال السلف في القرآن ذات حجة, وهي لا تعد من باب "التفسير" بالرأي!!!! وإنما من "التفسير" بالمأثور, الذي يأمن الإنسان بالاستناد إليها, أما إذا اجتهد الإنسان في فهم القرآن فسيكون هذا من باب "التفسير" بالرأي, والذي قد يؤدي بالإنسان إلى المهالك!! فلذا من الأولى أن يترك الإنسان النظر في القرآن ويكتفي بما قدمه الأقدمون! ففي أقوالهم الكفاية والغناء!!
    إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

  • #2
    والقرآني ينظر إلى القرآن –تبعا لفهمه هو, مناصبا العداء للتراث كله, حاكما بتآمره على القرآن- على أنه الحق المطلق الذي لا يقاربه مقارب, ومن ثم فإن الحجة كل الحجة في القرآن فقط, ككتاب حاكم مهيمن, ومن ثم فيجب تشكيل التاريخ والواقع واللغة تبعا لفهمه الشخصي للقرآن, وإن خالفوا فهم حتما مما دخله التزييف والتحريف!
    والعجب كل العجب أننا نجد أن كثيرا من أفكار القرآنيين تمتح من معين الغرب, لا إنها لا تمتح بل تنقل, وهكذا كاد العقل الغربي أن يوحى إليه! فلقد قال باجتهاده بما يقول به القرآن, أما المسملون فعليهم السلام ونفض يدك من تراثهم فهم ......!!!

    وهناك تيار "التفسير" اللغوي للقرآني, والذي يرى أن اللغة المنقولة بالتواتر هي صاحبة الحجة القاطعة, لأنه لم يدخلها الظن, الذي يعتري الحديث, ومن ثم فيجب أن نفهم القرآن تبعا للغة, فما وافق القرآن من الحديث قُبل وما خالف رُد!
    وهذا التيار نفسه ينقسم, فمنه من يقبل المجاز ويفهم القرآن تبعا له, ومنهم من يرفضه ويُعدل كثيرا من قواعد اللغة التي وضعها الأقدمون, جاعلها أكثر صرامة, حتى يمكن إنشاء إطار واضح للتعامل مع النص القرآني, لأنه تبعا للإطار المهلهل الذي وضعه الأقدمون, فإنه من الممكن الاستدلال بالنص الواحد على الشيء وضده, أو على أقل تقدير لا يكون النص القرآني حجة قاطعة فيما يستدل به الإنسان عليه!

    ولهذا لم تقم للقرآن حجة عند كثير من المسلمين!!! لأنه من الممكن أن تُفهم مفرداته بأشكال كثيرة, فالباء من الممكن أن تفهم على أنه على أو من أو في! وبأي معنى كان, لأن الحروف تستعمل استعمالات متعددة! وكذلك تُستعمل المفردات نفسها بأشكال عدة! لذلك إذا تحاورت مع أي من أنصار التيار الأثري مستندا إلى النص القرآني, بفهم يخالف ما قاله سلفه, فلن تصل معه إلى أي نتيجة, لأنه سيستدل لك بأدلة على أن "ثم" قد تأتي بمعنى قبل!! ومن بمعنى في!! وهلم جرا! لذا فلا حجة فيما تقول عنده, لأن اللغة عنده وعاء مطاطي!
    وكذلك إذا تحاورت مع القرآني فلن تصل معه غالبا إلى نتيجة, لأنه يرى أن المعاجم اللسانية غير صحيحة أو غير دقيقة, ومن ثم فيمكن أن نأتي بأفهام جديدة للكلمة, -ولا حرج في ذلك إذا كان لديه الحس والمكنة اللغوية التي تهيأه لاستخراج معنى جديد للفظة من خلال الاستعمالات المختلفة للكلمة, وليس من مجرد ورودها في آية قرآنية, كأن مجرد مجيئها بهذا المعنى حاكم على باقي المعاني بالبطلان!!!-

    كما أن كثيرا من أتباع التيارات الأثرية يرفض الجديد لأنه جديد أتى من أفراد يعيشون في نفس عصره, ولم يأت من العلماء الأوائل! فقد يرفض قولك لأنك أنت أنت! فمن أنت حتى تُخطأ هؤلاء العلماء الأجلاء؟!
    لقد تشرب هؤلاء بأقوال هؤلاء العلماء وحفظوها وأصبحت لهم مذاهب, ومن ثم فلا يمكن التنازل عنها, لأن المحاور نفسه لا يعزل نفسه عن مذهبه, وينظر إليه بالتوازي مع الرأي الآخر نظرة محايدة, وإنما يتبناه ويدافع عنه في جميع الأحوال, حتى ولو اكتشف خطأه في مسألة من المسائل, فلن يقر بخطأ مؤسسي المذهب, وإنما سيجادل ليتجاوز المسألة!
    وفي نهاية المطاف نقول:
    تبعا للتنشأة الفكرية لكل إنسان تتشكل نظرته إلى الدين الإسلامي, فالإنسان الذي بدأ قراءاته بالقراءات العلمية والثقافية ثم اتجه إلى القراءات الدينية, فسيزن الدين بميزان عقلي منطقي, عن طريق نقد النصوص الدينية, وهذا النقد سيؤدي به إما إلى رفض بعض النصوص الدينية (كبعض الأحاديث أو كلها) أو الحكم على الدين كله بالخرافة, لأنه يضع النصوص الدينية (قرآن وأحاديث) في كفة واحدة!
    أما ذلك الذي بدأ قراءاته بالقراءات الدينية فلن تكون لديه أية آلية لنقد النصوص الدينية, لأنها هي التي شكلت فكره, بل إنها ستكون ميزان حكمه على الصواب والخطأ! فما يتطابق معها فهو الصواب وما خالفها فهو الخطأ! بدون وجود أية حدود وضوح للصواب والخطأ إلا النصوص الدينية نفسها!

    وهكذا نجد الواحد منهم يرفض من الأديان أو المذاهب الأخرى ما يتقبله في دينه, على الرغم من أن كليهما يقدم نفس التبريرات لقبولها! وذلك لعدم وجود الميزان المستقل الذي يُحكم به بالصحة والخطأ!
    وهكذا ينقلب الحال عند هذا الإنسان فبعد أن كان العقل هو الآلة التي يُحكم بها على النقل, -والذي به سيُدخل الناس النار, لأنه آتاهم ما لا سبيل عقلا لكونه من عند غير الله, وعلى الرغم من ذلك رفضوا الإيمان به والإذعان والخضوع له!- أصبح العقل تابعاً للنقل! وهكذا أصبح النقل أول الأدلة!!

    إن الوسيلة الوحيدة لوجود حوارات بناءة هي التحاور للبحث عن الحقيقة وللتأكد من الصحة والخطأ, وليس الحوار من أجل إثبات خطأ الآخر, والذي لن يتقبله الإنسان بأي حال!
    وهذا يحتم على الإنسان أن ينخلع من ذاته بعض الشيء! وينظر إلى الأمور بنظور مختلف محايد, لا يتبنى لا وجهة النظر هذه ولا تلك!
    وهذا من الصعب العسير على أي إنسان, لأن عقل أي إنسان –والذي هو الحاكم على النص- تابع لقلبه, وتبعا لموقف الإنسان القلبي يكون نشاطه العقلي! فإما أن يوجهه إلى اتباع الحق والتنازل عن المواقف الشخصية, أو يوجهه إلى التمسك بمعتقد الإنسان والدفاع عنه بكل السبل الممكنة!
    وهكذا يصل الحوار إلى حوار بين عقل وقلب! ولن ينتصر العقل بأي حال على القلب! ولن يصل معه إلى أي نتيجة!
    لذا فإن الخطوة الحاسمة هي تجريد العقل من سطوة القلب, ولكن من يستطيع!
    فإذا حدث ذلك, كان ذلك هو الخطوة الأولى لحوار بين مستمعين, وليس بين مجموعة من الطرشان!

    جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, والسلام عليكم ورحمة الله!
    إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

    تعليق

    يعمل...
    X