بمجرد فوز عمدة نيويورك، زهران ممداني، الديمقراطي، بدأ اليمين يشنّ هجمةً من الشائعات بأن ممداني سيُطبّق الشريعة في نيويورك، وأن فوز عدد من المسلمين في الانتخابات البلدية في الولايات المتحدة ما هو إلا محاولة لأسلمة الحضارة الغربية البيضاء. فضلًا عن الدعاوى المعادية للإسلام، بأنه دين عنيف انتشر بالسيف، وأنه دين إمبريالي بطبعه، ما دخل بلدًا إلا وسيطر عليه. ودليلهم على هذا «الفتوحات الإسلامية»، وأنا أفضّل استخدام «مسلمانية»، لأن الإسلام لم ينصّ صراحةً على غزو الدول أو الأمم الأخرى المسالمة. فدعاوى اليمين ما هي إلا مبالغات غير واقعية وإسقاطًا تاريخيًا في غير محلّه.
فبلاد المسلمين المتَّهمة بأنها تعتنق دينًا إمبرياليًا بطبعه هي أكثر الدول التي تعرّضت للغزو الإمبريالي والاستعماري منذ القرن الخامس عشر؛ فاحتلال البرتغال وإسبانيا لمدن سبتة ومليلة، وامتداد الموجات الاستيطانية إلى قارات أفريقيا وآسيا، بل وصلت الأمور إلى احتلال البرتغاليين لبعض الموانئ الإيرانية. حتى وصل الأمر إلى أن الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى، بحلول القرن التاسع عشر، احتلّت جميع بلاد المسلمين حرفيًا في كافة أرجاء الأرض.
وامتدّت تلك الحملات حتى اليوم؛ فالقواعد الأمريكية تملأ العديد من الدول المسلمة، مثل دول الخليج وتركيا. فالخطاب المعادي للإسلام والمسلمين يُسقِط واقعه الإمبريالي الحالي على المسلمين بأثرٍ رجعي، لذا يأتي بحجج واهية، خاصةً مع تزايد هجرات المسلمين إلى الغرب وتحول المسلمين إلى واقع ديموغرافي أعاد إلى الساحة العامة نقاش أمورٍ كانت الدول الغربية قد تجاوزتها، مثل موضوعات دور الدين في الحياة العامة وحقوق الأقليات المسلمة. لكن هذا الخطاب يحاول دائمًا تصوير المسلمين على أنهم جماعات منظّمة تحمل فكرًا وتخطيطًا استراتيجيًا لأسلمة الغرب، بينما الواقع أن بلاد المسلمين يهيمن عليها الفكر والنظم الغربية، سواء في مجالات الاقتصاد والتعليم والتجارة، بل والثقافة.
المفارقة المضحكة المبكية أن العالم رأى عجز المسلمين في فاجعة غزة؛ فكيف لهؤلاء المسلمين، المعذَّبين المضطهدين في بورما وغزة والصين، ومن تعرّضوا للإبادة في القرن العشرين، كما في حالة البوسنة، أو في قرننا الحالي في غزة، أن يقلبوا الطاولة على الشعوب الغربية ويحكموهم بالشريعة التي لا نظام محددًا لها أو مطبَّقًا في البلاد ذات الأغلبية المسلمة؟ فتلك البلاد تصنع القانون كما يُصنع في الغرب، وتخضع للمعاهدات والاتفاقيات الدولية تحت مظلة القانون الدولي، شأنها شأن كل الأمم. وكأن غزو العراق واحتلال أفغانستان أعمالٌ روتينية مبرَّرة.
فشيطنة المسلمين باستخدام تاريخ الفتوحات، سواء في عصر الراشدين أو الأمويين والمغول والعثمانيين، وربطها العضوي بالإسلام وفصلها عن الملابسات التاريخية والسياسية لكل عصر، ما هو إلا آلية لتبرير احتلال ونهب ثروات تلك الشعوب، أو محاولة للتخلص من الزيادة الديموغرافية للمسلمين التي لا تصبّ في مصلحة بعض الأطراف الإمبريالية.
لكن أعود إلى محور المقال: الفتوحات. وهل نسبة الفتح دائمًا إلى الإسلام صحيحة؟ وكيف وصلتنا المعلومات عن تلك الفتوحات؟ وكيف ومتى تمت عملية التدوين؟ وهل كانت الفتوحات واحدة من حيث الزمان والمكان والأغراض؟ كل تلك الأسئلة ستساعدنا في الفهم.
فإذا جعلنا القرآن الكريم منطلقنا في البحث عن مفهوم الفتح، سنجد أن الجذر (ف/ت/ح) ورد في القرآن الكريم ثمانيًا وثلاثين مرة، وجاء بمعانٍ متعددة؛ منها النصر العسكري على الأعداء، أو بمعنى الحكم، كما في قوله تعالى: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ»، وقوله تعالى: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ»، و«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا».
فآية سورة الفتح قال بعض المفسرين إن الفتح هنا هو صلح الحديبية الذي مهّد إلى فتح مكة. إذًا، فمفهوم الفتح لم يكن مقتصرًا على الغزو والحرب، مثل كلمة «الجهاد» التي لا تعني فقط القتال. ونعلم مما وصلنا من السيرة النبوية أن النبي ﷺ واجه مع المؤمنين الاضطهاد والعنف من أهل مكة، وهذا له أصل في القرآن أيضًا؛ ففتح مكة كان بمثابة عودة الحق لأصحابه في أن يختاروا دينهم ويمارسوه بحرية.
لكن القرآن أشار أيضًا في سورة الروم إلى أن الروم سيُهزمون ثم سينتصرون على الفرس، وسيفرح المؤمنون. ولماذا سيفرح المسلمون؟ هل هذه إشارة إلى فتح الشام؟ وهل فهم الصحابة هذا المعنى؟
فالنبي ﷺ خاض كفاح تأسيس الأمة الجديدة وسط محيط اجتماعي مستهجن للدعوة الجديدة، ولم يخض معارك خارج الجزيرة، إلا إذا اعتبرنا مؤتة، التي تقع في الأردن جنوب بلاد الشام، بسبب قتل رسول النبي ﷺ. وهنا نقطة مهمة لا يذكرها التراث الذي يصوّر الجزيرة على أنها معزولة عن العالم؛ فاليمن وعُمان، قبيل الإسلام، كانتا تحت الحكم الفارسي، وعرب الشمال كان ولاؤهم منقسمًا بين الفرس والروم، كما هو معلوم.
فهل كانت وصية النبي ﷺ بإنفاذ الجيوش إلى الشام قبل موته بهدف محاربة الروم أو الفرس، وهاتان القوتان ما كان لهما أن تقبلا بظهور كيان جديد مستقل عن الفلك الفارسي أو الرومي؟ ناهيك عن الصراع المطوّل بين قطبي المنطقة آنذاك.
تذكر لنا السيرة أن النبي ﷺ أرسل رسائل إلى ملوك الإمبراطوريات المجاورة. وبالطبع ليس لدينا منها مخطوطات مادية، لكن ما يُفهم من الرواية أن النبي ﷺ دعاهم إلى الإيمان بالدين الجديد مع بقاء الحكم السياسي لهم. فعلى سبيل المثال، أسلم باذان، حاكم اليمن الفارسي، وأقرّه النبي ﷺ؛ إذ لم يكن الهدف الحكم بل الدعوة.
وجاءت الحقبة الراشدية التي شهدت قلاقل كبرى في الجزيرة العربية، وجدالًا سياسيًا بين المهاجرين والأنصار حول من يخلف النبي ﷺ، وحدوث حركات تمرّد وانفصال عُرفت بحروب الردة. ولا بد من ملاحظة أمرٍ مهم: أن ما نعرفه عن تلك الحقبة نُقل شفهيًا عبر الذاكرة، ثم دُوِّن لاحقًا من قبل كتّاب لم يكونوا شهودًا ولا معاصرين؛ لذا فهناك الكثير من التفاصيل التي لا نعلمها.
وإذا بشّر القرآن المسلمين بضعف الفرس والروم، فهل شكّلوا خطرًا؟ أم أن الفتوحات في عهد الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، الذي لقّبه المسيحيون السريان بالسريانية «الفاروقو» أي المخلِّص، جاءت بدوافع أخرى؟ يقول المؤرخ التونسي هشام جعيّط إن هناك عدة عوامل جعلت عمر بن الخطاب يقرّر التوجّه نحو فتوحات الشمال، سواء في الشام أو مصر أو بلاد فارس، منها: حدوث جدب ومجاعة بأرض العرب، ورغبة عمر في تفريغ طاقات بعض القبائل البدوية، ورغبتها في الغنائم والغزو، أو شغلها بمهمة أكبر بعد الخروج من القلاقل الداخلية في حروب الردة آنفة الذكر. لكن هذه استنتاجات للمؤرخ؛ إذ ليست لدينا وثائق تعطي تفاصيل قاطعة، فيبقى دور المؤرخ قائمًا على فرضيات لا دليل حاسمًا على ترجيحها.
وتُثبت المصادر الأكاديمية الحديثة أن الفتح العربي في مجمله لم يكن عنيفًا؛ لأن العلم الحديث، من خلال علم الآثار والأنثروبولوجيا، يستطيع الكشف عن آثار الحروق والعنف الممارس. فالباحثة الهولندية في جامعة لايدن، بيترا سيبتسين، تقرّ بأن العرب حين دخلوا مصر لم يحتكّوا بالسكان الأصليين؛ فأسّس عمرو بن العاص الفسطاط في مكان بعيد عن أهل مصر من القبط والبيزنطيين واليهود، والمفارقة أن الفسطاط بها تسع كنائس من أقدم الكنائس.
وكذا الأمر في الشام؛ فالمصادر السريانية، حسب الباحث خلف تيسير في كتابه «الرواية السريانية عن الفتوحات الإسلامية»، وهذا يتّسق مع ما ذكره الباحث الأمريكي روبرت هويلاند في كتابه «الإسلام بعيون الآخرين»، حيث أورد شهادات من مصادر أرمينية وسريانية وزرادشتية. ولا يمكن استبعاد حدوث بعض التجاوزات من بعض القبائل رقيقة الإسلام، لكن بمقارنة تلك الفتوح بغزو الإسبان لأمريكا الجنوبية، أو الإبادات التي ارتُكبت ضد السكان الأصليين في أستراليا وأفريقيا، كما أشار الباحث الأمريكي خوان كول في كتابه «محمد رسول السلام»، يتضح أن الإسلام لعب دور الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بعد قرون من حروب طاحنة بين الفرس والروم.
الخلاصة أن المسلمين هيمنوا سياسيًا وإداريًا على تلك البلاد التي كانت تحت احتلال بيزنطي. ومع قدوم الدولة الأموية، بعد فترة من الفتن والخلاف على الحكم في زمن الخليفتين عثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهما، بدأت تتحول سياسات الزهد والتقشّف في عهد الراشدين لتأخذ منحًى إمبراطوريًا توسعيًا تجاه الهند وبلاد شمال أفريقيا.
وهنا يبرز السؤال الشرعي الأخلاقي: هل الحرب في الإسلام دفاعٌ عن الإيمان وحرية الممارسة، أم هي دعوة إلهية للغزو الإمبريالي الذي نشكو منه نحن المسلمين منذ قرون؟ فإذا رجعنا إلى القرآن الكريم، سنجد آيات كثيرة، مثل: «لا إكراه في الدين»، و«أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، و«وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، و«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وظاهروا على إخراجكم». فالأدلة القرآنية والتطبيق النبوي يحصران الأمر في الحرية والدفاع عن الممارسة الحرة للدين.
لكن في التراث الفقهي المسلماني ظهرت آراء ترى ضرورة نشر دولة الإسلام بالسيف لتأمين الدعوة، فيما عُرف بجهاد الطلب، حيث يسيطر المسلمون سياسيًا، ومن لا يرد الإسلام ولا الحرب فعليه الجزية. وهذا ما قال به الشافعي والحنابلة، وهو ما تتبنّاه السلفية الجهادية التي ترى أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، لا بمعنى الدفاع عن حرية الاعتقاد والممارسة.
يمكن أن نستخلص أن جهاد الطلب، أو نظرية نسخ آيات السلم بآيات السيف، هو التفاف على قاعدة «لا إكراه في الدين» الذهبية التي رسّخها القرآن، لكنه فقه يعمل في ظل إمبراطورية مترامية الأطراف. وقد ذكر الشيخ يوسف القرضاوي، في كتابه «فقه الجهاد»، أن أحد الطلاب السلفيين تأثر بهذا الرأي التراثي، فكتب في رسالته للدكتوراه ما يؤكد أن الإسلام انتشر بالسيف، وهو ما يتّسق مع الرؤية اليمينية التي تروّج للإسلاموفوبيا.
وهكذا وجدنا «داعش» في سوريا والعراق ترتكب فظائع؛ فتلك الجماعات، المصنوعة على أعين أجهزة استخبارات، تستثمر في الأمية الدينية وغياب الوعي الفقهي والتاريخي، فأعادوا السبي والاسترقاق، مستشهدين بآيات من القرآن خارج سياقها ومقاصدها. فالقرآن الكريم جعل تحرير الرقاب فريضة وكفّارة لكثير من الذنوب، وهؤلاء بجهلهم بمرامي النصوص يتحولون إلى أدوات إمبريالية لتقسيم وإضعاف بلاد المسلمين وتشويه الإسلام.
الواقع التاريخي يقول إن فتوحات الراشدين لبلاد فارس ومصر والشام والبربر لم تُدخل تلك الشعوب في الإسلام إلا تدريجيًا؛ فمن المعروف أن المسلمين في مصر، مثلًا، لم يصبحوا أكثر من نصف السكان المسيحيين إلا بعد الحروب الصليبية. كما أن المسلمين كانوا قوة حضارية وعسكرية وهم أقلية في بحر من الشعوب ذات الأعراق والأديان والمذاهب المختلفة.
بل إن المفارقة أن أكبر بلد مسلم هي إندونيسيا، حيث دخلها الإسلام عبر التجارة، ثم التصوف، الذي ساهم في نشر الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن الهجرة. ويشكّل المسلمون أكثر من ستين مليون نسمة في القارة الأوروبية. فأوروبا، مع الفتوحات الأموية في الأندلس، وحتى احتلال الدولة العثمانية لشرق أوروبا، لم ينتشر فيها الإسلام رغم قرون من الهيمنة السياسية.
أن ربط الإسلام بالدولة أو بالهيمنة السياسية يخالف عالمية الدعوة وعناية الشريعة بالإنسان. والحرية هي حامي الإسلام، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
الخلاصة
المسلمون بشر مثل سائر الأمم؛ مارسوا السياسة، وكانت لهم إمبراطوريات، وكان التسامح السمة الأغلب في تاريخهم، رغم حدوث انتهاكات وجرائم وظلم غير مقبول شرعًا. فالفتوحات هي فتوح المسلمين، الذين لا يُقارن تسامحهم ولا حتى عنفهم بفظائع ترتكب اليوم في القرن الحادي والعشرين..
وفي هذا المقام، دعوة لعدم الخلط بين الأحداث التاريخية البشرية وقيم الوحي المتعالي على التاريخ، الذي جاء ليصحّح الواقع بالواجب الأخلاقي. وأخيرًا، لا بد من فهم التراث في سياقه التاريخي ومراجعته بالقرآن الكريم لتصحيح ما فيه من انحرافات..
بقلم: أحمد أمير
أمر الله خطاب جديد