تصفية المبتدعين!!

لم يحدث في أي دين من الأديان أو أي مذهب فكري أن وُجد فهم أو “تفسير” واحد للدين, وإنما كان هناك دوماً العديد والعديد من الأفهام, تأخذ أطيافاً متعددة الألوان والدرجات, منها الصارخ/ المبالغ ومنها الهادئ ومنها الخافت الباهت.
والمفترض دوماً في الأفهام والأفكار أن تتعايش متجاورة وتنتشر بالإقناع وإبطال الآراء الأخرى, بحيث يأخذ كل إنسان بما يراه أدق وأصوب وأنسب. إلا أن المشكلة أن بعض المتعصبين لرأيهم لا يؤمنون ب “سنية الاختلاف والتنوع”, ويرون أنه لونٌ واحد فقط! ومن ثم يجبرون غيرهم على الأخذ بهذا الرأي بالسيف سواء باستمالة “السلطان” لجانبهم أو بأيديهم هم! وتكون الطامة الكبرى عندما يستباح دم المخالف لأنه أخذ بمنظور آخر.
ولم يكن الإسلام –بعد الرسول- بدعاً من الأديان, فمع مرور الزمان ولعوامل سياسية واجتماعية عديدة انتشرت آراء فقهية وعقدية معينة وسادت واستقرت, وأصبحت هي الصورة المعروفة للإسلام إيماناً وتطبيقاً!

وكما رُمي الذين يأتون بأفهام غير مألوفة في الأديان الأخرى بالهرطقة, رُمي الذين أتوا برأي مخالف للرأي السائد, بل وربما مخالف لرأي مدرسة المتعصب, وإن لم يكن هو السائد بين المسلمين, رموا بالزندقة .. والابتداع! وانتشر الوصف الأخير لكونه ورد في بعض الروايات المنسوبة إلى الرسول, مثل: “ألا إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”, وهي الجملة التي سمعناها مراراً وتكراراً من خطباء المساجد في استفتاح خطبهم, منسوبة إلى النبي الكريم, -وإن كانت رويت بدون: كل ضلالة في النار, ونُسبت كذلك إلى ابن مسعود-.
واستهلكت البدعة جهداً كبيراً من الإسلاميين في مقاومتها والقضاء عليها, وذلك لأنهم رأوا أن المعصية يرتكبها صاحبها ويعلم أنه خاطئ وقد يندم عليها ويتوب عنها, بينما المبتدع لا يتوب عنها! كما أن عدم مقاومتها قد يؤدي إلى انتشارها بين المسلمين, فيضلون ضلالا عريضا!

ولو اقتصر الأمر على مقاومة البدع علمياً ودعوياً –من وجهة نظر من يرى أن فعلاً معيناً بدعة لا أصل له في الشرع- لما كان في ذلك حرج, ولكان من باب الرأي والرأي الآخر! ولكن الأمر تعدى إلى مهاجمة أصحاب هذه “البدع”, فأخرجوا من الدين! فحُكم بأن من يقول بآراء معينة أو يأتي بأفعال معينة هو كافر … وقد يصل الأمر إلى أن يُستباح دمه محافظة على مصلحة الدين والمسلمين, إذا كان من المجاهرين ببدعته والداعين إليها!! –ومصطلح: مصلحة الدين, هذا بدعة!!- فيمكن أن يُقتل بلا استتابة!!
والحق أن التكفير والقتل هو العقوبة القصوى للتعامل مع “المبتدعة”, ولم تحدث إلا في حالات جد قليلة, بينما الشائع والواقع هو تلك العقوبات الأخرى الأقل درجة, والقائمة على ضرب حصار “فكري تعاملاتي” مع المبتدعة, فهم يمنعون محاورتهم أو مجادلتهم ولا يستمعون إليهم, ويتلخص موقفهم منه في أنهم لا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم. ولا يعني هذا أن السلفيين لا يردون على المبتدعة, فكتبهم ورسائلهم في الرد على كل كبيرة وصغيرة وتبديعها! تغرق الأسواق, ولكن بدون احتكاك مباشر.

ولو اقتصر الأمر على “الحصار العلمي” لكان الأمر هينا! ولكن الأمر يتعدى إلى المعاملة والمشاعر! فهم يبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ولا يحبونهم, ويأمرون أتباعهم ببغضهم! وأن توقير أهل البدع تضييع للدين! ومن ثم فعليهم مقاطعة المبتدع وهجره وبغضه في الله!! وإلقاء السلام على المبتدع فيه تفصيل! فإذا رُجي دخوله في الحق وتركه البدعة رُد عليه السلام أو بُدأ بالسلام وإن لم يُرج فلا يُفعل!! والصلاة خلفه كذلك وتلقي العلم على يديه –في الأمور المتفق عليها بينهم- فيها تفصيل!! وكذلك قبول شهادته! واختلفوا كذلك في الدعاء على المبتدع وتسميته!! بل ووصل الأمر إلى التساؤل حول من لم يُبدع المبتدع!!
وليس لمتشددي السلفية في هذا الموقف أدلة مباشرة ولا من السنة, وإنما يعتمدون أدلة بعيدة لا علاقة لها بالمسألة! مثل موقف الرسول من الثلاثة الذين خُلفوا عن غزوة تبوك وكيف عاقبهم الرسول, وكيف عاقبهم الرسول بأن أمر المسلمين بهجرهم, فلم يعد أحد يكلمهم! ولست أدري ما علاقة هذا الموقف بالبدعة؟! ومعتمدهم الرئيس في هذا هو أقوال وأفعال لبعض –البشر من- السلف, جعلوها هم هي قول السلف وحكم الدين.

ولا نحتاج لأن نأتي بأدلة للرد على هذا الموقف المتشدد المخالف لمنهج الرحمن وهدي النبي فهذا الأمر أوضح ما يكون, فالله الحكيم حاور الكفار وخلّد مقولاتهم في كتابه والكتاب كله قائم على الحوار, والنبي ومن سبقه من إخوانه من الأنبياء والرسل حاوروا أقوامهم من الكافرين والمشركين, وهذا هو دور أمة الإسلام المخرجة للناس, فكيف يُقاطع المبتدعة –الذين قد لا يكونون مبتدعة – أم أن الحوار يكون لغير المسلمين فقط, وأما المسلمون أصحاب الرأي الآخر فلا يُسمع لهم, وإنما يُعزلون تأديباً لهم وتبرأً منهم؟!
والمشكلة أن هذا الموقف المتشدد لم يكن استناداً إلى حدود حاسمة صريحة في الدين, فتعريف البدعة نفسه تعريف عائم .. غير صحيح, أدى إلى إدخال المجتهدين في طائفة المبتدعين وصراعات بين المسلمين وتضييع لجهد العاملين للدين! ولكن هذا ما سنعرض له بإذن الله في المقال القادم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

هل “الله” العظيم … أخلاقي؟!

“يجب على الله فعل الصلاح والأصلح”“إنَّ الإِلهَ الذي يعرّفه القرآن، وهو بالطبع إله كلّ الأديان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.