نقد التعريفات الفقهية

هل يمكن أن نفهم ديننا أو دنيانا من خلال كتب الفقه؟!!
(والمفترض أنها كتب الفهم العميق!!)
لا وبكل أسف, فتعريفات الفقهاء الجافة (الشرعية/ الاصطلاحية) كانت ولا تزال تعاني من إشكاليات عديدة, ولقد عرضت لبعضها في كتابي: فقه الإنسان
وهنا نعرض لنموذج آخر:
ولننظر مثلا من خلال كتب الفقه:
هل أفلح الفقهاء في تعريف الصلاة؟!

رغما عن الأهمية الكبرى للصلاة في حياة المسلم, فإن الناظر في كتب الفقه, يجد أن تعريف الفقهاء للصلاة تعريف جاف .. ناقص … لا يعطي تصورا سليما حولها.

فإذا نظرنا في التعريفات -المتشابهة- المبهمة التي قدمها الفقهاء للصلاة, نجد أن أشهرها هو:

“أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بتكبيرة الإحرام، ومختتمة بالتسليم”
فهنا الصلاة هي أقوال -أولا- وأفعال مبدوءة بكذا ومختومة بكذا!
فهل أخذ القارئ المسلم أو غير المسلم أي تصور عن الصلاة من خلال هذه التعريف, لا يُنشأ هذا التعريف أي تصور لديه, سوى أنها أقوال مصحوبة بحركات!

فإذا انتقلنا لتعريف آخر, وهو:
“أفعال وأقوال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة”
وجدنا أنه لا يختلف عن الأول سوى في أنه جعل الأفعال هي الأساس –سابقة على الأقوال, وأضاف النية ووجود شرائط مخصوصة .. لا يُعلم ما هي هذه الشرائط كذلك!
وهذا التعريف لا يختلف عن سابقيه في تقديم أي تصور عن الصلاة.

فإذا انتقلنا لتعريفين آخرين متشابهين وجدناهما يقولان:
“عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
التعبُّدُ للهِ تعالى بأقوالٍ وأفعالٍ مخصوصةٍ، مُفتَتَحةٍ بالتَّكبيرِ، مُختَتَمةٍ بالتَّسليمِ”
فهنا تم إضافة كون الصلاة “عبادة/ تعبد” لله, بينما لم يذكر التعريفان السابقان هذا! وهذا يشير إلى كم الخلل والنقص العظيم في التعريفين الأولين!


ورغما عن هذا فإن التعريف لا يعلمنا ما هي الصلاة ولا الغاية منها, وإن كان على الأقل أفهمنا أنها ضرب من ضروب “الشعائر الدينية”!!! بينما لم يفعل السابقان هذا! وتبعا لهذا التعريف من الممكن أن يصلي “الملحد” و حاليا “الروبوت”, بغض النظر عن قبول الصلاة من عدمها! ويمكن أن يقال في الصلاة أي كلام وأي أفعال.

(وتشابه هذه التعريفات يبين لك, كيف أن الفقهاء في الأعم الغالب لا يجتهدون, وإنما يقلدون ويعدلون ويضيفون على ما قاله السابقون)

طيب, هر عمرو, كيف يمكننا أن نعرف الصلاة؟!
فأقول: رغما عن عدم إيماني بالتعريفات, وعدم وجود تعريف شامل كامل, فإني أقول: لو اجتهد الفقهاء وتحرروا من ربقة تقليد السابقين, لأمكن لبعضهم مثلا أن يقول, إن الصلاة في الاصطلاح الإسلامي هي:
“ذكر العبد الله بتلاوة كلامه وبمناجاته قائما وراكعا وساجدا –وما بينها-, بالهيئة المنقولة عن النبي المصطفى.”

وبداهة يمكن تقديم تعريفات أخرى للصلاة, ولكن هذا التعريف أدق من غيره للصلاة من جوانب, فهو:
أولا: عرف الصلاة بأنها إجمالاً ذكر (وأقم الصلاة لذكري)
ثانيا: القائم بهذا الذكر هو العبد, فيخرج به من ليس مسلما مؤمنا خاضعا (والحيوانات والأجهزة)
ثالثا: المتوجه إليه بالشعيرة الدينية هو الله خالق السماوات.
رابعاً: فصل التعريف كيف يكون هذا الذكر, فهو يكون بقراءة القرآن, وبدون قراءة القرآن لا تكون صلاة, وهناك كذلك مناجاة لله … مخاطبة “سرية” لله, دعاء لله
وهذا الذكر يحققه العبد وهو قائم وراكع وساجد (وهكذا يكون السامع قد فهم من التعريف ما هي الأفعال التي يقوم بها العبد في الصلاة, وليس: أفعال مخصوصة)
وأما ترتيب هذه الأفعال وكيف يكون, فهو بالإحالة إلى الهيئة التي نُقلت إلينا بالتواتر عن النبي, وهذا يحيله إلى المصدر الديني الملزم لهذه الأفعال, بينما لم تذكر التعريفات السابقة مرجعية الصلاة.

وبغض النظر عن دقة ألفاظ التعريف, فإن التعريف إجمالاً يعطي للقارئ –غير المتخصص/ العامي- تصورا عن الصلاة ويفهمه ماهيته, كما أنه يخاطب قلبه, وهو كذلك قريب بدرجة كبيرة لأن يكون جامعا مانعا …

في النهاية:

مسألة التعريفات والتصورات والتي يدور حولها الكثير من النقاشات والنزاعات وربما يُفسق أناس ويُضلل آخرون بسببها هي من الوهن بمكان كما رأينا, وإذا فهم الإنسان بها واقعه وما يطلبه الدين منه فإنه يؤدي إلى “شكلية” وجفاف, وبها يصير الدين قوانين وقوالب
ولذا أعتقد أنها بحاجة إلى مراجعة عميقة وتعديل وتغيير … يأتي من غير الفقهاء

الفلسفة_التسييقية

حول نقدالتعريفات_الفقهية

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

“العدل” ليس من أسماء الله الحسنى

لماذا نقول إن “العدل” ليس من أسماء الله الحسنى؟لأسباب عديدة, منها:أنه لم يرد في القرآن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.