مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

الضلع الثالث: المهدي

بعد أن أثبتنا خرافة الضلعين الأوليين لا بد أن ينهار الثالث بداهة وحتما ولكن لما كان الناس لا يقنعون إلا بأن يروا التناقض في كل مسألة بأعينهم. ولما كانت الأحاديث حول هذه المسألة كثيرة جدا، حتى أن بعض العلماء ادعى فيها التواتر، كان لا بد من الكتابة حولها وبنفس أسلوب المكاثرة التي يتخذه بعض العلماء أدلة على صحة الشيء!، فنقول: لا بد أن ينتبه القارئ أن الحديث في هذا العنصر سيكون عن مهديين إثنين: مهدي السنة ومهدي الشيعة، وأن كل مهدي مروي فيه وفي فضله وصفاته الكثير من الأحاديث، فعندنا في أهل السنة حوالي خمسين حديثا، وعند الشيعة ما يزيد على خمسة آلاف رواية!

وكل فرقة من الفرقتين ترفض مهدي الآخر وترى أنه خرافة كبيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وتضعف كل الأحاديث الواردة فيه، وتردها عقلا ونقلا. والواقع أن كلا الفريقين مصيب في نقده ونقضه لمهدي الفريق الآخر، فمهدي السنة مثل مهدي الشيعة كلاهما وليد خرافة نمت و تشعبت. وقبل أن نبدأ الحديث عن هذه المسألة نوضح للقارئ أن الإيمان بالمهدي من العقائد المستحدثة والتي أدخلت وصنفت ضمن العقائد في المراحل المتأخرة المتخلفة، والتي أخذت على عاتقها جمع كل ما ذكر في الكتب وتصنيفه ضمن العقائد! فلم تذكر هذه العقيدة مثل كثير من العقائد في كتب السابقين، ونذكر للقارئ بعضا ممن أنكر المهدي من قدامى العلماء ليعرف أن المسألة ليست محدثة، -فقرآنا لا يصدقون إلا الشيوخ القدامى-.

تأخر إدراج المهدي في العقائد

الإيمان بالمهدي لم يذكره الإمام أحمد في العقائد وأول من ذكره في كتب العقائد هو الإمام السفاريني المتوفى عام 1188 هجرية([1])، ورد عليه العلامة عبد القادر بدران في العقود الياقوتية بقوله: لم نرَ أحدا قال به من المحققين لا من أصحابنا ولا من غيرهم، ولكن بعض المصنفين قلد من ألف في الوعظ والترهيب وذكر أشراط الساعة، فجعلوا قسم السمعيات من كتب العقائد وعظا وترهيبا، فخلطوا بذلك على العوام وعلى ذلك درج السفاريني في عقيدته وشرحها فكان كحاطب ليلوقال: ثم إن قول الشيخ السفاريني: (فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة) دعوى لا دليل عليها، بل الأمر بالعكس! لأننا راجعنا كثيراً من كتب عقائد أهل السنة والجماعة من المتقدمين والمتوسطين والمتأخرين فلم نجد أحداً منهم ذكر أنه يجب الاعتقاد بخروج المهدي. ومن ذكره منهم فإنما يذكره استطراداً في الكلام على أشراط الساعة، وهذه كتب الحنابلة بأجمعها، وهذه عيون كتب الأشاعرة والماتريدية كـ المواقفوشرحها، والمقاصد وشرحها، وشرح السنوسية والجوهرة وغير ذلك مما هو معروف ومتداول بالأيدياهـ.

ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله: الواسطية والأصفهانية والسبعينية، التسعينية، ولم تذكر في عقيدة الطحاوية وشرحها ولا في عقيدة ابن قدامة، ولا في الإبانة في أصول الديانة للأشعري.

ومن الذين أنكرو المهدي: الحافظ أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجورقاني الهمذاني (ت 543هـ) في كتابه: (الأباطيل والمناكير، والصحاح والمشاهير). والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (ت 597هـ) في كتابه العلل المتناهية فـي الأحاديث الواهية. ومنهم العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي (ت 1379هـ) في كتابه: تحقيقات وأنظار في القرآن والسنةقال فيه: إنه –أي المهدي– ليس مما يتعين على المسلمين العلم به واعتقاده … وإنما يكون من المسائل التي تندرج تحت توسيع المعارف الإسلامية.

وبعد أن أورد ثمانية أحاديث مما اختلف أهل العلم في تصحيحها وتضعيفها، دون ما اتفقوا على ضعفه خلص إلى أن أحاديث المهدي كلها لم تستوف شروط الحديث الصحيح، ولا شروط الحديث الحسن، فتكون جميعها من قسم الحديث الضعيف. ثم قال: هذا حال أمثل الروايات في شأن المهدي، وخلاصة القول فيها من جهة النظر أنها مستبعدة مسترابة، وإننا لو سلمنا جدلاً بارتفاعها عن رتبة الضعف فإننا لا نستثمر منها عقيدة لازمة ولا مأمورات مندوبة، بَلْهَ الجازمة. وقال: لو كانت أحاديث المهدي من الصحة في الموضع الذي يذكرونه من تواترها وشهرتها لما فات جميعها أو بعضها الإمامين الجليلين البخاري ومسلماً اللذين جمعا في صحيحيهما حتى كيفية الأكل والشرب والاضطجاع والسواك والحديث عن خف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك من أمور جزئية في الحياة.، وكذلك أنكره العلامة بن خلدون وأرجع الفكرة إلى أصول يهودية والعلامة ابن حزم الظاهري وقال إن المهدي اختراع فارسي وكذلك أنكره الشيخ رشيد رضا والشيخ حسن البنا وإن كانا حديثين نوعا ما وكثير من المفكرين وبعض أهل الحديث في العصر الحديث.

وبعد الحديث عن استحداث عقيدة المهدي وأنها ليست من أصول الدين ولا من قديم العقائد! نبدأ بحديثنا عن المهدي: هل للمهدي وجود في القرآن إو إشارة له ولظهوره؟ لا يوجد أي إشارة من قريب أو بعيد إلى هذا المهدي المقاتل، والقرآن منه خال، لأن القرآن كتاب واقعي لا يذكر أمثال هذه الأساطير والأوهام التي تناقض العقل والمنطق والواقع التاريخي. نعود فنسأل.

من هو المهدي؟

لخص العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه »المنار المنيف في الصحيح والضعيف« الأقوال في المهدي فقال: اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:

أحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة.

الثاني: أنه المهدي بن المنصور، الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه.

الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان. وأكثر الأحاديث على هذا.

الرابع: قول الإمامية، وأنه محمد بن الحسن العسكري.اهـ

فإذا كان هذا الخلاف موجودا في شخصية المهدي، يحق لنا أن نسأل: ما هو مبدأ ظهور شخصية المهدي؟

أول استعمال لكلمة المهدي كان من شاعر الرسول حسان بن ثابت في رثائه للنبي(ص)

حيث قال:

ما باُل عَيْـِنكَ لا تَــنامُ كأنَّـما كُحِلَتْ مآقيها بِكُحْل الأرْمَـــــدِ

جَزعاً على المَهْـدِيِّ أصبح ثاويـاً يا خَيْر مَن وَطِئَ الحَصى لا تَبعَــــدِ

جَنْبي يَقيكَ التُّرْبَ لَهْفي لَيْـتَنـي غُيِّبْتُ قبْلَكَ في بَقيـع الغَرْقَــــدِ

بأبي وأُمي مَنْ شَهِدْتُ وفاتـــهُ في يـوْمِ الاثنين النَّبِيُّ الـمـُهْتدي

فالنبي المصطفى هو المهدي الحقيقي والمجازي وبكل أنواع الكلام ولا مهدي سواه، لأنه كما وصفه القرآن يهدي إلى صراط مستقيم وهو نفسه على صراط مستقيم، لذلك فهو مهدي. أما ذلك المنقذ الوهمي الذي اخترعوه، ووجدنا له شبيها في كل الديانات فليس مهديا إلا كما هُدي غيره من الناس، هداية لا تسبب إلزاما لغيره! فلماذا استحق هذا اللقب بمفرده، وما علامة تميزه؟ وهل هو بهذا اللقب من المعصومين الذين لا يخطأون؟ أم أنه بشر عادي مثلنا يخطأ ويصيب، يعصي ويأوب؟

ولأن خرافة المنقذ المنتظر لها جذور متأصلة عند كل الشعوب تقريبا، وبدأت على حد علمنا في الديانة السماوية الإسلام مع اليهود عندما حلموا بقدوم مسيح مقاتل يحررهم من الظلم والاستعباد البابليين الذين قصما ظهروهم وأذلوا جباههم واستباحوا نساءهم، إلخ ألوان الذل، فحلموا بمحرر جبار مقاتل يهزم الأعداء بقوة خارقة لا ينهض أحد لقتاله، وانتقلت هذه الأسطورة إلى المسيحين ومن المسيحين إلى المسلمين، وعندما ظهرت هذه الخرافة في الديانة الإسلامية في مرحلتها الأخيرة كان عليها أن تكتسي بالثياب الإسلامية، وكان خير كسوة لها أن ينسب المهدي إلى بيت النبي(ص)، ولأن هذه العقيدة لا أساس لها في كتاب الله لفقت الأخبار وألصقت على لسان العديد من الصحابة حتى لا ينازع أحد في ثبوت هذا المهدي ومجيئه، ومن هؤلاء الصحابة:

1- عثمان بن عفان، 2- علي بن أبي طالب، 3- عبد الرحمن بن عوف، 4- طلحة بن عبيد الله، 5- الحسين بن علي بن أبي طالب، 6- عائشة، 7- حفصة، 8- أم سلمة، 9- أم حبيبة، 10- صفية بنت حُيَيْ، 11- عبد الله بن عباس، 12- عبد الله بن مسعود، 13- عبد الله بن عمر بن الخطاب، 14- عبد الله بن عمرو بن العاص، 15- أبو سعيد الخدري، 16- جابر بن عبد الله 17- عمار بن ياسر، 18- أنس بن مالك، 19- عوف بن مالك، 20- معاوية بن أبي سفيان، 21- ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 22- حذيفة بن اليمان.

هذا بخلاف أقوال التابعين إما كمراسيل –أي هي من أقوال النبي ولكن بدون ذكر الصحابي- أو من أقوالهم أنفسهم. ونظرا لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة فقد ادعى بعض العلماء تواتر هذه الأحاديث وألفوا في ذلك الكتب، وفي هذا يقول الأستاذ محمد عمراني: وأفردها آخرون بالتأليف، بل وادّعى لها التواتر! آخرون أمثال: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (1172-1255 هـ/1839 م) في كتاب التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر!، والدجال، والمسيح. أبي خيثمة، زهير بن حرب النسائي، نزيل بغداد (160-238). ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته ولم يصلنا. أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (336-430)هـ في كتاب: المهدي، يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي (من علماء القرن السابع) في كتاب: عقدُ الدُّرر في أخبار المنتظر. أبي عبد الله، شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي الشهير بلقب: ابن قيِّم الجَوْزِيَّة (691-751هـ) في: المنار المنيف في الصحيح والضعيفكفتوى أجاب فيها عن سؤال ورد إليه عن خبر: لا مهدي إلا عيسى بن مريم، أبي الفداء، إسماعيل بن كثير الدمشقي (701-774هـ) في كتاب: الفتن والملاحم، أبي الحسن، نور الدين، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (735-807هـ) في جزئه السابع من مجمع الزوائد ونبع الفوائد: (باب ما جاء في المهدي) مستعرضاً لها ولرجال سندها في باقي الأصول التي أوردتها. وكذلك خصص باباً للمهدي في كتابه: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبانوهي الزيادات التي أضافها الهيثمي على ما أورده الحافظ أبو حاتم، محمد (ابن حبان) بن أحمد البُسْتي (ت: 354هـ) في كتابه: التقاسيم والأنواعوخص الهيثمي ذلك بعنوان: باب ما جاء في المهدي..7 أبي الفضل، شهاب الدين، أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي المصري (794-852هـ) في كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر. جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849-911هـ) في رسالة سماها: العرف الوردي في أخبار المهدي، حيث لخص فيه الأربعين أثراً التي أوردها أبو نعيم وأضاف لها زيادات إلى أن بلغت ما ينيف عن 236 خبراً معْزُوَّةً إلى من رواها من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين وإلى من خرجها في كتابه، دون ذكر السند كله. والرسالة توجد ضمن كتابه: الحاوي للفتاوِيوهو أشملها. وكل من جاءوا بعده عالة عليه فيما جمع منها. علاء الدين، علي المتقي بن حسام الدين الهندي البًرْهانفوري (ت 97هـ) في كتاب: كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال: خروج المهدي، وغير هؤلاء، ممن جاءوا بعدهم، ممن أدخلوا هذه الأخبار تصنيفاتهم دون أن يضيفوا جديداً إلى الموضوع.اهـ

ولا يغرن القارئ هذه الكثرة فليس معنى ورود الأحاديث عن أربعين صحابيا أنها وردت عنهم من أربعين طريقا، فقد يرد الحديث عن عشرة من الصحابة ويكون من طريق واحد فقط فلا عبرة بالعشرة والعبرة بهذا الواحد. وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل الأحاديث الواردة في هذا الباب بهذا الحجم فعلا أم أنها من باب المكاثرة؟

يجيب فضيلة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود فيقول: إن هذه الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء، فطائفة أنكروها مما يدل على أنها موضع خلاف من قديم بين العلماء، كما هو الواقع من اختلاف العلماء في هذا الزمان. ومنها: أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم، ولم يدخلاها في كتبهما، مع رواجها في زمنها، وما ذاك إلا لعدم ثباتها عندهما، كما أنه ليس للمهدي ذكر في القرآن، مما يقلل الاحتفال بها. ومنها: تناقض هذه الأحاديث و تعارضها في موضوعها، فمهدي اسمه اسم الرسول، اسم أبيه اسم أبيه، ومهدي اسمه أبو عبد الله، ومهدي يشبه الرسول في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، ومهدي يصلحه الله في ليلة، ورجل يخرج هاربا من المدينة إلى مكة، فيبايع له بين الركن والمقام ورجل اسمه بن حران، يوطئ أو يمكن لآل محمد، ورجل يخرج من وراء النهر، ورجل يبايع له بعد وقوع فتنة عند موت خليفة، ورجل أخواله كلب، وتأتيه الرايات السود من قبل العراق، وأبدال الشام، ومهدي يصلي عيسى بن مريم خلفه، ومهدي يقال له بحضرة نبي الله عيسى: صل أيها الأمير، فيقول: كل إنسان أمير نفسه، تكرمة الله لهذه الأمة. فهذه وما هو أكثر منها، مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله، وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته، وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها، فضلا عن تصديقها.

ثم إن عادة العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين، أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته، تقليدا لمن سبقه، كما ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد، فينقلها، ثم يردها إليه ذكر ذلك في ترجمة ابن سعد، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلى حتى أثبته في كتابي، وكذلك سائر علماء كل عصر، ينقل بعضهم عن بعض، فمتى كان الأمر بهذه الصفة فلا عجب متى رأينا أحاديث المهدي تنتشر في كتب المعاصرين لأبي داود كالترمذي وابن ماجه، لخروج الحديث من كتاب، إلى مائة كتاب، وانتقال الخطأ من عالم إلى مائة عالم، لكون الناس مقلدة، وقليل منهم المحققون المجتهدون… اعلم أن أحاديث المهدي تدور بين ما يزعمونه صحيحا و ليس بصريح، وبين ما يزعمونه صريحا وليس بصحيح، وأننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا صريحا يعتمد عليه في تسمية المهدي، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم فيه باسمه.([2])

ضعف روايات المهدي

ولقد أثبت ضعف روايات المهدي كلها بعض المحدثين مثل الأستاذ محمد عمراني في كتابه: المهدي اللامنتظر لا عند اليهود ولا عند الشيعة ولا عند السنة ولا عند والبرتغال، وأتى على هذه الأسطورة من جذورها، فلقد ناقش فكرة المهدوية في الحضارات المختلفة، وكيف أنها تصبغ في كل حضارة بما يناسبها فتتمظهر بالمظهر الجديد، وناقش الأسباب التاريخية السياسية لظهور فكرة المهدي عندنا في الإسلام، والأهم من كل هذا هو مناقشته لأسانيد الأحاديث الواردة في المسألة، لأنك لو أتيت أهل الحديث بتراب الأرض أدلة على بطلان الحديث بدون أن تنقد السند فليس قولك بشيء، وقد ترمى بالضلال والزيغ، وناقش الأحاديث وأثبت ضعفها سندا ووضعها متنا. وكذلك ناقش روايات المهدي وأثبت ضعفها الأستاذ المحدث عداب محمود الحمش في كتابه: المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية دراسة حديثية نقدية، وأثبت في هذا الكتاب بطلان هذه الروايات وضعفها، وخرج من بحثه للأحاديث الواردة عن المهدي عند أهل السنة بالنتائج التالية:

1- الأحاديث الموضوعة التي ذكر فيها المهدي صراحة عشرة أحاديث لم يبلغ درجة الاحتجاج منها شيء.

2- الأحاديث المرفوعة غير المصرحة بالمهدي لا يصح حملها على المهدي.

3- الآثار الموقوفة على الصحابة المصرحة بالمهدي لم يصح منها شيء.

وناقش المؤلف الشيعة في المهدي والذي هو عندهم من أصول الدين؛ فوجد أنهم يحتجون بـ: 5303 حديث، ولاستحالة مناقشة هذا العدد من الروايات اقتصر المؤلف على مناقشة روايات ولادته بحيث إذا ثبت ضعف وبطلان روايات ولادته ووجوده؛ فما قيمة روايات من رآه أو كلّمه؟ وعندما أثبت ضعفها خلص إلى بطلانه أيضا عند الشيعة.

وحتى يكون القارئ على بينة من أمره في أن خرافة المهدي هذه كانت مرتبطة بالظروف السياسية في العصر الأموي والعباسي ومرتبطة بالصراع العلوي العباسي تحديدا، وأنها كانت فكرة هلامية غير محددة المعالم، وأن كل من الفريقين كان يضع الأحاديث ليثبت صفه نذكر للقارئ عددا من المهاديالذين قيل بهم ودُعي إليهم عند الشيعة.

المهادي عند الشيعة

1- علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عند السبئية الذين زعموا أن عليا هو الإله! ولما استشهد علي رضي الله عنه زعم بن سبأ أنه لم يمت وأن بن ملجم إنما قتل شيطانا تصور بصورة علي، وأنه مختف في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد هذا ويملأها عدلا وينتقم من أعدائه.

2- محمد ابن الحنفية عند فرقة الكيسانية هو المهدي المنتظر والذي يفعل كذا وكذا.

3- محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، قالت فرقه: هو حي لم يمت مقيم في جبل يقال له العلمية، فهو عندهم مقيم فيه حتى يخرج.

4- الإمام محمد الباقر واتباعه الباقرية يرون أنه لم يمت وهو المهدي المنتظر!!.

5- محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، الذي خرج بالمدينة.

6- المغيرة بن سعيد العجلى وذلك أنه لما قتل المغيرة اختلف اصحابه فمنهم من قال بانتظاره ورجعته ومنهم من قال أنهم ينتظرون رجعة محمد النفس الزكية الذي لم يمت قبله!

7- جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، قالت فرقته: إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وهو القائم المهدي، وروت عنه فرقة الناووسية أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم!!

8- إسماعيل بن جعفر، أنكرت فرقة موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا كان ذلك على سبيل التقية والتعمية على الناس لأنه خاف فغيَّبَه عنهم، وزعموا أن اسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده.

9- محمد بن إسماعيل، وفرقته المباركية: من الإسماعيلية أصحاب المبارك، يعتقدون أن الإمام بعد جعفر لابنه الأكبر إسماعيل ثم ابنه محمد وهو خاتم الأئمة والمهدي المنتظر.

10- محمد بن عبد الله بن جعفر المعروف بالأفطح، قالت فرقته أن لعبد الله الأفطح ابنا ولد له من جارية يقال له محمد، وأنه تحول بعد موت أبيه إلى خراسان فهو مقيم بها وأنه حي إلى اليوم وأنه الإمام بعد أبيه. (إذا فحبكة خرافة ابن العسكري ليست جديدة)

11- زكريا ابن محمد الباقر، وأتباعه الحاضرية: يقولون إن الامامة بعد محمد الباقر لابنه زكريا وهو مختف في جبل الحاضر لا يخرج حتى يؤذن له.

12- موسى بن جعفر، وقد أدعت مهدويته أربع فرق من أتباعه وزعمت أنه القائم، وأنه حي لا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها و يملأها كلها عدلا كما ملئت جورا وأنه القائم المهدي.

13- عبدالله بن معاويه بن جعفر ذي الجناحين، وأتباعه الجناحية:، يزعمون أن عبدالله بن معاويه بن جعفر حي لم يمت وأنه بجبل من جبال أصبهان ينتظر الخروج كغيره!!.

14- محمد علي بن محمد بن علي بن موسى، وكان قد توفي في حياة أبيه بسر من رأى، فزعمت فرقة أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، وإن ظهرت وفاته في حياة أبيه فإنه لم يمت في الحقيقة ولكن أباه خاف عليه فغيبه، وهو الإمام القائم وأنه سيخرج.. إلخ القصة. هذا ولم نذكر باقي المهادي وأهمهم طبعا محمد بن الحسن العسكري والذي لا تزال تنتظره الشيعة حتى الآن.

والنهج الذي اتبعه مؤلفي هذه الخرافة هو نهج المكاثرة وادعاء التواتر فمن كفر خرج من الملة، وهذا النهج سنجده كذلك عند الشيعة في ترسيخهم خرافة المهدي، ولنر كم من الروايات التي وردت عند الشيعة في هذه الخرافة والتي لا أصل من كلام الرسول، وسنلاحظ أن هذه الروايات متقاطعة في أحيان كثيرة مع الروايات عند أهل السنة، فليس معنى أنها روايات المهدي عند الشيعة أنها لا وجود لها عند السنة، بل سنجد لها وجود حاضرا عند السنة، والآن إلى الروايات.

روايات المهدي عند الشيعة الإمامية

1- البشارة بظهوره 657 رواية.

2- أنه من أهل بيت النبي الأكرم 389 رواية.

3- أنه من أولاد فاطمة الزهراء عليها السلام 192 رواية.

4- أنه من أولاد علي 214 رواية.

5- أنه التاسع من أولاد الحسين 148 رواية.

6- أنه من أولاد الإمام زين العابدين 185 رواية.

7- أنه من أولاد الحسن العسكري 146 رواية.

8- أنه يملا الأرض قسطاً وعدلاً 132 رواية.

9- أن له غيبة طويلة 91 رواية.

10- أنه يعمر عمراً طويلاً 318 رواية.

11- الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت 136 رواية.

12- الإسلام يعم العالم كله بعد ظهوره عليهم السلام 27 رواية.

13- الروايات الواردة حول ولادته 214 رواية.

ويعلق الإباضية المنكرون لهذه الخرافة بشقيها حول هذا الكم الرهيب من الروايات قائلين:

أولاً: ما مقداره ثلاثة مجلدات من هذه الروايات ليست أحاديث منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي مرويات عن (الأئمة) أي أئمة البيت العلوي، وهذه لا يشك عاقل أنها ليست وحيا سماويا، بل هي أقوال بشرية، فيمكننا استبعادها من القائمة تماماً (أي قائمة الإلزام لنا، أما قائمة المناقشة لإخواننا الشيعة فسوف ندخلها لأنهم يلتزمون بها)، أما العقلاء من البشر فيخضعون للوحي الإلهي، والوحي قد انقطع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم أن أحداً من آل البيت العلوي قد ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: هناك خلط واضح بين الروايات الأصلية وطرقها، فتكون الرواية في كثير من الأحيان واحدة ولها طرق كثيرة جداً، وهذه الكثرة في الطبقات العليا مصدرها واحد أو اثنين فتعود في نهاية الأمر رواية واحدة، على سبيل المثال قد يروي الرواية أبو عبدالله جعفر الصادق فيرويها عنه من تلاميذه العشرات، ويرويها عن العشرات مئات، وعن المئات آلاف فتدون على تلك الحال، لكنها في حقيقة الأمر رواية واحدة لها طريق واحد فيأتي من لا يفهم هذه –أو يفهم- فليلبس على الناس دينهم ويقول إنها آلاف الطرق ويدعي تواترها. (وهذه المسألة معكوسة عندنا في أهل السنة، فقد نجد الرجل الواحد في أسانيد العديد من الروايات المنسوبة إلى الكثير من الصحابة، فمن يرى الروايات يظن أنها متواترة مع انحصار طرقها في منتصف السند في طرق قليلة جدا!)

ثالثاً: أتساءل ما هي طرق الرواية عند إخواننا الشيعة؟، من خلال تتبعنا لكتبهم الحديثية للكافي وبحار الأنوار ومن لا يحضره الفقيه والاستبصار وغيرها، وجدنا أن روايتهم لا بد أن تمر من طرق آل البيت (في أغلب الأحيان، والذي أستطيع أن أجزم به الآن أنها تتجاوز 95%)، فعلى هذا هي روايات آحادية ليس لها إلا منفذ واحد لا بد أن تمر عليه، وهم أحد آل البيت العلوي، وليست متواترة (وفق أساسيات علم الحديث الكلاسيكي)، فنستطيع بعد هذا أن نخفض من عدد الروايات بمقدار يصل إلى آلاف الروايات، ونستطيع أن نجعلها كلها طريقاً واحداً، على سبيل المثال طريق أبي عبدالله جعفر الصادق.

فبمثل هذا النهج المكاثر لدى الشيعة تضخمت روايات المهدي عندنا في أهل السنة وتشنج من أجلها المتأخرون، لأن من يرد هذه الروايات فهو يهدم بيضة الإسلام، وهم الذابون عنها في مواجهة المشككين في الدين. وبغض النظر عن الطعن في الآخرين نأخذك عزيزي القارئ معنا في جولة لتعلم أن المهدي شخصية هلامية، جمعت الروايات الواردة فيه والمتناقضة والتي تسقط بعضها لتكون في نهاية المطاف شخصية من تركيب أهل الحديث للصفات الواردة في الروايات المختلفة ليظهروا في آخر المطاف بمهدي واحد لا خلاف فيه.

المهادي

هناك مهدي اسمه يوافق اسم رسول الله واسم أبيه يوافق اسم أبي الرسول، إذا فهناك مهدي اسمه محمد بن عبدالله.

وهناك مهدي اسمه السفاح، كما جاء عند نعيم بن حماد وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم في بعض الروايات: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان، وظهور من الفتن، يكون عطاؤه حثياً، يقال له السفاح

وهناك مهدي اسمه أحمد بن عبدالله، كما جاء في بعض الروايات: فإذا كان ذلك نادى مناد من السماء: ألا أيها الناس: إن الله قطع عنكم مدة الجبارين والمنافقين وأشياعهم ووليكم خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالحقوا بمكة فإنه المهدي واسمه (أحمد بن عبدالله)…

وهناك مهدي اسمه المنصور، كما عند ابن حماد في الفتن: المنصور مهدي يصلي عليه أهل والسماء الأرض، وطير السماء، يبتدي بقتال الروم والملاحم عشرين سنة، ثم يقتل شهيداً في الملحمة العظمى هو وألفين معه كلهم وصاحب راية. ولم يصب المسلمون بمصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم منها.

وهناك مهدي من نسل العباس عم النبي، كما جاء عند أبي نعيم في الحلية: يا عباس، قال: لبيك يا رسول الله، فقال: يا عم النبي إن الله ابتدأ بي الإسلام، وسيختمه بغلام من ولدك وهو الذي يتقدم لعيسى بن مريم

وهناك مهدي هو عيسى بن مريم، كما جاء عند ابن ماجه … ولا مهدي إلا عيسى بن مريم.

وهناك مهدي عربي اللون، إسرائيلي الجسم، كما جاء في وصفه عند أحمد وابن ماجه: اللون عربي والجسم جسم إسرائيلي([3])

وهناك مهدي من بني إسرائيل، كما جاء عند نعيم بن حماد: أنه رجل من بني إسرائيل. وهناك مهدي من أهل البيت ولكنه سيحكم بحكومة آل داود، كما جاء في الرواية: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل مني يحكم بحكومة آل داود ولا يُسأل بيّنة، يعطي كل نفس حقها، وهناك مهدي حسني النسب وآخر حسيني وآخر هاشمي وآخرون، فلكل فرع مهديه!، ونعطيك ملخصا بالمهادي:

1- مهدي يخرج من إثني عشر خليفة يستقيم بهم الدين. روى أبو داود في سننه عن جابر بم سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة. ثم قال كلمة فقلت لأبي ما قال؟ قال: كلهم من قريش على فرض صحة الحديث، أين المهدي؟ الرسول يتكلم عن خلفاء لا عن مهدي، والعجيب أن الشيعة يستدلون بنفس الحديث على الأئمة، والحديث لا علاقة له لا بهؤلاء ولا هؤلاء، وليس هو صحيح من المبتدأ بل هو من الموضوعات!

2- ومهدي استخرجوه من الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن طريق أبي نعيم عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا.الحديث على فرض صحته يتكلم عن حاكم صالح في آخر الزمان، فأين المهدي في الموضوع، ثم إن الحديث واضح التشيع، فالحديث عن على وهو يقول منا! أي من آل البيت!

3- ومهدي استخرجوه من الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي منى أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يمكث في الأرض سبع سنين. نعم الوصف والتحديد! أجلى الجبهة أقنى الأنف! كم ألف ألف واحد ينطبق عليه الوصف؟!

4- ومهدي استخرجوه من الحديث الذي رواه أبو داود عن أم سلمة، وفيه يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي من عترتي، ومن ولد فاطمة.والحديث ضعيف.

5- ومهدي يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة إلى مكة، فيبايعونه بين الركن والمقام. استنادا إلى ما رواه أبوداود عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فتخسف بهم البيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، أو قال: بيعة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيه، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى، ويصلى عليه المسلمون.. وبعد قراءة هذا الحديث أفكر: ما فائدة هذا الحديث وما هو الخبر الذي يقدمه لنا، فهو يبدأ بالإخبار عن حصول اختلاف عن موت خليفة! هذا طبيعي، ثم يخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، من الرجل ولماذا هرب من المدينة إلى مكة؟! فيأتيه ناس من أهل مكة، من هم هؤلاء الناس ولماذا أتوه؟ ومن أين يخرجونه وهو كاره ولماذا هو كاره ماذا؟ وما معنى أن ينشأ رجل من قريش؟ وهل هذا الرجل هو المهدي أم أنه الرجل السابق الذي فر وبويع وهو كاره. العجيب أن هذا الحديث قدم مهديين وليس مهديا واحدا، ولكنهما مبهمان فليس في الحديث وصف واحد يجدي في التعرف عليهما، لا قدم وصفا واحدا مميزا هو أن المسلمين سيصلون عليه!

6- ومهدي يخرج من وراء النهر يقال له: الحارث بن حران، وعلي مقدمته رجل يقال له: منصور، يُمكّن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم.استنادا إلى ما رواه أبو داود بسنده إلى علي بن ألي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث بن حران على مقدمة رجل يقال له: منصور، يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت على كل مؤمن نصرته أو قال: إجابته«

7- ومهدي يُصلح في ليلة، استنادا إلى ما رواه الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه: قال رسول الله: المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.

8- ومهدي قال فيه رسول الله: إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون ذلا وتشريدا من بعدي حتى يأتي قوم من المشرق معهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه.

9- ومهدي هو عيسى بن مريم، استنادا إلى ما رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحاً، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، وما المهدي إلا عيسى بن مريم.

بأمثال هذه الروايات العامة المبهمة غير الصحيحة أدخل الإيمان بالمهدي في دين الله عزوجل. والملاحظ في هذه الروايات التحديد الشديد لشخصية المهدي، فهناك بعض الروايات تذكر اسما واحدا للمهدي وهناك منها ما يذكر اسمه واسم قائده كذلك… إلخ تلكم الأوصاف المرتبطة بحوادث تاريخية معروفة في زمانها.

والعجيب أن السادة علماء الحديث يدافعون عن هذه الأحاديث على الرغم من تاريخانياتها الواضحة، فهناك رايات سود، ونسألهم لمن في التاريخ كانت الرايات السود؟ وهناك مهدي اسمه المنصور وآخر اسمه السفاح ونسألهم: ألم يكن هناك بعض الخلفاء يحملون هذه الأسماء؟ وبغض النظر عن كل هذا فإننا لا نزال نرى في الروايات ذلك التصور اليهودي للمنتظر الذي يصلح كل شيء بحد السيف، والذي يغير وجه الأرض في أيام معدودات. وما قيل في نزول عيسى بن مريم ومناقضته لأصول الدين يقال هنا.

إن الإصلاح والتغيير الواقعيين يحتاجان إلى أيام وشهور وسنين بل ومن الممكن أن يحتاج إلى عشرات السنين، أما أن ينصلح شأن الأمة بين ليلة وضحاها لمجرد وقوع بعض الحروب وانتصارات للمسلمين فلم ولن يحدث بأي حال. إن المدينة الفاضلة لا تحدث بين ليلة وضحاها وإنما نتيجة لغرس طويل مستمر للقيم والأخلاق وبذلك نخرج أجيالا من المهادي السوبرمان، أما ذلك التصور الوهمي المهدوي فهو تصور خرافي مصادم للواقع ولحال الناس وللقرآن. ولست أدري صراحة لم سمي مهديا، الأولى أن يسمى السفاح كما جاء في بعض الروايات فهو لم يأت إلا بالقتل، كما رووا في تلك الرواية المزعومة عند ابن حبان أن الرسول الرحمة قال لقريش: لقد جئتكم بالذبح! فهذا الرجل جاء بالتقتيل لا بالحوار والدعوة فكيف يصير مهديا؟ الله وحده أعلم. ونظرا لأن اللفظ لا مقابل له على أرض الواقع جاءت بعض الروايات التي تبرر لم سمي مهديا، فقالت لأنه يُهدى إلى جبل فيستخرج التوراة فيحكم بها وقيل وقيل ولكن لا دليل واحد صريح في المسألة من بابها.

نقض فكرة المهدي

انتقد كثير من العلماء والمفكرين فكرة المهدي، وقام بعض شيوخ الحديث بنقض أسانيدها في كتب كاملة وأثبتوا ضعفها، فمن أراد البحث في الأسانيد وأحوال الرجال فليرجع إلى تلك الكتب، أما هنا فليس غايتنا إثبات ضعف الأحاديث سندا، وإنما اجتثاث هذه الخرافة من أصولها ليعلم القارئ أن هذه الخرافة أدخلت في دين الله عزوجل وأنها ما أنزل الله بها من سلطان، وكما نقضنا فكرة نزول المسيح أو بعثه سننقض فكرة خروج المهدي من السرداب أو ولادة مهدي يهدي الأمة:

أول شيء نلاحظه أن لا ذكر للمهدي في القرآن بتاتا ولا إشارة إليه، وهذا وحده أكثر من كاف لإسقاطه من العقائد، فالعقائد لا تذكر إلا صراحة في القرآن لأنه ليس فيها إجمال أو إشارات كما يأتي في بعض الأحكام الفقهية أو الأوصاف العلمية، أما العقائد فواضحة صراح لا لبس فيها. وإذا غضضنا الطرف عن عدم ذكر القرآن للمهدي هل ذكر القرآن أي إشارة لعصر وردي مثل عصر المهدي المزعوم؟ لا توجد أي إشارة إلى عصر وردي يسيطر فيه الحق بل يقول القرآن أنه لن يحدث أن يصبح المسلمون هم أكثر سكان العالم، وسيظل أكثر الناس غير مومنين (وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٠٣) [سورة يوسف,١٠٣]، وإذا كان أكثر الناس غير مؤمنين فلا بد أن يكون هناك صراع بين الخير والشر، بين الكفر والإيمان. كما أنه لا بد من وجود تدافع بين الناس ( وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ ٢٥١) [سورة البقرة,٢٥١]، فالقرآن يلغي من فكر الناس ذلك المجتمع الطوباوي ويعلمهم أن الحياة واقع يختلط فيه الخير بالشر، بل ويختلطان داخل الإنسان الواحد نفسه، لذا لا مدينة فاضلة على الأرض إلا في أحلام وأوهام البسطاء والفلاسفة لذلك لن تملأ الأرض أبدا عدلا كما ملئت جورا!

وكثيرا ما نقرأ وخاصة في كتابات الشيعة عن ضرورة المهدي وأنه من تمام الإيمان بالله ومن ضروريات إكمال الغرض من خلق الإنسان على وجه الأرض! ونقرأ كلاما إنشائيا جميلا، ولكن يحق لنا أن نتساءل: هل هذا المهدي مبعوث من عند الله، أي أنه بعبارة أخرى نبي تابع يشبه الميرزا غلام أحمد أم أنه مجرد رجل صالح؟ سيجيب الجميع: بل هو مجرد رجل صالح. نقول: على تصوركم هذا فلقد سبق الرجل الصالح أنبياء الله كلهم أولا وآخر، وهو وإن كان الأخير زمانه فقد أتى بما لم تأت به الأوائل من الأنبياء، ويثبت أن الأنبياء لم يؤدوا واجبهم كما ينبغي، أو أن الله لم ينصر أنبياؤه النصرة الكافية. فإذا نحن نظرنا إلى حال الأنبياء سنجد أن النبي كان يبعث إلى قوم قليل عددهم في مجتمع بدائي –وليس متخلفا– بسيط، فيدعوهم إلى عبادة الله وترك شين الأعمال، فيؤمن به بعض من قومه، ويناله الاضطهاد والتعذيب والأذى من آخرين بل ومنهم من قُتل في سبيل الله، وهكذا يظل النبي يدعوا قومه حتى تأتيه المنية فيقوم أتباعه بحمل رسالته من بعده ويعملون على نشرها، ودعوى كل نبي انتشرت حسب اجتهاد أتباعه وإيمانهم برسالته، وهذه سنة الله التي ما تخلفت مع نبي واحد.

فإذا نحن نظرنا في حال السيد المهدي فسنجد أنه سيخرج في مجتمع تعقدت أدواته وكثرت علاته وتشعب البشر فيه تشعب الدغل، فيصلح حال الناس كلهم –مؤمنهم وكافرهم أو لا يبقى كافر من الأصل! فيكون القرآن كاذبا– في أيام معدودات أو شهور قليلات ولا يصيبه أذى أو ضرر ويظل يحكم بالعدل سنين سبعا أو تسعا. ويحق لنا أن نقول في هذه الحالة أن هذا المهدي أكرم على الله من أنبياءه ومن كل خلقه، حتى أنه خرق له سننه وأمنه من خلقه تأمينا لم يؤمنه لنبي قبله، فنخرج من هذا أن المهدي أفضل من كل الأنبياء والرسل أو أن الله ما أيد الأنبياء السابقين كما ينبغي! كما نخرج من فكرة المهدي أن الله يُعلم الناس أنه لا صلاح لهم إلا بمبعوث يبعثه الله فيقاتل الناس فيهتدي الآخرون (معادلة رياضية جديدة: قتال + سفك دماء = هداية)، فبدلا من أن يكون عالما ربانيا لا مثيل له، يكون مقاتلا فذا لا نظير له، ولا تذكر الروايات كيف ينصلح حال الناس مع المهدي والمسيح وآليات الإصلاح الجبارة التي تصلح الناس والتي لم تعط لنبي سابق حتى أن الكوكب كله لم ينصلح مع الرسول! وتعيش الأرض في بلهنية من العيش لم تنعم بها من قبل.

فإذا نحن انتقلنا إلى النعيم والبلهنية التي سيقدمها لنا المسيح والمهدي سنجد أن كثيرا من سكان الأرض تجاوزوها منذ زمن طويل، فالنعيم المذكور في الأحاديث كان تصور واضعي الروايات للنعيم، فما كان يخطر ببال أحدهم أنه سيكون هناك طائرات وقطارات وخلاطات وعصائر وأنواع من السكاكر والحلويات يستطيع الفقير أن يصل لها بكل سهولة، وما كانوا يتخيلون متعة اسمها تلفاز أو شبكة معلوماتية –أعدها أنا من أكبر نعم الله على خلقه بعد الإسلام!-، فكان النعيم في تصورهم تصورا خرافيا وهميا يضخم الأمور ويعطيها هي والرمان! حجما أكبر من حجمها الطبيعي.

كما نخرج من هذه التصورات بأن هذا المهدي حتمية دينية إسلامية لا بد من تحققها قبل القيامة، بدليل الحديث الذي يقول أنه لو لم يبق في الدنيا إلا يوم لأطاله الله من أجل أن يلي ذلك المهدي! –وهذا الحديث التشاؤمي ناسف للأحاديث التي تحدد مدة حكمه بسبع أو تسع سنين!-، ويحق لنا أن نسأل: لم هو حتم ولزام أن يملك واحد من ذرية النبي المصطفى قبل قيام الساعة؟! نقول: إن سبب ورود الرواية لا تخرج عن احتمالين:

الأول: أن ذلك كان نوعا من رفع الروح المعنوية عند الشيعة ومن أحلامهم بعودة الملك إليهم بعد ضياعه، وهو الاحتمال الذي أرجحه.

والاحتمال الثاني: أنه تصور ذو أصل يهودي، وهو قد لا يكون معلوما إلا لدارسي مقارنة الأديان، وهو أن هناك تصورا يقول أن النبي(ص) لم يؤت الملك وإنما أوتي النبوة فقط، فلا بد لكي يتحقق الملك في دين الإسلام أن يخرج من نسل الرسول من يحكم ويملك. وهذا يعني أن الرسول لم يكن ملكا، وهذا مرفوض بداهة!، فالرسول كان ملكا بل هو أجل وأعظم ملوك الأرض وقدم للبشرية النموذج الصالح للمجتمع المثالي المتمثل في الصحابة، ولكن اليهود شوهوا هذا التصور.

ونعود فنسأل مرة أخرى: لماذا لا بد أن يخرج من نسل الرسول من يحكم؟ لا أجد ولا يجد أي إنسان تبريرا معقولا لحتمية خروج من يحكم من نسل الرسول هذا إذا استطعنا التأكد في زمننا هذا والأزمنة القادمة التي ستتخلف فيها الأرض! وتضيع الوثائق وتندثر الحضارة فيظهر المثلث الخرافي الدجال وينزل المسيح -ويأتي المهدي أن المهدي من نسل الرسول!-. فالحاكم الصالح يكون من نسل الرسول ويكون من غيره، أما إذا كانت الرواية تطبخ في وقت يُتصارع فيه على السلطة قريب من الرسول معلوم فيه أنساب الناس ولا يستطيع أحد أن يزور نسبه وينسب نفسه إلى الرسول([4]) فلا بأس أبدا من القول بذلك.

والعجيب أن أهل السنة ينكرون على الشيعة قولهم بالنص على الإمام وهم يقولون به، فهم يرون أن المهدي حاكم مبعوث من عند الله، وهذه النظرية هادمة لمبدأ الشورى تماما كما هدمه الشيعة الأواخر، وأنا أسأل: ما حكمي إذا لم أكن من الذين سيبايعون المهدي بين الركن والمقام ورأيت أن هذا الرجل لا يصلح؟، لأنه رجل فاسد فاسق، ثم فجأة أطال لحيته وادعى أن الله هداه في ليلة –ليتذكر القارئ أن الله يصلح المهدي في ليلة، أي أنه قبل ذلك لم يكن صالحا!-، فقمت أنا ومئات الملايين من المسلمين بمبايعة رجل صالح نعرف صلاحه طيلة عمره، فهل سنصبح بهذا الموقف كافرين منكرين للنص على الإمام المهدي، أم أنه لا حرج علينا لأن العبرة في المبايعة بشروط صلاحية الإمام، وعدد المبايعين؟ ومن سنبايعه صالح طيلة عمره أما هذا فيدعي أنه هُدي في ليلة فهل نصدق قول واحد ونكذب فعلا نراه بأعيننا؟ إذا قال علماء أهل السنة بتكفيري أنا والمبايعين أو بتفسيقنا فقد وقعوا في نفس المأزق الذي وقع فيه علماء الشيعة، عندما وجدوا من يرد إمامة أئمتهم بحجة أنه لا نص عليها في القرآن فاخترعوا مسألة النص في السنة وكفرو المخالفين ثم عادوا فقللوا الحكم واكتفوا بالتفسيق! لذا أسألكم علماء أهل السنة: ما حكمي: كافر أم فاسق؟

ويحق لنا أن نسأل: على فرض وجود هذا المهدي المنصوص عليه من الله –تعالى الله عن ذلك– كيف نعرفه، فإذا كان عيسى عليه السلام يفترض فيه النزول على جناحي ملكين لن نراهما، فكيف نميز هذا المهدي، هل نميزه بأنفه وجبهته أم ماذا؟ إن عمليات التجميل أصبحت رخيصة جدا هذه الأيام، وبغض النظر عنها فالمواصفات الواردة في الحديث تنطبق على آلاف الأشخاص وقد يسول الشيطان لثلاثة منهم فقط ممن درسوا الخرافة جيدا أن يدعوا أنهم المهدي، فماذا سنفعل تجاه هذا المأزق: ثلاثة محشورون بين الركن والمقام عند موت خليفة –لم يعد هناك خلفاء ولا أمراء مؤمنين حقيقة أو فعلا– يدعون أنهم المهدي. من نبايع فيهم أو نصدق؟

وعلى فرض ظهور مهدي واحد فقط، ألم يسمع العلماء عن شيء اسمه المخابرات أو مباحث أمن الدولة، واللذان هما كفيلان وكافيان لرد عقل كل مدع للنبوة أو المهدوية؟! تصور المهدي الذي يبايع له بين الركن والمقام تصور مبني وقائم على وجود العصبيات القبلية التي تستطيع أن تمنع تابيعها وتحميهم، أما الآن لو ادعى شخص أنه المهدي واحتمى بعشيرته في أي قبيلة عربية فالدولة قادرة على انتزاعه من بين عشيرته أو إبادتهم جميعا واستئصالهم كلهم، ولنا في بعض القواد العرب السابقين والمعاصرين قدوة سوء في الإبادة –طبعا ليس ضد مدعي مهدوية أو نبوة وإنما ضد معارضين-. فلو ظهر مدع نبوة وتكررت مأساة الحرم الذي حدثت عام 1400 فسيقبض على المدعي، هذا إذا لم يقتل في وقته وتنتهي دعوى المهدوية في وأدها وتفقد الأرض منقذها فتبكيه دهورا!

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه!

فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟! هل سيوحى إليهم أنه المهدي فيصبح وحيا أو إلهاما جماعيا ما سمعنا به إلا في كتب النصارى! هذا هو الحل الوحيد لهذه الإشكالية: فالرجل نفسه لا يعرف وكان فاسقا فاسدا فأصلحه الله، فليس معلوما بالصلاح وما أن أطلق لحيته حتى يسارع الناس بمبايعته بين الركن والمقام، ونسأل: لم، إلا إذا كان أوحي إليهم بذلك؟

أو أن مؤلفي هذه الروايات كانوا يتكلمون عن إمام من أئمة أهل البيت كان مختفيا وسيظهر في الحرم فيصرخ صارخ أن الإمام فلان في الحرم، فيسارع إليه الناس، فكانوا يمهدون بذلك لمبايعة هذا الإمام بن الركن والمقام فوضعوا الحديث في ذلك الغرض؟!! وكما يبدو فإن أوجه تفضيل المهدي على الأنبياء لا تقتصر على الهداية والسلطان والمنعة فقط ولكنها تمتد إلى القدرات الخارقة فليس الدجال بأفضل منه في شيء، فلذلك وجدنا رواية تقول: يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحاً وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمان

وبغض النظر عن التصور الساذج للنعيم، فيبدو أن الله يعطي المهدي كما أعطى الدجال، وكما لم يعط أي نبي من قبل، وحتى لو أدى ذلك إلى مخالفة قوله في كتابه والذي يقول فيه: (وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ ٩٦) [سورة الأعراف,٩٦] فالله يربط البركة بصلاح الناس، أما الروايات فتربطها بصلاح الحاكم المقاتل!

ونختم هذا النقض السريع بسؤال: هل سيعرف الناس أن الحاكم بأمر الله هو المهدي أم لن يعرفوا؟ بداهة سيعرفوا فقد ظهر الدجال ونزل المسيح –الذي لا أعرف كيف سيعرف الناس أنه المسيح؟!- فكيف لا يكون الحاكم بأمر الله هو الإمام المهدي الذي يهدي بالسيف؟ فإذا كان ذلك، ألا يعلم الناس بذلك أن الساعة على الأبواب وبذلك تنتفي بغتية مجيء الساعة؟ فالله تعالى يقول: (لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗ ١٨٧) [سورة الأعراف,١٨٧] ويقول أنها تأتي في إزدهار وتقدم وتجبر لسكان الأرض حتى يظنون أنهم قادرون عليها و الروايات تقول أنها ستأتي في تخلف وتدهور يعود فيه الناس إلى حرب بالسيوف وتأتي في زمن علم الناس أن الساعة على الأبواب فلقد ظهرت العلامات الكبرى للساعة –آخر علامات الساعة جاء مع النبي ولا علامة بعده (فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَا ١٨) [سورة محمّـد,١٨]– ولم يبق إلا سنوات معدودات اختلفت الروايات في تحديدها ولكنها لن تتجاوز المائة سنة على أي حال، فليلبس الناس المسوح وليترهبنوا فلا خير في حياة القيامة ستقوم في أي لحظة فيها! ونقول في آخر النقض: نعم لم يذكر القرآن شيئا عن المهدي، ولكن لما كان القرآن تبيانا لكل شيء، كان لا بد أن يوضح صحة أو زيف هذه الروايات، فقسنا روايات المهدي على أخبار القرآن فوجدناها تناقضها وتعارض محتواها فقلنا بردها. أما هؤلاء الذين لا يقولون بكمال القرآن ولا تبيانه ولا حاكميته فمن الطبيعي أن يقبلوا الروايات ويقبلوا المهدي ويرفضوا دلالات القرآن فعندهم الروايات حاكمة على كتاب الله تعالى.

وبهذا العرض السريع للضلع الثالث من أضلاع المثلث الخرافي، يظهر لنا أنه واه متهافت مثل سابقيه وأنه لا ينهض للمناقشة مع أي بحث علمي محترم. وبهذا يظهر لنا أن مثلث الخرافة هذا ساقط من قاعدته ولا يصلح إلا كقصص خرافية تحكى من أجل تسلية بعض العجائز. وبذلك نكون قد أثبتنا بطلان مثلث الخرافة والتكاسل والتواكل الموجود عند كثير من الناس وأبطلنا التصور المغوط عند كثير من الناس حول الإسلام من أنه دين يشغل القتل والتقتيل حيزا كبيرا من تصوراته، ورأينا أن الهداية تكون من عند الله عن طريق دعاة لا مقاتلين جبارين!


([1]) قالوا أن الإمام البربهاري ذكر تلك العقيدة مبكرا في كتابه السنة، ولكن كما أشرنا سابقا فالكتاب مشكوك في صحة نسبه إليه. وحتى لو صح نسبه فمنهج الكتاب منهج مغال يجمع كل ما يتعلق بالرواية لذا لا بد أن يذكر فيه هذه الروايات الخرافية التي انتشرت في عصره.

([2]) عبدالله بن زيد آل محمود الشريف، لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر

([3]) لعل القارئ يكون قد استنتج من الروايات الأخيرة ما هو مصدر عقيدة المهدي، فالخرافة أصلها يهودي صرف، ويجد الباحث عن كعب الأحبار حوالي 54 رواية في المهدي المنتظر، والله أعلم كم من الروايات التي كانت أصلا عن كعب ثم نسبت بعد ذلك إلى الرسول المصطفى!

([4]) يدعي بعض الحكام العرب في زمننا هذا انتسابهم إلى الرسول المصطفى، لذا قد يخرج المهدي اللامنتظر من بيوتاتهم فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا بسبب أجداده الذين هم من نسل النبي!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.