انشق القمر حقاً … ولكن

كعادة أي مجتمع إنساني يأتيه فرد بشر منه يطلب إليهم الإيمان بالله ويعلمهم أنه رسول الله إليهم! طلب أهل مكة من الرسول الكريم آية –وليس معجزة- تثبت أنه مرسل من عند الله!

فكان أن رد القرآن الكريم عليهم في مواطن عدة أن القرآن الكريم هو آية محمد وهو الدليل على أن محمد هو مرسل من عند الله, وأن من لا يؤمن بهذا القرآن لن يؤمن بغيره من الآيات! وتكرر هذا المعنى كثيرا في القرآن, وأصرح آية في نفي الآيات الحسية للرسول الكريم هي آية الإسراء والتي يقول الله تعالى فيها: “وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً [الإسراء : 59]”

فهذه الآية قاضية على أن الرسول لن يؤتى آيات يؤمن من أجلها القوم. إلا أن المشهور بين المسلمين أن القمر انشق/ انفلق للرسول استجابة لطلب المشركين! والمستند في هذا ليس كتاب الله وإنما روايات عديدة في كتب الحديث, مثل:

ما رواه الترمذي عن ابن مسعود: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر فلقتين فلقة من وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا. يعني: اقتربت الساعة وانشق القمر.
وعند الإمام أحمد: حدثنا معمر عن قتادة عن أنس ابن مالك قال: سأل أهل مكة النبي [ص] آية. فانشق القمر بمكة مرتين فقال: (اقتربت الساعة وانشق القمر). (وعلى هذه الرواية فالمفترض أن السورة نزلت قبل الانشقاق!! فلما حدث استدل الرسول بالآية!!!!)

وعند الإمام البخاري: عن عبدالله بن مسعود, قال: انشق القمر على عهد رسول الله [ص] فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم من السفار, فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال: فجاء السفار فقالوا ذلك .” اهـ

فهذا طرف من الروايات الواردة في الباب, فهل هذه الروايات صحيحة؟!

نقول: لا يمكن أن تكون هذه الروايات صحيحة بأي حال من الأحوال, لأسباب عدة:

أولها: أنها تعارض إصرار القرآن على رفض طلب المشركين آية حسية, فكيف يعارضهم ويكرر ذلك في سور نزلت بعد هذه السورة ثم يكون القمر قد انشق.

ثانيها: المعارضة البينة لما يقولون وبين مبنى السورة كلها, فالسورة كلها أتت للرد على طلب الآيات الحسية وضربت على ذلك الأمثلة البينة- وسنوضح ذلك عند تناولنا للسورة- فقلب السادة المفسرون الآية وجعلوا الآية الأولى إثبات للآية الحسية!

ثالثها: المخالفة البينة للغة! فالآية تتكلم عن انشقاق القمر والروايات تتحدث عن انفلاق القمر أو انفراقه! وشتان بين الاثنين, فالله يقول أنه انشق والشق لا يمكن أن يكون أبدا فرقا!

فالشق حتما غير الفرق! والشق والتشقق كما يفهمه كلٌ منا لا يعني أبدا الانفصال! فإذا أنت قلت: شققت الثوب أو الشيء, أو الجدار مشقوق! لا يفهم أحد على الإطلاق أن جزء الشيء مفصول عن الآخر وإنما يفهم أن هناك صدع وشق بين الجزأين وهناك جزء متصل. وليس الأمر مجرد استعمال يومي لنا قد يخطئ أو يصيب وإنما هذا ما تقوله اللغة, فإذا نحن نظرنا في المعاجم وجدنا أن ابن منظور يقول في اللسان:

” والشَّقُّ: الصَّدْع البائن، وقيل: غير البائن، وقيل: هو الصدع عامة. …….. والشَّقُّ: واحد الشُّقوق وهو في الأصل مصدر. الأزهري: والشُّقاق تَشَقُّق الجلد من بَرْدٍ أَو غيره في اليدين والوجه. ” اهـ

إذا فهذا هو معنى الانشقاق ونلاحظ أن معظم أصحاب المعاجم عند تعرضهم للفظة “شقق” لم يذكروا آية الانشقاق كنموذج للفظة! لأن المعنى الوارد في الروايات كتفسير لها يخالف اللغة فهي تقول بالفرق وليس بالشق! فكيف يذكرونها؟ ولو كان المعنى الوارد في الروايات محتملا للشق لما أهمله اللغويون! وما جاء في الروايات هو الفرق وهو كما جاء في المقاييس:

الفاء والراء والقاف أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين. من ذلك الفَرْق: فرق الشعر. يقال: فرَقْتُه فَرَقاً. ……… والفِرق الفِلْق من الشَّيء إذا انفَلَقَ، قال الله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطّودِ العَظِيم [الشعراء 63].” اهـ

ومعنى الشق واضح في الذهن وفي القرآن ولا يعني أبدا الانفصال النهائي بين الطرفين فمفردة “انشق” وردت في القرآن أربعة مرات هي:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر : 1], فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن : 37], وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة : 16], إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [الانشقاق : 1]

فهل واحدة من هؤلاء يمكن أن تكون بمعنى الفرق! وكل مشتقات “شقق” في القرآن بمعنى التصدع لا الفرق, فمثلاً:

… وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء … [البقرة : 74], وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ .. [الفرقان : 25], َيوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً … [ق : 44].

فنخرج من هذا بأن مؤلف هذه الروايات كان أعجمياً لا يعرف المعاني الدقيقة للسان العرب ولا القرآن ومن ثم قال بما قال وقُبل رأيه في زمن سادت فيه العجمة.

والسبب الرابع والأخير –ونذكره عرضا من باب الاستئناس- وهو أن التاريخ لم يذكر لنا واقعة فرق القمر هذه شيئا! ونحن لا نعول على هذه المسألة كثيرا ولكن هذا أيضا من المقويات.

ونبدأ الآن في تناول السورة تناولا سريعا لنؤكد ما نقول,  ونطلب إلى القارئ أن يحضر المصحف ليبصر ما سنقول:  

الناظر في السورة من أولها إلى آخرها يجد أنها ترد على الكافرين ردا مزلزلا وتخبرهم أنه لن يأتيهم آية حسية كما أتى السابقون لأنه إذا حدث وأتت الآية ولم يؤمنوا فسينزل الله بهم العذاب كما فُعل بالسابقين! فهذا قانون لا يتخلف –والعجيب المريب أن السادة المفسرين جعلوه متخلفا!- وأن القرآن كفاية لهم وموعدهم الساعة حيث سيكون مرجعهم إلى كذا وكذا.

فتبدأ السورة بقوله تعالى:” اقتربت الساعة وانشق القمر” فهي تخبر المشركين والكافرين أن الساعة قد اقتربت وأن القمر قد انشق! ونحن نجزم أن القمر قد انشق فعلا ولكنه لم ينشق للرسول الكريم, فربما مع تقادم الزمن عليه حدث فيه شقوق, وفي هذا إشارة إلى قرب الساعة, أو ربما انشق لرسول سابق طلب إليه قومه آية فأتتهم هذه الآية ولكنهم لم يؤمنوا, وأميل إلى الاحتمال الأول أكثر.

ثم ثنت فقالت: “وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر”, وعلى فهم المفسرين فالسورة تقول : اقتربت الساعة وانفرق القمر للرسول, ثم تناقض نفسها فتقول: وإن يرى المشركون آية يعرضوا ويقولوا … فإذا كان الوضع كذلك وهم سيعرضون فلم قدم الله لهم الآية ولم لم ينزل بهم العذاب؟!

“وإن يروا آية يعرضوا” هنا نلاحظ أن الله عز وجل استعمل صيغة المضارعة التي تفيد الدوام والاستمرار والاستقبال, أي أن حالهم إذا رأوا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر! إذا فعلى قولنا فالله تعالى يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر (ولا يزال هؤلاء مكذبين) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر! (فلن تجدي معهم أي آية حسية!)

“وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر” فإذا كانوا كذبوا بالقرآن واتبعوا الهوى فما الفارق بين القرآن وبين الآية الحسية؟ فكما فعلوا هنا فسيفعلون هنا!

“ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر” ولقد جاءهم في القرآن –وكذلك في السورة- من أنباء الأقوام المكذبين ما فيه الزجر الكافي!

“حكمة بالغة فما تغني النذر” فالقرآن حكمة بالغة! ولا يحتاج المرء بعده إلى إنذار, فإذا لم يكن فيه الكفاية فلن يكون في غيره!

“فتول عنهم” فهذا أمر من الرحمن للرسول بالتولي والإعراض عن المشركين! ولست أدري كيف يصدر هذا الأمر لمن استجاب لطلبهم! 

ثم تخبر السورة الكريمة أن التكذيب لم يكن دأب أو عادة أهل مكة فقط بل كان عادة كل الأقوام قبلهم, وكانت النتيجة الحتمية للتكذيب هي إنزال العذاب بالأقوام المكذبين لا محالة, وتبدأ السورة بعرض أول نموذج للتكذيب في السورة والتاريخ وهو تكذيب قوم نوح لسيدنا نوح, فلقد كذبت قوم نوح واتهموه بالجنون فدعا الله أن ينصره على المكذبين فنزل بهم العذاب ونجى الله سيدنا نوح والمؤمنين معه!

 ثم يختم الله تعالى القصة بالفاصلة التي ستتكرر في كل قصص السورة وهي قوله تعالى: “فكيف كان عذابي ونذر” والآية أسلوب تعجب معروف أي كيف كان شدة عذاب الله وكيف كانت عظيمة نذر الله تعالى! ثم يأتي بالمقابل لذلك فيقول:

“ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر” أي أن القرآن ليس عسيرا ولا شديدا ولكنه ميسر للذكر فهل من مدكر! –وهذه الفاصلة مثل كل السورة تهدم دعواهم بحدوث انفراق القمر, فالآية تقارن دوما بين وجود النذر والتكذيب بها ثم نزول العذاب وتظهر أن القرآن في مقابل هذا سهل يسير وغني كاف! فلو كان هناك أي آية حسية في أول السورة لانهدم بناء السورة كله!

ثم تذكر نماذج أخرى وهو نماذج عاد قوم هود وثمود قوم صالح وقوم لوط, حيث كذبوا فجاءهم العذاب! وكذلك الحال مع آل فرعون. ثم ينتقل الخطاب إلى أهل مكة أو إلى المكذبين عامة في كل زمان ومكان فيقول:

“أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) …”

أي هل تظنون أنكم أفضل من هؤلاء؟ أم أن لكم براءة في الكتب السابقة؟ بداهة لا أنتم مثلهم أو أقل! فكما حدث لهم سيحدث لكم, فلقد كذبوا فنزل بهم العذاب وأنتم أيضا إذا كذبتم سينزل بكم العذاب في الدنيا! (وعلى قول السادة المفسرين فكفار مكة أفضل من أي كفار آخرين, فلقد كذبوا ولم يعذبوا!)

إذا وكما رأينا عزيزي القارئ فإن السورة كلها توضح للمشركين كيف أنهم سيكذبون مهما جاءهم من البينات وكيف أن هذا التكذيب مآله إلى الخسران في الدنيا والآخرة ثم تذكرهم بأن مطلبهم مطلب يورث العذاب والخسران وأن الله الرحيم قدم لهم بدلا من ذلك القرآن العظيم الميسر!

 لذا فإما أن تأخذ بالروايات وتهدم السورة أو تأخذ ما قلنا وترد الروايات لمعارضتها البينة للقرآن!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

تعليق واحد

  1. محمد حافظ حسين

    #خسوف_القمر
    و #انْشِقَاق_الْقَمَر :

    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فَقَالَ لَنَا: «اشْهَدُوا اشْهَدُوا»([1]). وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: «رَأَيْتُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، شِقَّةٌ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَشِقَّةٌ عَلَى كَدَى وَكَدَى([2])، فَقَالُوا: سُحِرَ الْقَمَرُ، فَنَزَلَتْ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، كَمَا أَرَيْنَاكُمُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا، فَإِنَّ الَّذِي يُخْبِرُكُمْ عَنِ السَّاعَةِ حَقٌّ»([3]).

    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
    «كُسِفَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: سُحِرَ الْقَمَرُ فَنَزَلَتْ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ}([4]) »([5]).

    وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ»([6]). وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ([7]). فَقَالَ النبي ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ ما تقدم. فعن المُغِيرَة بْنَ شُعْبَة قَال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
    «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ»([8]).

    قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيد: إن جملة الروايات إنما تدل على أن بعض الصحابة وبعض الكفار رأوا القمر قد انشق فصار فرقتين في لحظة من الزمان، ولا ضرر في تصديق ذلك مهما يكن سببه؛ وإنما الضرر أن يجعلوه آية مقترحة جعلها الله حجة على صحة نبوة رسوله ﷺ ([9]).

    قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ أَنَسًا لَمْ يُدْرِكْ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقد جَاءَت هَذِه الْقِصَّة من حَدِيث بن عَبَّاسٍ وَهُوَ أَيْضًا مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا وَمِنْ حَدِيث بن مَسْعُودٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَحُذَيْفَةَ وَهَؤُلَاءِ شَاهَدُوهَا وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِبَ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ([10]).

    قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: وقوله -تعالى-: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» ذكر تعنتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يُرِهِم -سبحانه- تلك … لأن من سنته -عز وجل-: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا كان من سنته هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، وعفا عنهم التعجيل – لم يرهم تلك الآيات المقترحة، واللَّه أعلم([11]).
    وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ». قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ ذَاهِبٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ وَاسْتَمَرَّ إِذَا ذَهَبَ، قَالَهُ أَنَسٌ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ([12]).

    تَفْسِيرِ الانشقاق فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَة :
    قيل: معناه وَضَحَ الْأَمْرُ وَظَهَرَ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ بِالْقَمَرِ الْمَثَلَ فِيمَا وَضَحَ أمره، وقيل: أن انشقاق القمر هُوَ انْشِقَاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ، وَطُلُوعُهُ فِي أَثْنَائِهَا، كَمَا يُسَمَّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلَاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ, وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ انْفِلَاقِهِ بِانْشِقَاقِهِ([13]). وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقَعِ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ بَعْدُ وَهُوَ مُنْتَظَرٌ، أَيِ اقْتَرَبَ قِيَامُ السَّاعَةِ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَأَنَّ السَّاعَةَ إِذَا قَامَتِ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ -البصري-: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فَإِذَا جَاءَتِ انْشَقَّ الْقَمَرُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ([14]). ورَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْمَعْنَى سَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ، قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ مَعَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ لِأَنَّ انْشِقَاقَهُ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنُبُوَّتُهُ وَزَمَانُهُ مَنْ أَشْرَاطِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ([15]).

    وَقَالَ الطَّاهِرُ ابْنُ عَاشُورٍ: وَإِذْ قَدْ حَمَلَ مُعْظَمُ السَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَمَنْ خَلْفَهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ حَصَلَ قَبْلَ نُزُولِهَا أَوْ بِقُرْبِ نُزُولِهَا فَبِنَا أَنْ نُبَيِّنَ إِمْكَانَ حُصُولِ هَذَا الِانْشِقَاقِ مُسَايِرِينَ لِلِاحْتِمَالَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ رِوَايَاتِ الْخَبَرِ عَنِ الِانْشِقَاقِ :

    ⬅️ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ خَسْفٌ عَظِيمٌ فِي كُرَةِ الْقَمَرِ أَحْدَثَ فِي وَجْهِهِ هُوَّةً لَاحَتْ لِلنَّاظِرِينَ فِي صُورَةِ شَقِّهِ إِلَى نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا سَوَادٌ حَتَّى يُخَيَّلَ أَنَّهُ مُنْشَقٌّ إِلَى قَمَرَيْنِ، فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالِانْشِقَاقِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ لَأَنَّ الْهُوَّةَ انْشِقَاقٌ وَمُوَافِقٌ لِمَرْأَى النَّاسِ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ كَأَنَّهُ مَشْقُوقٌ.

    ⬅️ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِي الْأُفُقِ بَيْنَ سَمْتِ الْقَمَرِ وَسَمْتِ الشَّمْسِ مُرُورُ جِسْمٍ سَمَاوِيٍّ مِنْ نَحْوِ بَعْضِ الْمِذْنَبَاتِ حَجَبَ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنْ وَجْهِ الْقَمَرِ بِمِقْدَارِ ظِلِّ ذَلِكَ الْجِسْمِ عَلَى نَحْوِ مَا يُسَمَّى بِالْخُسُوفِ الْجُزْئِيِّ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِ أَحَادِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَا يُنَاكِدُ هَذَا.

    ⬅️ وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَن يكون هَذَا الِانْشِقَاقُ حَدَثًا مُرَكَّبًا مِنْ خُسُوفٍ نِصْفِيٍّ فِي الْقَمَرِ عَلَى عَادَةِ الْخُسُوفِ فَحَجَبَ نِصْفَ الْقَمَرِ، وَالْقَمَرُ عَلَى سَمْتِ أَحَدِ الْجَبَلَيْنِ وَقد حَصَلَ فِي الْجَوِّ سَاعَتَئِذٍ سَحَابٌ مَائِيٌّ انْعَكَسَ فِي بَرِيقِ مَائِهِ صُورَةُ الْقَمَرِ مخسوفا بِحَيْثُ يخاله النَّاظِرُ نِصْفًا آخَرَ مِنَ الْقَمَرِ دُونَ كُسُوفٍ طَالِعًا عَلَى جِهَةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَهَذَا مِنْ غَرَائِبِ حَوَادِثِ الْجَوِّ .. وَقَدْ عُرِفَتْ حَوَادِثُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهَا بِالنِّسْبَةِ لِضَوْءِ الْقَمَرِ عَلَى أَنَّهُ نَادِرٌ جِدًّا.

    وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُسِفَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سُحِرَ الْقَمَرُ فَنَزَلَتِ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} الْآيَةَ». فَسَمَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كُسُوفًا تَقْرِيبًا لِنَوْعِهِ … فَإِطْلَاقُ الِانْشِقَاقِ عَلَى حُدُوثِ هُوَّةٍ فِي سَطْحِ الْقَمَرِ إِطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى انْطِمَاسِ بَعْضِ ضَوْئِهِ اسْتِعَارَةٌ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى تَفَرُّقِهِ نِصْفَيْنِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ … فَمَا الِانْشِقَاقُ إِلَّا نَوْعٌ مِنَ الْخَسْفِ([16]).

    (وفي مقابلة تليفزيونية للأستاذ الدكتور زغلول النجار، سأله مقدم البرنامج عن هذه الآية؛ «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ». هل فيها إعجاز قرآني علمي؟ فأجاب الدكتور زغلول قائلا: هذه الآية لها معي قصة. فمنذ فترة كنت أحاضر في جامعة كارديف -Cardif- غرب بريطانيا، وكان الحضور خليطا من المسلمين وغير المسلمين، وكان هناك حوار حي للغاية عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي أثناء هذا الحوار، وقف شاب من المسلمين وقال: يا سيدي هل ترى في قول الحق تبارك وتعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ». لمَحة من لمَحات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ فأجبته: لا؛ فالإعجاز العلمي يفسره العلم، أما المعجزات فلا يستطيع العلم أن يفسرها، فالمعجزة أمر خارق للعادة فلا تستطيع السنن أن تفسرها، وانشقاق القمر معجزة حدثت لرسول الله ﷺ – تشهد له بالنبوة والرسالة، والمعجزات الحسية شهادة صدق على من رآها، ولولا ورودها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ ما كان علينا نحن مسلمي هذا العصر أن نؤمن بها ولكننا نؤمن بها لورودها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ- ولأن الله تعالى قادر على كل شيء، قال: ثم ذكرت لهم الروايات الثابتة في انشقاق القمر. يقول الدكتور زغلول: وبعد أن أتممت حديثي وقف شاب مسلم بريطاني عرف بنفسه وقال: أنا داود موسى بيتكوك رئيس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم قال: يا سيدي هل تسمح لي بإضافة؟ قلت له: تفضل. قال: وأنا أبحث عن الأديان – قبل أن يُسلم- أهداني أحد الطلاب المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، فشكرته عليها وأخذتها إلى البيت، وحين فتحت هذه الترجمة كانت أول سورة اطلعت عليها سورة القمر، وقرأت: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» فقلت: هل يعقل هذا الكلام؟! هل يمكن للقمر أن ينشق ثم يلتحم؟! وأي قوة تستطيع عمل ذلك؟! يقول الرجل: فصدتني هذه الآية عن مواصلة القراءة، وانشغلت بأمور الحياة، لكن الله تعالى يعلم مدى إخلاصي في البحث عن الحقيقة، فأجلسني ربي أمام التلفاز البريطاني، وكان هناك حوار يدور بين معلق بريطاني وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين، وكان هذا المذيع يعاتب هؤلاء العلماء على الإنفاق الشديد على رحلات الفضاء، في الوقت الذي تمتلئ فيه الأرض بمشكلات الجوع والفقر والمرض والتخلف، وكان يقول: لو أن هذا المال أنفق على عمران الأرض لكان أجدى وأنفع، وجلس هؤلاء العلماء الثلاثة يدافعون عن وجهة نظرهم، ويقولون: إن هذه التقنية تطبق في نواحي كثيرة في الحياة، حيث إنها تطبق في الطب والصناعة والزراعة، فهذا المال ليس مالا مهدرا، لكنه أعاننا على تطوير تقنيات متقدمة للغاية .. في خلال هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر باعتبار أنها أكثر رحلات الفضاء كلفة؛ فقد تكلفت أكثر من مائة ألف مليون دولار، فصرخ فيهم المذيع البريطاني وقال: أي سفه هذا ؟! مائة ألف مليون دولار لكي تضعوا العلم الأمريكي على سطح القمر؟ فقالوا: لا، لم يكن الهدف وضع العلم الأمريكي فوق سطح القمر، كنا ندرس التركيب الداخلي للقمر فوجدنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المال لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد، فقال لهم: ما هذه الحقيقة؟ قالوا: هذا القمر انشق في يوم من الأيام ثم التحم. قال لهم: كيف عرفتم ذلك؟ قالوا: وجدنا حزاما من الصخور المتحولة يقطع القمر من سطحه إلى جوفه إلى سطحه، فاستشرنا علماء الأرض وعلماء الجيولوجيا، فقالوا: لا يمكن أن يكون هذا قد حدث إلا إذا كان هذا القمر قد انشق ثم التحم!! يقول الرجل المسلم “رئيس الحزب الإسلامي البريطاني”: فقفزت من الكرسي الذي أجلس عليه وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل ألف وأربعمائة سنة يسخر الله تعالى الأمريكان لإنفاق أكثر من مائة ألف مليون دولار لإثباتها للمسلمين؟! لابد أن يكون هذا الدين حقا. يقول: فعدت إلى المصحف، وتلوت سورة القمر، وكانت مدخلا لقبول الإسلام دينا)([17]).

    قُلْتُ: فإن قال قائل: قد مر على انشقاق القمر زمن طويل ولم تقم الساعة حتى الآن ! قيل: إن ما بقى من الدنيا قليل بالنسبة إلى ما مضى منها. «وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ»([18]).

    ([1]) صحيح البخاري (6/142/4865).
    ([2]) وفى المستدرك للحاكم (2/512/3757) عَنْهُ أيضا قَالَ: «شِقَّةٌ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَشِقَّةٌ عَلَى السُّوَيْدَاءِ». وقال الذهبي في تلخيصه “على شرط البخاري ومسلم”.
    ([3]) أخبار مكة، الفاكهي (4/21/2317).
    ([4]) سورة القمر الآية: 1 ، 2
    ([5]) المعجم الكبير، الطبراني (11/250/11642). ومصنف عبد الرزاق (3/104/4941).
    ([6]) صحيح البخاري (4/108/3202).
    ([7]) صحيح البخاري (2/39/1063). عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.
    ([8]) صحيح البخاري (2/39/1060). صحيح مسلم (2/630/915).
    ([9]) محمد رشيد رضا، مجلة المنار (30/361).
    ([10]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (7/182).
    ([11]) تفسير الماتريدي (9/442).
    ([12]) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (17/127).
    ([13]) انظر: تفسير الماوردي (5/409). والجامع لأحكام القرآن، القرطبي (17/126).
    ([14]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (17/126).
    والبحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي (10/33).
    ([15]) تفسير الواحدي (4/207). وفتح القدير، للشوكاني (5/145).
    ([16]) انظر: التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور التونسي (27/171).
    ([17]) دعاوى الطاعنين، عبد المحسن المطيري. نقلا عن: جريدة الوطن الكويتية العدد (9747)، السبت 29/3/2003، مقال للشيخ حامد العلي بعنوان: روعة انتصار الإسلام.
    ([18]) سورة الحج الآية: 47
    #كَنْزُ_التَّرْتِيبِ_لِمَا_وَرَدَ_عَنِ_الْحَبِيبِﷺ
    محمد حافظ حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.