العلمانية .. أكثر المذاهب انتشاراً بين المسلمين

أي المذاهب أكثر انتشاراً بين المسلمين؟!

ستتراوح الإجابة بين المذهب الحنفي والشافعي والمالكي, كلٌ حسب تقديره لأتباع مذهبه! وللدول المحسوب أبناءها على المذهب الحنفي أو الشافعي أو المالكي أو الجعفري أو غيرها!

لكن الواقع يقول إن أكثر المذاهب انتشاراً بين المسلمين … والذي يتبعه كثيرٌ من المثقفين وأغلب الفلاحين وعامة العمال والتجار وغيرهم هو المذهب … العلماني!!

سيعجب أكثر القارئين لهذه الدعوى, إذ أن هؤلاء يُصنفون تبعاً للمذهب السائد في بلدهم! كما سيرفضون أن يكون الفلاحين والعمال علمانيون!! فهل يعرف هؤلاء أصلاً ماذا تعني العلمانية وهل قرءوا سطراً واحداً لدعاتها حتى يُزعم أنهم علمانيون!! إن هؤلاء على الفطرة مؤيدون للفكرة الإسلامية فكيف يُصنفون كعلمانيين؟!!

نقول: بعيداً عن التعريفات الأكاديمية فإن العلمانية تعني حصر الدين في دور العبادة والشعائر الطقوسية, بينما يكون التعامل الدنيوي تبعاً لما يقرره الناس.

ونتساءل: أليس هذا هو حال أكثر المسلمين؟! ألا يقتصر احتكامهم إلى الكتاب على أسس الدين مثل حرمة الدين والسرقة والزنا .. الخ, وما عدا ذلك فمرجعهم الأعراف الاجتماعية والتجارية … والتي قد تخالف “السنة” أو أقوالاً مستقرة عند كثيرٍ من العلماء, بل وقد تخالف آيات قرآنية صريحة؟!!

ولا يقتصر الأمر على آيات الأحكام (وأحاديثها) وإنما يتعداه كذلك إلى منظورهم للحياة, فأكثر المسلمين لا يعرفون المنظور القرآني لها, ولا يُقيّمون الأفعال تبعاً له, بل ولا يعرفون أساسيات الصراع المجتمعي, الذي أطال القرآن في ذكره وصال وجال, وعندما تحتاج إلى شرح مطول لطبيعة العلاقة الصراعية بين “الملأ” (الأشراف, رجال الأعمال, السادة, الكبراء) وبين عامة الشعب, والتي ذكرها القرآن في كثيرٍ من المواطن, فهذا يعني أن المخاطب لا علاقة له بالقرآن!

وتبعاً لغياب المنظور القرآني للحياة الدنيا, نجد إعراضا عن القرآن في اتخاذ المواقف, فجلنا يتخذ مواقفه تبعاً لرأيه ولرأسه ونادراً ما يلجأ بعضنا إلى القرآن طلباً للهداية في المواقف الحياتية التي تقابله! سواء الكبرى منها أو الصغرى!

وندلل على العقلية العلمانية لعامة المسلمين بالفتنة الكبرى التي تمر بها بلدنا الحبيب مصر, فلقد كان موقفنا منها واضحا منذ مبتدأها استناداً إلى سنن تاريخية وإلى المنظور القرآني للصراع المجتمعي! إلا أن كثيراً من “المتدينيين” تدين قراءة الأذكار وأداء الصلاة, رفضوا أن يكون للقرآن قولاً في هذه الواقعة واستبعدوا القرآن منها! ورفض بعضهم إدخال المقدس في السياسي!!

وكون أكثر المسلمين علمانيين ذنب يُسأل عنه المشائخ (وأنا منهم) لكونهم لم يوجهوا المسلمين ليكونوا قرآنيين ربانييين وإنما شغلوهم بشكليات بعينها!

ونحن لا نقول أن فهمنا –أو فهم أي أحد بعد الرسول- للنص مقدس ولا أنه فهم صحيح لا محالة, ولكننا نكتفي بكوننا قرآنيين, نرجع إلى كتاب الله نطلب منه الهداية في عظائم الأمور, فنجتهد قد نصيب وقد نخطأ ولكننا نحسن الظن بالله وبكتابه ونرى أن فيه الهداية لمستجدات الأمور, وليس كتاباً يحكي قصصاً للتسلية ويأمر بمجرد الصوم والصلاة!!

نعم, نحن نقر أن القرآن لم يذكر كل الوقائع ذكراً تفصيلياً ولكن فيه من الإشارات والتوجيهات, ما فيه الهداية والصواب والرشاد في كل كل كل كل  مستجدات الأمور! ولا يعني هذا أننا ندعو لتعطيل العقل وعدم التفكر, ولكن تفكر وانظر في كتاب الله ماذا يقول, واحكم هل أصاب تفكرك أم أنه جانب الصواب.

ونصيحة لله ولإخواني المؤمنين:

لا تكن من الذين يصدق فيهم قول الله تعالى شكوى الرسول: “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان : 30]”

فأولئك الهاجرون هم العلمانيون, فلا تكن من الهاجرين العلمانيين الذين أعرضوا عن نور الله ورضوا بعقولهم واعتبروها ميزاناً مطلقا! إن كتاب الله نور من الله, فلا تكن ممن ضيعوا النار وتحسسوا طريقا بأنفسهم! وابدأ في النظر في كتاب الله بنفسك وقياس حكمك على الأمور وتصرفك على كتاب الله! فإن لم تستطع فتيقن أنك لا تعلم كتاب الله وأنك مسلم بالاسم (علماني) وأنه آن الأوان لتصحح إيمانك ليكون إيماناً حقيقاً على علم ويقين وليس مجرد تقليد ودعوى بلا واقع يؤكد!!

وصدقني ستكتشف في كتاب الله ما لم يخطر في بالك أن تجده فيه .. رغم أنك قرأته –بلسانك- قبل ذلك عشرات المرات, وربما تعيه في قلبك!

جعلنا الله وإياكم من مثوري القرآن والباحثين فيه عن الهدى والمهتدين بنوره, والمقدرين الله وكتابه حق قدره, إنه علي حكيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

خطبة سورة النازعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.