المحاكاة

بسم الله الخلاق البديع

في البداية أود أن أنبه إلى أن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو انتباهي للعب الأطفال, فما لاحظته أن كل ما يقوم به الأطفال في لعبهم هو محاكاة للكبار, فهم إما يلعبون نفس الألعاب التي يلعبها الكبار مثل كرة القدم, أو أنهم يقلدون حياة الكبار, فيقومون بإنشاء جزء صغير من عالم متخيل, حيث بعضهم هم الطلاب وأحدهم –أو إحداهن- هو المعلم, أو أحدهم هو المريض والباقي أهله وأحدهم هو الطبيب, الذي يفحصه, وهكذا,

والأطفال بشكل عام يحبون “التمثيل”, وإن كنت أظن أن البنات أكثر ميلاً إليه من الصبيان! وغني عن الذكر أن “الدمى” التي تلعب بها البنات هي تقليد لأمها, وألعاب المطبخ واللبس وما شابه هي من هذا القبيل, واللعب المسدسات بين الأطفال هو محاولة لتقليد الكبار “الأقوياء” الأبطال

وكثير من الألعاب سنجد أنها لا تزيد عن تقديم مبكر لطيف لبعض الأمور الحياتية, التي سيتعرض لها الطفل لاحقا عندما يكبر, ولكن بشكل جذاب مثير حتى يحبها. ومنذ قديم الزمان والآباء يسرعون أو يوجهون عمليات اكتساب السمات المميزة لكل جنس عند الأطفال من خلال اللعب, فالأولاد قديما يلعبون بالسيوف الخشبية وحاليا بالمسدسات, والبنات تلعب بالدمى منذ بداية التاريخ! والآن أصبح الأولاد والبنات يلعبون الكثير والكثير من الألعاب “محاكاة” على الحاسوب اللوحي!!


ثم انتبهت إلى أن المحاكاة/ التقليد لا يقتصر فقط على الألعاب, وإنما يتعداه إلى جل شخصية الطفل, فالطفل يكتسب أفعال وشخصية الأب والأم أكثر مما يقلد التعاليم التي يكررونها أمامه, وكذلك الطفل يكتسب اللغة في المقام الأول من الأم –ولهذا سُميت اللغة الأصلية للفرد ب: اللغة الأم-, ثم الأب ثم الأسرة ثم البيئة المحيطة,

فقاموس مفردات الطفل هو المفردات المكررة في المنزل, وقواعد النحو التي تُغرس في عقله –لا شعوريا- هي تلك القواعد التي لاحظ اضطرادها في كلام المحيطين به –في اللغة العامية-, بينما تظل قواعد النحو وأبنية الجمل التي يُلقن في المدرسة عدداً من المعلومات التي عرفها فقط.

ثم انتبهت بعد ذلك إلى أن المراقبة والمتابعة لفترة حتى يتحقق “الانطباع” ثم المحاكاة لا تقتصر على الأطفال وإنما هي سنة مطردة عند الإنسان منذ بداية وجوده على سطح الأرض, ولولاها لما كان إنسان ولا كانت حضارة!! وهنا نعيد التأكيد على أن “الانطباع” هو محاكاة + خطوة للأمام وهي “كأن”, -خلق سياق جديد لهذه المهارة, أو الكلمة التي كُتبت في صفحته واكتسبها-,
ولولا قدرته على “كأن” لظل الإنسان حيوانا كباقي الحيوانات, حيث هناك سقف محدد من اكتساب المهارات! وأن هذا الانطباع يختلف من فرد لآخر, فقد ينطبع مكررا فقط, وقد ينطبع ويضيف ويحور. وعملية الانطباع والتحوير والإضافة هذه لا تحدث بين يوم وليلة وإنما يحتاج الأمر إلى سنين من عمر الإنسان, وإلى قرون وربما “ألفيات” في حياة البشرية, وهي لا تقتصر على مجرد مرور فترة زمنية كافية, وإنما ترتبط كذلك بالقدرة على السمع والبصر, فبقدر استماع واستبصار “الفارغ”, يكتسب سمات المنظور.


وفي هذا السياق نتذكر أن الله القدير أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً, (قارن حالة الإنسان عند الولادة بالغزالة مثلا, التي تولد قادرة على الجري, وتعرف أن النمر عدوها وتحاول الفرار منه!) وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة, وبها نكتسب ونُخلّق كل المعارف والمعاني,

فالله خلق الإنسان صفحة بيضاء قابلة لأن يُكتب فيها, وكل خلق الله يخط في هذه الصفحات كلمات وحروف, تبعا لتأثر الإنسان ب “آية الله” هذه أو تلك, وتفاعله معها وقربها منها وحاجته إليها وخوفه منها … الخ, والإنسان بفطرته يسعى لأن يُكتب فيها, فهو مفطور على “اقتباس” سمات الآخر

, فمنذ فجر الإنسان بدأ الإنسان يقلد “الأصوات” حوله, أصوات الرياح والأشجار وأصوات الحيوانات وخرير المياه … ثم من هذه الأصوات الثابتة المتكررة أنتج الإنسان لغة, نمت مع الزمن حتى أصبحت بشكلها الحالي. وكذلك لاحظ الإنسان حركة نزول الأمطار –أو فيض الماء- ونمو النباتات والأشجار مجددا, ومن ثم نشأت الزراعة, وكانت بداية الكتابة تقليد أشكال الحيوانات –رسمها-, ثم أصبحت هذه الرسوم تستخدم ك “لغة تواصل”, ثم تم ترميز الرسوم, ثم تم تحويلها إلى حروف ..

وكانت الاختراع الأعظم في تاريخ البشرية كلها: الكتابة. ومن البروق وحرائق الأشجار كان اكتشاف النار وبداية استخدامها, ومن الحيوانات وأفعالها وهيئاتها ابتكر الإنسان أدواته, التي أعانته على النجاة منها بل وصيدها والتحكم فيها والاستفادة منها, وما كان الطيران إلا محاولة لاكتساب “قدرة” جديدة عند الطيور, ولا ننسى دور “المحاكاة” في إجراء التجارب العلمية والخروج منها بنتائج دقيقة, يصعب أو يستحيل الخروج بمثلها من الواقع المعقد المتداخل, ولا تزال البشرية حتى الآن تقلد ما حولها.


ولا يقتصر الأمر على “الاختراعات” والجانب العلمي, وإنما يتعداه إلى الفنون, كل الفنون, فما هي إلا محاكاة للطبيعة, من رسم لكائنات موجودة, أو تجسيدها كتماثيل, والموسيقى في نشأتها كانت محاولة لتقليد الجميل من أصوات الحيوانات, أو الإتيان بأصوات جميلة مثلها,

والأدب هو خلق حيوات مثل حياتنا, والتمثيل هو تقليد لحياتنا, فلم يعد الأمر مقتصرا على المكتوب, كما هو في الأدب, وإنما تعدى الأمر إلى تنفيذ المكتوب, والشعر هو كلام يحتوى موسيقى بداخله, والمعماريون كانوا ولا يزالون يحاكون الطبيعة حولهم وهكذا. أعلم أن الفنون الآن أخذت خطوات إلى الأمام, فلم يعد الفن الحديث مكتفيا بتقليد الموجود فعلياً وإنما بدأ ينشأ “كائنات جديدة”, هي مزج لكائنات موجودة, أو إضافة سمات لموجودة بالفعل .. الخ, وهذا ما قلته قبل سطور,
حيث قلت: “وأن هذا الانطباع يختلف من فرد لآخر, فقد ينطبع مكررا فقط, وقد ينطبع ويضيف ويحور”, فالفنون –والاختراعات- أخذت قرون وهي في مرحلة التكرار وقليل من التحوير والإضافة, والآن ومع القرن الماضي بدأت البشرية تخطو أولى خطواتها في الإضافة والتحوير والتحرر بدرجة كبيرة من النماذج “الطبيعية” الموضوعة لها مسبقاً, ولكن بقدر القرب من النموذج الطبيعي يكون القبول والفهم والتأثر من الشريحة الكبيرة, وبقدر البعد يكون الانعزال, قارن مثلاً أفلام الأساطير والخيال العلمي والتي يتابعها الكل تقريبا وينبهرون ويتأثرون, حيث تظهر كائنات هي خليط من كائنات موجودة بالفعل, قارنها بالفن التشكيلي والتجريدي وما شابه, والتي تحتاج إلى شرح وتبسيط!!!


وكما قلت فالمحاكاة سنة الحياة, ولهذا فمن المتوقع أن نجدها في الحياة اليومية للبشر, فهي السائدة في “أساليب الحياة”, فالطبقات الاجتماعية الدنيا ترقب العليا, وتبصر ما يفعلون, وتحلم أن تصبح مثلها, وتقلدها رغما عن إمكانياتها المحدودة, وعندما ينتقل أفراد من الطبقات الدنيا إلى العليا فإنهم يسيرون على خطى من كان قبلهم, حتى وإن كانوا قد هلكوا أو أفسدوا,

والمجتمعات البدائية تقلد المجتمعات “المعقدة”, والمهزوم يقلد المنتصر وهكذا! و”الفقراء لغويا” يقلدون الأدباء والشعراء و”المغنيين”, وضعفاء الجسد يقلدون أقوياء البنية والشخصية في أفعالهم وتصرفاتهم بل وحركاتهم, والطرف الأضعف في الزواج يكتسب قدراً لا بأس به من شخصية الطرف الآخر “بيبهت عليه” كما نقول في العامية.

واكتفي بهذا القدر من سرد نماذج تبين هيمنة “المحاكاة” على حياة البشر, وكيف كان لها اليد الطولى في أنسنة البشر ونشوء الحضارة, وفي الختام أود التنبيه على أن المحاكاة نوعان: “الاقتباسية” و “المؤطِرة”, فالمحاكاة الاقتباسية والتي تكتفي باقتباس “حيوات” الآخرين هي ضرورية لاستمرارية الحياة, فبدونها لم تكن لتنتقل المعارف ولا القيم ولا الأخلاق بل وكانت لتموت الكثير من المشاعر,

لذا أقول أنها محيية للفرد ولكن في عين الوقت, فإن الاقتصار عليها مميت للمجتمع, لأنها تبقي المجتمع في نفس المكان والمكانة اللتين كان فيهما السابقون, لذلك كل مجتمع بحاجة إلى عدد لا بأس به من الأفراد يقومون بالمحاكاة “المؤطِرة” أو “المتخيِِّلة”, حيث يحورون ويعدلون ويضيفون إلى الموجود فعلا, وبهذا يُدفع المجتمع خطوات إلى الأمام

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.