ما هو النشوز؟

1- أكثر الرجال المسلمين يرون أنه يجوز لهم ضرب زوجاتهن تأديبا لهن إذا خالفن أمرهم, لأنه أصبحت ناشزا, ولأن الأمر ثقيل أن يصبح للرجل حق ضرب زوجته, وجدنا توجيها بأنه يكون غير مبرح وبالسواك وما شابه!

الاعتراض: آية الضرب لم تتحدث عن النساء الناشزات, وإنما عن من “نخاف نشوزهن”, وهذا يعني أن الاجراءات المذكورة في الآية هي اجراءات احترازية في المقام الأول وليس “عقوبات”, هي اجراءات لمنع حدوث النشو, وهنا يظهر التساؤل: ما هو هذا النشوز الذي بمجرد ظهور بوادره يحق لنا عقاب المرأة عليه؟!

2- أكثر المسلمين يرون أن النشوز هو عدم طاعة المرأة زوجها.
الاعتراض: النشوز فعل يصدر من الرجل والمرأة, بدليل قول الله: “وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً …. [النساء : 128]”,
فالرجل قد ينشز هو الآخر, فهل معنى الآية أن الرجل إذا لم يُطع زوجته يحدث كذا وكذا؟! أم أن النشوز أمر آخر؟!

3- المنطقي أن يكون النشوز في الآيتين أمر واحد, فهو مع الزوج كذلك يكون مع خوف حدوثه –وليس مع أو بعد حدوثه-, والتفريق بين النشوزين تكلف لا دليل عليه, فما هو النشوز؟ ورد النشوز في القرآن في غير هاتين الآيتين في موضعين بمعنى: التضام والالتصاق: “.
.. وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً …[البقرة : 259]” و “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا .. [المجادلة : 11]”, ولكن المفسرين يقدمون النشوز بمعنى مختلف, ورغما عن هذا فنحن نتفق في “كيفية” حدوث النشوز!!

4- النشوز هو تعلق وميل أحد الطرفين: الزوج/ الزوجة, بفرد آخر, وطبعا يكون هذا في حق الزوجة إما خيانة وإما أنها ستطلب الطلاق أو الخلع لتتزوج الآخر,
بينما الزوج لا يحتاج إلى الخيانة أو الطلاق فيمكنه أن يتزوج أخرى, ولهذا نجد أنه حدث الاختلاف بين الاجراءات في الحالتين, فالنساء توعظن وتُهجرن في المضاجع (وطبعا يسقط هنا تلقائيا تفسيرها بأنه ترك جماعها, فهي أصلاً لم تعد راغبة في زوجها وتفكر في غيره!!), أو الضرب
, بينما إذا خيف النشوز من الرجل يكون الصلح, ونحن نتذكر قصة سودة مع رسول الله عندما خافت أن يطلقها, فقالت له لا تطلقني ولا تقسم لي (ليلة) فرضي الرسول.

وتصوري للنشوز هذا الذي وصلت إليه قال به شيخ المفسرين الطبري, فنجده يقول في تفسيره لآية: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا: “”نشوزًا”، يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثَرةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِما لبغْضة، وإما لكراهة منه بعض أسبابها إِما دَمامتها، وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها “أو إعراضًا”، يعني: انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه
“فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا”، يقول: فلا حرج عليهما، يعني:
على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها “أن يصلحا بينهما صلحًا”، وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه، تستعطِفه بذلك وتستديم المُقام في حباله” اهـ

فإذا كان نشوز الرجل استعلاءه بنفسه إلى غيرها, فكذلك نشوز المرأة استعلاءها بنفسها إلى غيرها, كأن ترى في نفسها جمالا وهو قبيح أو فقير, وهي تستحق من هو أغنى منه, من يستطيع أن يدللها,

وهناك من قال بهذا القول من التابعين, فالطبري يروي عن “عطاء: “النشوز”، أن تحبَّ فراقَه، والرجلُ كذلك.” وعن “مجاهد: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن”، قال: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: “اتقي الله وارجعي إلى فراشك”! فإن أطاعته، فلا سبيلَ له عليها.”

فكما نرى فالمرأة لم تعد راغبة في الاستمرار مع زوجها وترغب في غيره, فعندها وحتى لا تُهدم الأسرة تكون هذه الاجراءات.

5- المخاطبين بالضرب ليسوا الرجال وإنما “جماعة المؤمنين” وهو ما يساوي المجتمع أو القائمين على تنفيذ الأحكام بالمصطلحات المعاصرة “الحاكم/ الحكومة”, لاحظ المخاطب في الآيات السابقة والتالية: ” وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ به … وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ .. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ … وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ … وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا”,

فالمنطقي أن يكون المخاطب في كل هذه الآيات واحد, إنما انتزع المخاطب في آية 33 وأغيره بدون برهان ثم أعيده في الآيات التالية فهو تعسف! وإذا وصلنا إلى أن المخاطب هو المؤمنين وليس الزوج فهذا يدفعنا للتساؤل مجددا حول طبيعة الضرب, ولن أحاول أن أقدم هنا تأويلا مغايرا للضرب وسأتقبل أنه عقوبة بدنية تنفذها الحكومة! وإن كان هذا لا يستقيم مع محاولة الصلح وإقناع امرأة أن تستمر مع زوجها, حتى لا تتهدم الأسرة!

قد يقول قائل: كيف يهجر المجتمع النساء في المضاجع؟ فأقول: كما يحبسوهن في البيوت: “... فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ .. [النساء : 15]”.

6- اعطاء الرجل حق معاقبة زوجته يعني أن أوامره “تشريعا” واجب التنفيذ, بل إن درجة أوامر الزوج تصبح أعلى من أوامر الشرع, فكثير من الأوامر الشرعية إن خولفت يكون حسابها في الآخرة وليس في الدنيا أصلا, وتلك التي يُعاقب عليها في الدنيا تكون بواسطة طرف محايد “الحاكم”,

بينما هنا نعطي الزوج سلطة الخصم والحكم, وهو ما لا يُتصور ولا يُعقل! وخاصة أن كثيراً من الأزواج يضربن أزواجهن بالفعل عندما لا يستطعن إقناعهن بفعل أمر ما, فأن يعطون أمرا مطلقا غير محدد بالضرب فهذه كارثة!! إن التعامل في الأسرة وتوزيع الأدوار مرن جدا ومختلف من مكان لمكان, حتى أن الله قال في السورة السابقة لهذه نزولا: البقرة –تبعا لترتيبي الخاص-: “.. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ .. [البقرة : 228]”,

كما أن أكثر القرارات الأسرية ليست حل وحرمة, وإنما اختيارية, نفعل هذا الآن أو لاحقا, نشتري أو ندخر .. الخ, فهل يصبح قرار الزوج في مثل هذه الأمور دينا تعاقب مخالِفته؟!!

7- لم أحاول أن أعرض في هذا التناول للجانب النفسي والإنساني للمرأة, وكارثية الضرب على العلاقة الأسرية, وكيف أن المرأة –والمجتمع- في كل الأزمنة التاريخية واحد, حتى لا يطول الموضوع, ويتحول إلى “آراء شخصية أو علمية” وهي غير معتبرة عند كثيرين!!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.