المصلحون السذج

تخيل لو ذهبت لإنسان ما المفترض أنه حكيم وذو خبرة تعرض عليه حالتك المريرة وكيف يمكنك الخروج منها!
فما كان منه إلا أن قال بكل حكمة:
بص يا بني, مبدأيا علشان تطلع من اللي انت فيه محتاج شوية تغيرات, هي صعبة شوية بس بعدها هتبقى كويس!
مبدأيا لغتك دي عبيطة, فممكن تتكلم لغة تانية,
تاريخك ده مش له لازمة .. سيبك منه!
دينك ما عدش يصلح أصلا للزمن ده .. فطنشه!
أصحابك أصلا معفنين .. فالأفضل إنك تقاطعهم!
بص من الآخر .. شايف فلان, ده جميل … اعمل زيه بالظبط .. قلده في كل حاجة وانت هتبقى تمام ومشاكلك دي كلها هتختفي!

شخص مثل هذا, كيف يمكنك أن تصنفه؟!
أعتقد أن وصف “أحمق” هو أكثر الألفاظ تهذيبا والتي يمكن وصفه بها, لأن ذلك “العبقري” يطالبني بالتنازل تقريبا عن كل مكوناتي .. عن هويتي .. أصبح إنسانا آخر لأصلح نفسي!

وهل إذا أصبحت إنسانا آخر سأصبح أفضل؟
بالعكس سأقع في حيرة أكبر وهي سؤالي: من أنا؟
أو بتعبير أدق: من هذا الكائن/ الشخص الواقف أمامي في المرآة؟
وساعتها ستفقد ال “أنا” معناها أصلا!!

إلا أنه وعلى مر التاريخ كان هناك دوما مثلا هؤلاء ال “ضع أنت الوصف المناسب”, والذين وبكل عجب يُصنفون بأنهم “مصلحون” ورواد نهضة وأوصاف أخرى كبيرة!!! –بفضل تعظيم الأتباع اللاحقين لهذا المذهب, والذين يقدمونهم متبوعين بأوصاف جليلة (على سبيل المثال في مصر: س م)!

ورغما عن أن حقيقة الواحد من هؤلاء –في الغالب- لا تزيد عن تعرضه وهو صفحة بيضاء لحضارة/ ثقافة مغايرة, يبدأ في قراءة نتاجها الفكري, بدون أن يكون لديه أي خلفية عن ثقافته -العربية أو الشرقية في حالتنا

ومن ثم يتشبع بالفكر الغربي, ويقارن بين النظرية الغربية وبين الواقع الشرقي, فيرى أن الشرق متخلف, ومن ثم يرفض كل تراثه وتاريخه وحضارته جملة وتفصيلاً, ثم يأخذ بالمناداة والدعوة إلى التخلي عن اللغة مثلا أو حتى كتابتها بحروف مختلفة!

والتنازل عن كذا وكذا من المكونات الكبرى للمجتمع, واعتناق مذاهب فكرية جديدة, زاعما أن هذا سيؤدي إلى إصلاح المجتمع وجعله مجتمعا … متحضرا!!!

المفترض أصلاً أن “المصلح” مصلح, أي أنه يصلح خللا ما في الكيان الموجود أمامه, وحتى في الإنجليزية واللغات الأوروبية فإنه يُسمى ب: Reformer

وهو ما يمكن فهمه ب “معيد التشكيل”, أي أنه يعيد تشكيل وصياغة الكيان الموجود, لا أنه يستبدله بكائن آخر تماما!
إن عملية الاستبدال هذه لا تُعد إصلاحا بأي حال من الأحوال, وهي بالضبط مثل استيراد شعب ليحل محل شعب آخر, ثم عندما يتقدم ذلك الشعب الجديد, يُزعم أن الشعب الأصلي قد تطور!!

إن المفترض في عملية الإصلاح أن تكون معقولة وممكنة التكلفة, ومن ثم فالمتوقع أن تكون ثمة مطالبة ببعض التغييرات الجزئية –وليست: الجذرية!!

ولكن المنظرين الذين يحيون في عالم الأفكار غافلين عن الواقع, لا ينظرون إلى الواقع ولا إلى كم العنت والمشقة والجهد المطلوبين في الواقع من أجل تنفيذ فكرة واحدة تُصاغ في جملة واحدة في رؤوسهم, ولا يلتفتون كثيرا إلى ما تعنيه مطالبتهم مثلاً بتغيير اللغة, وفرض لغة جديدة على المجتمع, أو تغيير قوانين, أو تغيير جذري لأنظمة اقتصادية سائدة, بل وكم الضحايا من البشر, الذين سيُعارضون هذا التوجه الجديد!!
ولنا مثلاً في الاتحاد السوفيتي/ روسيا خير مثال, وكيف دفع الشعب الروسي الثمن أنهاراً من دماء ملايين الروس, الذين وقعوا ضحية لفرض منظومة اقتصادية فكرية مغايرة تماما لما ألفه الشعب!

إن أهل كل تخصص متمسكون بتخصصهم, بتفاصيله كبيرة وصغيرة, ويدافعون عنها أشد دفاع وباستماتة شديدة, ضد المطالبة ببعض التغييرات الصغيرة, وخاصة عندما تأتي من غير المختصين, ولك مثلا العبرة بالقانونيين, والمعاناة المطلوبة من أجل تغيير قانون واحد, وقس على ذلك في باقي المجالات!!

وحتى إذا افترضنا افتراضا خيالا أن الجموع البشرية الموجودة لم تتمسك بالقديم ولم تدافع عنه وأعلنت تقبلها للكينونة الجديدة التي “ستُفصل” لها, فإن إنشاء واقع حضاري جديد يحتاج إلى جيوش جرارة من المتخصصين في كل مجال!! فهل لدينا معشار هذه الجيوش حتى نغير واقعنا؟!!

لو كان لدينا لما وصلنا إلى هذا الحال من التردي-, وكم من الزمن سيحتاجون حتى يصبح هذا البنيان الفكري الصناعي المختلق مكوناً رئيسا للقطيع البشري القاطن في تلك البلدة؟!

إن كثيراً من الأمم تشقى بمصلحيها, والذين لا ينبغي أن ينعتوا بهذا الوصف أبداً, فهم على أفضل التقدير “هدامون” جيدون, ولكنهم لا يحسنون البناء ولا يعرفون أصلاً كيف يُبنى!
هم في حقيقة الأمر “نٌقّاض” وليسوا “نقاد”!
ما أسهل أن أقول: ينبغي أن نتخلى عن كذا أو أن نفعل كذا وبكذا سنصبح أفضل!

إن أي فرد –بما فيهم أولئك المنظرون- يجدون صعوبة شديدة في تغيير عادة صغيرة بسيطة اعتادوا عليها ويظلون عليها حتى مماتهم, ولكن ما من مشكلة في أن نطالب الآخرين بالتخلي عن ذواتهم وترك عاداتهم!!

إن حركة المجتمعات حركة بطيئة وكثيراً ما تقع في حالة من الركود, أو الثبات أو الدوران في دوائر! وكل أمة بحاجة إلى مفكرين يعرفونها بدقة وبتفصيل أين وكيف تضع قدمها في خطوتها التالية, وليس أولئك الذين يدعونها إلى القفز .. إلى المجهول.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

خطبة سورة النازعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.