سمارت “كون”

منذ قديم الزمان تم تقسيم الكائنات إلى: جمادات وكائنات حية, فما ينمو ويتكاثر ويتحرك ويستجيب ويتكيف ويقوم ب “الأيض”, تم تصنيفه ككائن حي,
وما لا يقوم بهذه العمليات, فهو ليس حياً وإنما هو “جماد”! (وكما يظهر من الاسم فإن الجماد مرتبط بالجمود والسكون).
ومن بين الكائنات الحية تم تصنيف الإنسان –بالإضافة لكونه حياً- بأنه: “الكائن العاقل”.

ومع التقدم العلمي للبشرية اكتشف الباحثون أن الإنسان ليس هو فقط “الكائن العاقل”, وإنما الحيوانات وحتى النباتات يمكن تصنيفها كذلك بأنها “عاقلة”! فحتى النباتات لها مشاعر ومخاوف وقدرات إدراكية متطورة! فهي تتأثر بالموسيقى وبكلام البشر لها.

وبالتقدم العلمي قام الإنسان ب “إكساب” الجمادات “قدراً من العقل”! فظهرت في العقود الأخيرة “الأجهزة الذكية”, والتي أصبحت جزءً من حياتنا اليومية! والتي لم تعد مجرد جهاز يُنفذ ما يؤمر به, وإنما أصبحت –بفضل البرنامج الموضوع بداخلها- تتفاعل مع المؤثرات الموجود حولها بشكلٍ من الأشكال.
وهذه “الأجهزة الذكية” وإن كانت لا تزال في مرحلة “البواكير”, إلا أن الأكيد أن الإنسان سيواصل تطويرها حتى تصبح أكثر ذكاءً.

وهذا يدفعنا للتساؤل حول صحة ودقة التقسيم القديم: كائن عاقل (أو حتى: كائنات عاقلة) وأخرى غير عاقلة! فهل هو صحيح فعلاً أم أننا نعيش في “كون ذكي/ سمارت كون”؟!!
حيث لكل “كائن” فيه, “عقل”, أو إن شئنا الدقة “إرادة” بشكل من الأشكال! سواء على المستوى “الجزئي المستقل” مثل كل ذرة تراب أو ذرة رمل, فلها إرادتها كحبة رمل, أو على المستوى “الكلي”,

فالجبل المكون من هذه الذرات له “إرادته” كجبل, حيث تنسجم أو “تنصهر” الإرادتان!! وهناك “إرادة العاصفة”, والمكونة من تيار هواء متحرك بشكل واتجاه معين! أو على المستوى الشمولي, فكل كوكب وكل نجم يمثل وحدة مستقلة, له إرادته وعقله!

وإذا كان قد أصبح من المألوف الحديث عن “العقل الجمعي”, السائد في مجتمع من المجتمعات, فيحق لنا كذلك أن نتحدث عن “العقل الكوني”, الذي يشمل مجموع إرادات وقوانين وتفاعلات الأجرام الكونية الكبرى كلها.
وهذا المصطلح وإن كان غريباً وربما يُنظر إليه باعتباره “شطحاً”, إلا أني أرى أنه مع مزيد من الأبحاث والاكتشافات سيُصبح مقبولاً و “معقولاً” في غضون عقود قليلة!-,
وفي القرآن الكريم إشارات عديدة إلى وجود إرادات للجمادات, فهناك حديث عن جدار يريد أن ينقض, والله خاطب السماوات والأرض وعرض عليهما وعلى الجبال الأمانة فأبين أن يحملنها, كما أن السماوات والأرض تبكي على هلاك الأمم .. الخ.

المشكلة أننا كلنا نعرف “الذكاء الجزئي”, إلا أنه –على حد علمي- لم يحاول أحد تعميمه, ليشمل الكليات! فالإنسان –ككل- مثلاً عندما يصاب بجُرح ما! لا يقوم بأي شيء سوى أنه قد يضع عليه ضمادة لمنع النزف! بينما تقوم الخلايا –تبعاً للبرنامج المغروس فيها- بالانقسام والتمدد حتى يلتئم الجرح!

وكذلك عندما يصاب الجسم بفيروس ما, يبدأ الجهاز المناعي في التعامل معه, بدون أي أمر أو توجيه من الإنسان! فهذا “ذكاء طبيعي جزئي”, مندرج تحت ذكاء كلي: الإنسان!
وهذا “الذكاء الطبيعي الجزئي” لا يقتصر على مستوى الخلية/ الخلايا, وإنما يتعداه إلى الطبيعة!! فالله صمم الطبيعة ك “نظام ذكي”, يعمل على حماية ذاته واستمرارها في الحياة والوجود! فهناك “نظام حماية واستشفاء كوني”! وذلك لأنه سيوضع فيه كائن عاقل –قد- يفسد!

وقد يرى القارئ أن هذا التصور غير سليم, وذلك لأن الإنسان قد أخل بالنظام والتوازن البيئي ودمر بعض الغابات وأدى إلى انقراض بعض الحيوانات ولم تفلح الطبيعة في حماية ذاتها أو الاستشفاء!!

فنقول: هذه النظرة راجعة إلى قياس سرعة رد فعل/ انتقام الطبيعة على سرعة حركة الإنسان!! رغماً عن أن الطبيعة أكبر –وأعقد- بما لا يُقارن بالإنسان ومن ثم فحركتها أبطأ, كما أن نطاق تأثيرها ممتد لا يبصر منه الإنسان إلا أجزاء يسيرة! وهو يحكم تبعاً لما أبصر.

ومن ثم فهي لا تخبط خبط عشواء –كما يؤمن أكثر البشر بما فيهم لمسلمون!!- وإنما تتحرك تبعاً لبرنامج –رباني- مسبق غاية في التعقيد والدقة, -فهي لا تهلك إلا المجتمع المفسد أو “الخامل المتعفن”-,

ومع ازدياد وانتشار إفساد الإنسان قد يصل العقاب ليس لمجرد تدمير/ إهلاك بلد, وإنما قد يتعداه إلى أن تتحول عوامل “الثراء الحياتي” من منطقة إلى منطقة أخرى على سطح البسيطة!! فيحدث ما نعرفه ب “التحولات المناخية الكبرى”. والتي قد يترتب عليها تصحر وجفاف أو تصحر جليدي!!

إن الذي يجب علينا الانتباه إليه أن الإنسان ما هو إلا جزء –مميز- في هذا النظام الطبيعي, والذي قد يتصرف في بعض الأحيان مثل الجراثيم والفيروسات, مفسداً ومخرباً, فيتم التعامل معه باعتباره “فيروس خبيث”, من “حق” الطبيعة أن تهلكه!! وتبعاً لهذا المنظور سيتهاوى كثير من أركان الإشكالية الفلسفية الكبرى: “الشر”!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.