قطعة الحلوى!

كلنا كنا في يوم من الأيام ذلك الطفل الصغير الذي يسيل لعابه على قطع الحلوى, والذي يجري على والديه ليحضراها له, والذي طالما خُدع بها –من والديه أو من الكبار عامة
وكم من مرة تنازل عن رغبات أخرى له مقابل قطعة حلوى! وكم من مرة تم إسكاته بها! وكم من مرة افتخر على أقرانه بأن لديه ما ليس لديهم! رغماً عن أنها في الغالب شيء غير مفيد .. مجرد قطعة مسكرة لذيذة الطعم جميلة الشكل, بينما تكاد تكون خالية من الفوائد الصحية, بل وربما تكون ضارة في بعض الأحيان!!

ومرت الأيام وكبرنا قليلاً وحاول الآباء إغراءنا بقطعة الحلوى المعهودة ولكننا لم نعد نستجيب لهم! وكم تُهنا –ساعتها- بأنفسنا فخراً, أننا لم نعد ذلك الطفل الغرير الذي يُخدع بسهولة وأننا أصبحنا قادرين على التصميم على مواقفنا والتمسك بآرائنا, وأننا تجاوزنا تلك المرحلة, وأننا أصبحنا أكثر نضجا!

إلا أن الوضع يبقى كما هو عليه, فكل منا يحصل في كل مرحلة عمرية على بعض الأمور, وتظل الأخرى بالنسبة له “طموحات ومطامع”, أمور لا يستطيع الوصول إليها أو الحصول عليها بمفردنا, والتي تختلف من طفل/ شاب لآخر, تبعاً لعقلية والديه ولمستواهم الاجتماعي!

لذا فإن الواقع أننا وإن كبرنا و “نضجنا” إلا أننا لا نزال نُخدع ب “قطعة الحلوى”, وذلك لأن قطعة الحلوى تغير ويتغير شكلها مع كل مرحلة عمرية مررنا ونمر بها! لذا لا نزال نقبل أن نُخدع بنفس الطريقة, طالما أننا نظن أن السعادة و “تحقيق الذات” ستكون في ذلك “المفقود” في ذلك الذي ينقصنا!! وطالما أننا نقبل أن نُساوم على اختياراتنا! (وللأسف يظل الإنسان يقبل)!

والكبار والآخرون يعرفون قيمة ما لديهم, ويرون منا تعلقاً بما لديهم, لذا يحسنون الاحتفاظ بالثمين لديهم, والذي يستطيعون استخدامه في الوقت المناسب ك “كارت رابح” يجنون به كل ما يريدون! أو كاعتذار عن خطأ أخطأوه في حق أبناءهم أو أحبابهم!

فمثلاً كلمات الإطراء والمديح -أو حتى الاستفزاز والتحدي-, كانت في الطفولة المبكرة –والمشكلة لو كانت: لا تزال!!- من أكبر أساليب خداع الطفل!!
وكذلك التمييز بأي درجة شرفية, مثل أن يُعين “رائد الفصل” أو يُكلف ببعض الأعمال التي “لا يقدر عليها إلا الرجال”!! والتي قد تثنيه عن اختياره, أو التي قد تدفعه لفعل ما لا يريد, والتي قد يأتي ببعض الأمور من أجل الحصول عليها! رغماً عن أنه لا تعجبه …
ولكن الأهم بالنسبة له الآن أنها تعجب “الكبار” لذا سأفعلها لأحصل على الحلوى! أقصد الإطراء!! وبعد فترة لا يبقى لهذه الكلمات نفس البريق والجاذبية!

وكذلك قد تكون الدراجة أو أي لعبة متطورة, مثل طائرة بالريموت أو عربة أو “بلاي استاشن” أو الهاتف الجوال! … الخ! هي حلوى مرحلة عمرية ما, والذي يفضح إلحاحنا بشأنها أنها مما يمكن استغلاله والمساومة عليه وبه.
وعندما يُصرح الكبار أن هذا ليس لك الآن, وأنه للكبار فقط, أو عندما تكبر وتصل لسن كذا يمكنك الحصول عليه, مثل أدوات الزينة مثلاً بالنسبة للفتاة التي تدخل طور المراهقة, أو السماح بقيادة السيارة, يصبح إغراء الشيء أكبر! ويصبح لدى الإنسان استعداد لفعل أمور كبيرة أو التنازل عن رغبات كثيرة للحصول عليها.

وأحيانا ما تكون السيارة نفسها قطعة الحلوى بالنسبة للفتاة في المرحلة الجامعية!! فالشاب الذي لديه سيارة هو شاب مميز –لدى شريحة كبيرة جداً من الفتيات- والتي قد تقبله زوجا وتتجاوز عن عيوب كثيرة في شخصيته من أجل سيارته الفارهة!! ويا حبذا لو كان الشاب وسيماً أو ناعماً لبق الكلام أو ربما متقنا لبعض اللغات!! فهذا يزيد الحلو/ى جاذبية!!

والعجيب –وليس عجيباً- أنه لو تأخر الزواج قليلاً ستختلف نظرة المرأة كثيراً!! ولن ترضى بزوج لمجرد أنه راكب لسيارة فارهة! وسترى الأمر من منظور آخر!! وستكون لها حسابات أخرى!! وذلك لأن إغراءات المرحلة الماضية من التفرد والتميز والسبق وغيرها لم تعد موجودة في هذه المرحلة!!

وأحياناً تكون الوظيفة, أو الترقي في المنصب والوصول إلى كرسي معين أو الشهرة حلوى يصعب مقاومتها, وكم من كبارٍ في السن, باعوا مبادئهم وأنفسهم من أجل “حلوى الكرسي”

ورغماً عن وجود قطعة حلوى جاذبة لمرحلة عمرية ما نزهدها في المرحلة التالية, إلا أننا –رغماً عن أننا كبرنا وتكرر معنا هذا الموقف مرات عديدة- لم نتوقف لنسأل أنفسنا مع كل إلحاح يلح علينا ونراه كبيراً ويستحق أن نضحى ونتنازل من أجله, هل هو كذلك أم أنه لا يستحق؟!
ما الذي سنخسره إن لم نحصل على هذا الشيء أو نصل إليه؟! هل هو احتياج فعلي من احتياجاتنا الإنسانية, هل هو مما سيرقينا كبشر ويزيد في إنسانيتنا؟ أم أنه مجرد قطعة حلوى فعلاً نريدها لأسباب اجتماعية أو تقليداً لغيرنا أو لغيره من الأسباب؟!

هل نظرتنا لهذا الاحتياج هي من عديد من الزوايا وفيها الكثير من الاعتبارات والموازنات والحسابات, أم أنها لا تزال تلك النظرة السطحية الطفولية المستجيبة للإغراء واللاهثة وراء المظاهر الحسنة, ووراء شهوة التميز أو الطمع غير المبرر.!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.