دولة الرسول هل كانت مدنية أم دينية؟!

مسألة القول بأن دولة الرسول كانت مدنية أو دينية هو محاولة لإسقاط نظام متأخر النشأة على فترة زمنية لم يكن يخطر ببال أحد مثل هذه الأنظمة!!

ومن ثم لو قلنا بأن دولة الرسول كانت مدنية!! فإن هذا يدفعنا للقول ب “الإعجاز السياسي” للإسلام (على وزن: الإعجاز العلمي للقرآن) حيث سبق البشرية في تقديم الدولة المدنية بحوالي 14 قرنا!!

ولست من أولئك النفر الذين يلبسون كل ابتكار غربي لباسا إسلاميا والقول بأننا سبقنا إليه!!

الذي يمكنني قوله أن الرسول قدم شكلاً سياسياً جديداً لم تكن تعرفه العرب ولا حتى الدول الكبرى المعاصرة مثل الفرس والروم (ويظهر هذا جلياً في مناقشات الصحابة وكلامهم بعد الرسول, والذي يبين كيف غرس الرسول فيهم وعياً سياسيا فريدا!)

ولكن الرسول نفسه كان يمثل حالة استثنائية, حيث أنه كان يتلقى الوحي من السماء! (وبغض النظر عن كون السائل يؤمن بأن محمدا كان نبياً رسولا أم أنه كان محتالا مدعيا؟!) وبالإضافة لذلك كان حاكما للمدينة!

والرسول كان يتحرك على المستويين, فكانت تصدر منه أوامر أحيانا بصفته مبلغا عن الله, والالتزام بها علامة إيمان ومخالفتها علامة ضعف إيمان سواء صدر هذا من أهل المدينة أم من أي مسلم على وجه الأرض (وليس لهذا علاقة بالوطن أو الدولة), وكانت تصدر منه أحيانا أخرى أوامر تنظيمية بصفته حاكم للمدينة!

وغالبا -ولا أريد أن أقول دوما- لم يكن هناك إلزام بتنفيذ الأحكام الصادرة من الوحي, وإنما من يتبع له الأجر ومن يخالف من المؤمنين فهو عاصي,

فمثلا الزواج من المشركين كان محرم على المؤمنيين ولكن رغما عن ذلك إن تزوج مؤمن مشركة أو مؤمنة مشرك لم يكن يحدث تدخل من “الدولة” لمنعه (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)

بينما الأوامر الصادرة من محمد بن عبد الله حاكم المدينة كانت إلزامية!

السؤال هو في دولة ما بعد الرسول هل كانت مدنية أم دينية؟!
نقول:
هي مدنية ذات مرجعية إسلامية! لأن الحاكم يستمد شرعيته من مبايعة المسلمين وليس أنه يحكم باسم الله! فالمفترض أن الجمهور هو من كان يختار الإمام وهو ما كان يحدث ثم تم إلغاء هذا النظام وإرساء الحكم العضوض الجبري على يد معاوية (والذي لم يكن كذلك حكما دينياً, وإنما جبريا)

نعم تم نشر عقيدة الجبر بين المسلمين في الدولة الأموية ولكنهم نسبوا وصولهم إلى الحكم بإذن الله وأن هذا هو إرادة الله, ولكنهم لم يقولوا أنهم يتكلمون باسم الله! فلم يجرأوا في نهاية المطاف أن يشرعوا!

فالتشريع أصالة كان للوحي وما يستنبطه الفقهاء أم أن يشرع حاكم من عند نفسه باسم الله فهو ما لم يجرؤ عليه حاكم “مسلم”!
والله أعلم

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

خطبة سورة النازعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.