اختزال الإنسان

ما أسهل أن يجيب الإنسان على السؤال: من أنت؟ ولكن عندما يُسأل: ما أنت؟ فإن الإجابة تكون عسيرة جداً!

لأننا لا يمكننا أن نختزل كينونتنا في كلمة واحدة أو في عدد من الكلمات! لأن كل إنسان منا يحمل بين طياته العديد والعديد من الجوانب والزوايا التي تشكل وتكون بمجموعها شخصيته وكيانه!

والإشكالية الكبرى عند الإنسان أي هذه الملامح ينبغي عليه أن يبرزها ويقدمها كمُعرف رئيس له! ولأن أكثر البشر لا يعرفون أنفسهم فعلاً –بما فيهم علماء النفس والاجتماع أنفسهم!!- فإنهم يكتفون بتعريف أنفسهم بالوظيفة التي يشغلها في هذه المرحلة: أنا طالب! أنا مهندس .. الخ.

ولأن الكون أكبر من أن يحيط به إنسان أو جماعة بشرية, لجأ البشر منذ قديم الزمان إلى التخصص ليفلحوا في التعامل معه, فأصبح لكل فرد وجماعة مجالهم الذي ينشغلون به, فهذا متخصص في معالجة الأخشاب “النجارة”, وذلك في زراعة صنف من الفاكهة, وهذا في كذا .. الخ!

وكذلك كان الحال مع الإنسان –فرداً ومجتمعا-, فتخصص العلماء والباحثون والمفكرون في جانب معين من جوانبه, فهذا تخصصه الهرمونات وإفرازاتها, وذلك النفس البشرية وذاك الروحانيات .. الخ.

ولا حرج في هذا فالتخصص ضرورة حتمية, ولكن المشكلة التي وقع فيها أصحاب التخصص هي “الاختزال”, فكل صاحب تخصص يُضخم مجال دراسته وتخصصه, ويكاد يجعلها هي الإنسان أو محركه وما عداه فثانوي التأثير! وهذا ما رأيناه من مُنظرين ومفكرين كبار!

وليس من صغار الباحثين أو عوام الناس! فعند نفر منهم الاحتياجات الجسدية هي المحرك الرئيس للإنسان, والإنسان ما هو أصلا إلا جسد!! وكل شيء ذو أصل مادي فحتى الأخلاق ما هي إلا تفاعلات وعمليات عصبية بالمخ!! وعند آخرين المجتمع هو المشكل الرئيس لشخصية الإنسان! وعند غيرهم المحور الرئيس للتاريخ هو الصراع بين الطبقات الكادحة وأرباب المال!

وكل الأحداث التاريخية هي ظاهرة من ظواهر هذا الصراع! وعند غيرهم المتعة/ اللذة هي الغاية الرئيس لحياة الإنسان, وعليه الحصول على والوصول إلى أكبر قدر من اللذائذ, وهكذا!

ورغما عن أن أتباع الدين الإسلامي يفخرون دوما بأن الدين لا يعادي الدنيا, إلا أن الناظر يجد أن الأكثرية الغالبة ل “القائمين” على الدين الإسلامي لا يقدمونه باعتباره “مكونا” من ضمن مكونات عديدة للذات الإنسانية, وإنما يقدمونه باعتباره “المكون” الرئيس أو الوحيد! مكون شمولي يشمل كل جوانب الحياة وكل حركات بل وخلجات الإنسان! ففي كل صغيرة وكبيرة للدين توجيه وحكم,

وهناك منظور ديني تفصيلي للحياة (وليس: إجمالياً كلياً, وهو منظور بشري تكون عبر قرون طويلة) كما يأخذون موقفاً عدائياً من باقي المذاهب الفكرية والفلسفية, باعتبارها منافساً للدين, وكذلك من كثير من الفنون باعتبارها مما يفسد الإنسان, بينما الدين وحده هو ما يُزكي الإنسان!

وبدلاً من أن يكون دور “رجال الدين” هو المحافظة على التوازن الداخلي لدى الإنسان, وأن يعملوا على تنمية كل الخصال الفطرية الحميدة بداخله, باستخدام كل آليات المجتمع السليمة وكل النتاج البشري المباح, وقعوا هم كذلك في الاختزال, فاختزلوا الإنسان في “عبد”, عليه التقرب من الله وذكره ليل نهار!

“فكل ما يلهي عن ذكر الله فهو حرام” (ولست أدري من أين جاءوا بهذا القول!!), كما أنه من الأفضل أن يزهد في الدنيا! فصورة الزاهد الصوفي المتجرد من الدنيا هي صورة “العبد المثالي” عند عامة المسلمين, والذين يطمحون لتحقيقها في آخر حياتهم!!

والحق أنه لا يمكننا الحديث عن اختزال الجسد مقابل الروح في التطبيق الإسلامي, فالروح والروحانيات لم تأخذ مكانتها المتوقع في الدين, وإنما تم اختزال العقل والروح والإبداع والقضايا المجتمعية الكبرى مقابل الشعائر, فكم من كوارث تصيب المجتمع تقابل بالصمت التام أو الحديث التلميحي بدون تقديم حلول جذرية لها!

ولهذا لم يجد الإنسان في الدين –عامة- ما يشفي صدره! فهو يلبي له بعض الاحتياجات الروحانية, إلا أنه مقابل هذا يطالبه بوأد جوانب أخرى من شخصيته والاستغناء عنها بحجة أنها مفسدة!! بل ويحصره في شريط ضيق جدا من الحياة الشاسعة!!

فهناك شكل واحد فقط سليم لتطبيق الدين وعلى المسلم أن يتعلمه ليطبقه!! وإن خالفه فهو في ضلال! نعم الإنسان بحاجة إلى غذاء الروح ولكنه كذلك جسد له احتياجاته وهو كذلك ذو عقل له ثوابته وبديهياته, وهو ذو وجدان يستطيب الجمال بأنواعه وأشكاله, وهو كذلك ذو طاقات عديدة, من أبرزها الإبداعية, يريد أن يفجرها, ويأتي بما لم يأت الأوائل.

لذا فإني ك “رجل دين” أرجو أن ينتبه “رجال الدين” إلى الموضع الذي أنزلوا فيه الدين, فالإنسان –المعاصر بدرجة كبيرة- لم يعد يرى في الدين مزية كبيرة عن غيره, بل ربما يرى في المذاهب الفكرية والفنية الأخرى مزايا ليست في الدين,

ولولا الثواب والعقاب لما وجدنا تمسكاً عند أكثر العوام به! أرجو أن يعودوا إلى دورهم الرئيس ك “ناصحين مرشدين” وليس كحاكمين! إلى مزكين, دورهم الرئيس “ضابطي إيقاع” يحافظون على توازن المكون الإنساني, فلا يطغى مكون على آخر فيختل الإنسان!! فتلعب أدوارها بالتوازي وبالانسجام فيما بينها, بدلا من الصدام أو محو أجزاء لأخرى! يغرسون في الإنسان منظورا شمولياً للكون, يقفون بجواره يدافعون عنه, يوجدون “متنفسات” صحية أخلاقية جمالية لطاقاته وقدراته وليس كبتها!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.