ثاني سور المدينة: القصص

بعد أن عرضنا سريعاً لأولى سور المرحلة المدنية نزولاً, ننتقل إلى السورة التالية لها, والثانية نزولاً وهي القصص, فنقول:

في تلك المرحلة كان المؤمنون, الذين يشعرون أنهم قلة مستضعفة, تجول في صدورهم خواطر عديدة بشأن مآلهم ومصيرهم في هذا الموطن الجديد, إلى ما سيصير حالهم! وهل سيأتي اليوم الذي يتغير حالهم, فيظهرون على غيرهم.

وفي هذه الأجواء أنزل الله سورة القصص ليثبت المؤمنين المهاجرين (1) بأنهم سيُمكن لهم, بتعريفهم بأن العاقبة للمتقين وأن المفسدين مهما علوا وتجبروا فمصيرهم إلى هلاك, فتذكر السورة للمؤمنين من نبأ موسى المهاجر الذي عاد ومُكن له ولقومه
(فهو ينبه المسلمين إلى كيف أن اليهود الذين يعادونهم ويؤذونهم كانوا هم كذلك في الأصل مستضعفين ومُكن لهم!!)
وحال فرعون وقومه وكيف أنهم استكبروا وعلو في الأرض فكان عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة, ولم يكن هذا حالهم وحدهم وإنما حال قرى كثيرة بطرت معيشتها فأهلكها الله العزيز, وكيف أن هذه السنة عامة, فحتى أتباع الأنبياء لو علوا واستكبروا في الأرض ستكون عاقبتهم الهلاك, فآمنوا وصدقوا بموعود الله فهو الباقي وهو الحق.

ونبدأ في تناول السورة لنعرض بتفصيل ما ذكرناه هنا إجمالاً:
قبل أن تبدأ السورة القص تقول أن ما سيُتلى هو لقوم يؤمنون (فالقصة موجهة), وتبدأ بالقول أن فرعون علا في الأرض, بينما كان الله يريد أن يمن على الذين استضعفوا ويمكن لهم في الأرض (والتمكين في الأرض والعاقبة هو محور السورة) !

ويري فرعون وهامان ما كانوا يحذرون -فالطغاة المتكبرون هم كذلك يخشون قوة شوكة المستضعفين في يوم ما-, (ونلاحظ أن تحقيق إرادة الله تغيير وضع المستضعفين تستغرق سنوات طوال, منذ ميلاد المنقذ وحتى كبره, ومن ثم فلا تتعجلوا أي المسلمون)

ثم تبدأ القصة بذكر ميلاد موسى وكيف نجاه الله من الطغاة, وكيف كبر, وكيف اضطر للخروج/ للهجرة من بلده هرباً من الظالمين, وكيف يسر الله له في موطنه الجديد احتياجاته من مأوى وزوج. ثم كيف كلمه وكلفه ربه ووعده بالغلبة.
وكيف اتهم فرعون وقومُه موسى بأن ما جاء به سحر, وكان رد موسى أن قال: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ (2)وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وكيف استكبروا وتلاعبوا فأهلكهم الله: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ. فأهلكوا وأصبحوا أئمة (3) يدعون إلى النار وأتبعوا باللعنات!

ثم تبدأ الآيات في الرد على اعتراضات اليهود على الكتاب الجديد (القرآن 4) بالقول أن الكتاب الذي أوتاه موسى كان هدى ورحمة لعلهم يتذكرون, ولما تطاول العمر على الناس جاء الرسول رحمة لعلهم يتذكرون! وكيف كفروا بما جاء به الرسول وطالبوا بالآيات الحسية! ويؤمر الرسول بمطالبتهم بأن يأتوا بكتاب أهدى منهما –فمحتوى الكتابين واحد, والاختلاف هو من الإضافات البشرية

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)
ثم يبين الله أنه وصل لهم القول لعلهم يتذكرون! وكيف أن الذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به, وكيف أن الهداية من الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)

وكيف أن الجاهلين رفضوا اتباع الهدى بحجة خوف التخطف من الأرض. وكيف أن هذا ليس ما ينبغي الخوف منه, وإنما ينبغي الخوف من الله, فكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها (5), ولكن بعد الإنذار وإرسال الرسول يتلو الآيات! فمن وعد وعدا حسنا ليس كمن مُتع في الدنيا وفي الآخرة من المحضرين (تذكر تحقق الوعد مع أم موسى في أول السورة).

وفي ذلك اليوم ينادي الله أين شركاءه؟ ويتحدث عن الإتيان بالشهداء:
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) …. وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)

(قارن هذا المشهد بمثيله المذكور في سورة النحل:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) … وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)

وكما بدأت السورة بالحديث عن علو فرعون خُتمت ب:بغي قارون على قوم موسى, وكيف طولب بابتغاء الدار الآخرة! فلم يستجب!وهلاك كلا الباغيين فلم ينفعهم ولم يحمهم طغيانهم!, أحدهما غرقاً والآخر خسفا!! (لاحظ المستعلين, كان عاقبتهما الانحطاط والسفلية غرقا وخسفا!)

ثم يختم الله السورة بالقانون العام الذي ذكر نموذجا له في أول السورة: فرعون, وهو أن الدار الآخرة ليست للعالين المفسدين, وعاقبتهم في الدنيا الهلاك بينما العاقبة للمتقين, وأن العبرة بالعمل, فمن جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فسيجزى مثلها, فعلى المسلمين ألا يجزعوا في هذا البلد الجديد:
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)

بعدها يعد الله الرسول بأنه سيرده إلى معاد (كما تحقق الوعد بالرد مع أم موسى), ويأمره بالقول أن الله هو الأعلم بمن جاء بالهدى:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85)

وتختم السورة بتثبيت الرسول وبتذكيره أنه قبل كان البعثة يتساءل: هل يمكن أن يلقى إليه الكتاب, ولكنه كان يستبعد هذا, فأنعم الله عليه به, فلا يظاهر الكافرين “تذكر قول موسى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ [القصص : 17] “, وأن عليه ألا يؤثر صد هؤلاء اليهود عليه عن آيات الله.

وكما أُمر بالدعوة في آخر سورة النحل, يؤمر هنا كذلك, وكما انتهت النحل بنفي الشرك, تنتهي القصص بالنهي عن الشرك وعن دعوة إله مع الله وبالتذكير بأن الكل راجع إلى الله “وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ [القصص : 39]”, فعلى الإنسان ألا يتكبر ويحاول العلو في الأرض:

وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

وأعتقد أنه قد بان للقارئ بعد هذا التناول السريع كم هو بديع منسجم نسيج سورة القصص, وكيف ربط الله على قلوب المهاجرين بهذه السورة وأعطاهم الأمل بأنهم سيمكن لهم في الأرض وهو ما كان.

وكالعادة نطلب إلى القارئ أن يفتح المصحف ويقرأ السورة تبعاً لهذا المنظور الجديد, ليبصر بعينه كم هي قوية مؤثرة متماسكة, وسيبصر بنفسه الكثير من الإشارات التي لم نذكر هنا.

غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله.
_______________________
(1) الذين قيل في حقهم في سورة النحل: ” وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ..[النحل : 41] “
(2) لاحظ استمرار الحديث عن الهدى والضلال المذكورين مسبقاً في سورة النحل: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) …. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125), والذي سيتكرر في أكثر من موطن هنا في القصص.
(3) لاحظ أن الله أراد أن يجعل المستضعفين أئمة ويجعلهم الوارثين, وهؤلاء جعلوا أئمة إلى النار ملعونين.
(4)تذكر: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده … وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما مفتر.
(5)” وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل : 112]”, والقرية المضروبة مثلا هي مصر التي بُعث فيها موسى, وهي التي أخذها الله بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون, وهم الذين أخذهم العذاب وهم ظالمون.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.