سفر المرأة بدون محرم

من المسائل المتعلقة بحرية المرأة, مسألة إمكانية سفرها بمفردها إلى أي مكان تريد, فالمفترض أنها كإنسان بالغ لها هذا الحق كما للرجل, إلا أن أكثر الفقهاء يرون أن المرأة لا يجوز لها السفر إلا بوجود محرم! فإن لم يتوفر فلا يجوز لها السفر! ويستندون في هذا إلى بعض أحاديث للرسول الكريم!

إلا أن هذا الرأي ليس مجمعاً عليه, فكان هناك دوما منذ عهد الصحابة مخالف له, فالسيدة عائشة كان لها رأيٌ آخر في هذه المسألة, أورده الزركشي في “الإجابة”, فقال:

“إِنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَت أن أَبَا سَعِيْد الخُدْري قَالَ: نهى رَسُوْل اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَة أن تسافر إِلَّا ومعها ذو محرم.
قَالَت عَمْرَة: فالْتَفَتَت عَائِشَة إِلَى بَعْض النِّسَاء وقَالَتْ: مَا لكلَكِن ذو محرم.
وأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِيْ سُنَنِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَاتِم:
لَمْ تكن عَائِشَة بالمتهمة أَبَا سَعِيْد لعدالته, وإِنَّمَا أَرَادَت بِقَوْلِها: “مَا لكلَكِن ذو محرم” تريد أَنَّهُ لَيْسَ لكلَكِن ذو محرم تسافر معه فاتقين الله ِوَلَا تسافر وَاحِدة منكن إِلَّا بذي محرم يَكُوْنُ معها.
قُلْت ينافِي هَذَا رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: “مَا كلهن ذوات محرم”, وقَدْ أدخله فِي بَاب لزومها الْحَجّ مَعَ النِّسَاء الثقات.
وقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي “مَعَانِي الْآَثَار”:
احْتَجَّ بخبر عَائِشَة هَذَا من لَمْ يشترط الْمُحْرِم فِي وُجُوْب الْحَجّ.
وَلَا حجة فِي قَوْل أَحَد مَعَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحِلّ لامرأة أن تسافر مسيرة ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا ومعها محرم”
قَالَ: وقَدْ قِيْلَ لأبي حنيفة: فإِنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تسافر بِلَا محرم فَقَالَ أَبُو حنيفة: كَانَ النَّاس لعَائِشَة محرما مَعَ أيهم سافرت فَقَدْ سافرت مَعَ محرم ولَيْسَ لغَيْرهَا من النِّسَاء كَذَلِكَ. ” اهـ

ولقد ورد في مسألة النهي عن سفر المرأة بدون محرم روايات كثيرة عن رسول الله, فنجد البخاري يروي في صحيحه, في باب: في كم يقصر الصلاة:
“عن أبي هريرة: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ”
فهذه الرواية لا تجيز للمرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة بدون ذي محرم!

فإذا نظرنا في صحيح مسلم وجدناه يروي في باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره:
” ….. سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ”
فهذه الرواية لا تجيز للمرأة أن تسافر مسيرة يومين إلا بوجود ذي محرم, وهذا يعني أنه يجوز لها أن تسير مسيرة يوم بدون محرم!

كما نجد رواية عند مسلم, في نفس الباب, عن أبي هريرة كذلك, يقول فيها:
“قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا

ورواية أخرى في نفس الباب, يقول فيها:
“عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا” اهـ
فهذه الرواية تحدد النهي بثلاثة أيام, وهذا يعني أنه يجوز لها أن تسافر أقل من ذلك بدون ذي محرم!

والسؤال الذي نطرحه: هل المنهي عنه هو يوم أم اثنان أم ثلاثة؟ وهل النهي هنا يفيد الحرمة أم الكراهة؟!
الناظر في الأحاديث يجد أن هناك روايات أخرى تتحدث عن نهي النبي بدون استعمال “لا يحل” وإنما تكلمت فقط عن النهي,

ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه:
“عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تسافر امرأة فوق ثلاثة إلا مع ذي محرم”.
والإمام الترمذي نفسه نجده يقول في سننه:
“بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ وَحَدَهَا:
وَرُوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.” اهـ

فالإمام الترمذي يعد النهي الواردة في الأحاديث من باب الكراهة, وليس حراما, ونحن نقول أنه ليس حراما, لأنه لم يرد بشأنها أي حكم في القرآن! والحرام مفصل في القرآن!

والاختلاف الوارد في الأحاديث راجع إلى نسيان الرواة! –وهذا ما لا نرجحه- أو إلى أن الرسول الكريم ذكر هذه الإمكانيات المختلفة في أكثر من مرة!

فمرة يقول يوم ومرة يومين ومرة ثلاثة أيام! وهذا يدل على أن هذا الحكم صادر عن النبي الكريم كتشريع ظرفي مؤقت مرتبط بمناسبته, فعندما يكون الوضع أكثر أمنا تزيد الأيام, وعندما يضعف الأمن تقل الأيام!

فالنبي الكريم لما رأى أن سفر المرأة بمفردها قد يُعرضها للاختطاف أو للسرقة ولمخاطر كثيرة, عد هذا من باب إلقاء النفس إلى التهلكة! لذا لم يجز السفر للنساء –بصفته قائد للمسلمين- إلا بوجود ذي محرم!

وهذا من الأمور التنفيذية, التي يمكن لأي حاكم التصرف فيها, وتغيير حكمها حسب الأحوال, من فترة إلى أخرى, وليس من شرع الله, لأن شرع الله لا يُغير.

والسيدة عائشة لمّا سمعت هذا الحديث فهمت أن النبي الكريم لم يكن يقصد وجوب وجود المحرم لذاته, وإنما هو حكم معلل, والعبرة منه وجود ما يحمي المرأة, سواء كانوا ذوي محارم أو غير ذلك, لذلك قالت: “ما لكلكن ذو محرم”!
لذا فإذا عم الأمن وساد, جاز للمرأة أن تسافر بدون محرم! فإذا ضعف الأمن وجب وجود من يحميها!


والذي يؤكد كون المرأة لا تختلف عن الرجل في هذه المسألة قول الله تعالى في سورة النساء:
“إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً”

فنجد أن الله قرن الرجال بالنساء في المسألة, فلم يجعل للمرأة عذرا أنها امرأة بحاجة إلى محرم, وإنما اشترط لحصولها على العفو أن تكون مستضعفة مثل الرجل لا تستطيع حيلة للوصول, فإن استطاعت حيلة فالهجرة واجبة عليها مثلها مثل الرجل.

فهذا وغيره يؤكد أن أحاديث الرسول كانت تنظيمية وليست تشريعية! وهو ما نراه في كل المجتمعات, التي تسعي لإيجاد تأمين للمرأة في حركتها .. وليس منعها من الحركة أو تجريمها على هذا!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.