شهادة المرأة

فلقد خلق الله بني آدم من ذكر وأنثى وكرمهم ذكراً وأنثى! وقال عنهما “بعضكم من بعض”, إلا أنه مع تباعد الزمان عن العهد النبوي, حافظ الرجال على التكريم الذي قدمه الرب لخلقته, بينما عادت جرثومة احتقار وانتقاص الأنثى إلى الظهور مرة أخرى, مع نصوص تم دسها وأخرى تم تحريفها (في أقوال الرسول), ومع نصوص أسيئ فهمها!

ومع مرور الزمان أصبحت هذه الأفهام “الناقصة ذات العوج” هي ما جاء به الإسلام, وأصبح أي قول آخر هو من باب الابتداع والإتيان بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان! وأصبحت هذه الأقوال منطلقاً قوياً للطاعنين في الإسلام والصادين عنه, يزعقون في كل واد بأن الإسلام أهان المرأة وانتقصها واحتقرها!

ولقد عرضنا في مقالين سابقين لأشهر هذه النصوص التي تنتقص من قدر المرأة والتي تتحدث عن نقص عقلها وعوجها (في قسم: بشر درجة ثالثة), واليوم نتناول نقطة أخرى في هذا الشأن وهي: القول بأن شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل.

فإذا كان “الإسلام” يرى أن شهادة المرأة هي على النصف من الرجل, فهذا يعني انتقاص عقل –وقدر- المرأة لا محالة!! فهل هذا ما قالت به “النصوص الإسلامية” فعلاً؟

الناظر يجد أن مستند هذه القضية هو آية المداينة في سورة البقرة وأحاديث نقصان عقل المرأة والتي ذُكر فيها كذلك نقصان شهادتها كدليل, ولقد فندنا هذه الأحاديث مسبقا, فهل قالت الآية بانتصاف شهادة المرأة للرجل فعلا؟

هناك من التيارات الإسلامية من أقر بالمقدمة ولكنه لم يقر بالنتيجة وبرر هذا الحكم بتبريرات يراها هو مقنعة! وهناك من قال أن هذا الحكم ليس على إطلاقه وإنما هو في الإشهاد, بينما يختلف الحال في الشهادة, حيث تتساوى شهادة الرجل بالمرأة,

فقال:
(والكلام للباحث الإسلامي: عصام تليمة) “النص الوارد في القضية يحتاج إلى فهم في ضوء معناه وملابساته ومقاصده، فقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)

فالآية هنا تتحدث عن الإشهاد لا الشهادة، وفرق بينهما، فالإشهاد أن تختار أفرادا لحضور عقد بيع أو زواج، أما الشهادة فواجبة على من حضرها ولا تختار فيها (ولا تكتموا الشهادة).

ثانيا: هناك نصوص بينت أن شهادة المرأة تتساوى مع شهادة الرجل، كما في قضية اللعان، إذا اتهم رجل زوجته بالزنى، وليس لديه شهود، قال تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) وقال عن شهادة المرأة قبالة شهادة الرجل: (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) فلو كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل لطلب منها أن تشهد ثمان شهادات لا أربعة.

ثالثا: إجازة الإسلام للمرأة الفتوى ورواية الحديث، وكلاهما شهادة عن الله ورسوله، أفيعقل أن تشهد في أمر الدين وتكون شهادتها كاملة، ثم تكون نصف شهادة في دراهم ودنانير لا تسمن ولا تغني من جوع؟!

رابعا: هناك قضايا تقبل فيها شهادة المرأة ولا تقبل شهادة الرجل، كالشهادة في قضايا البكارة، والرضاع، وما هو من القضايا الخاصة بالمرأة” اهـ

وهذا القول أخف درجة من سابقيه إلا أن الإشكالية تبقى, فلماذا عند الإشهاد لا بد من وجود امرأتين مقابل الرجل؟!
فنقول: الناظر في الآية يجد حكمين, حكماً عاماً وحكما خاصاً نازلا في أناس ذوي أحوال خاصة, إلا أن المتعاملين مع الآية جعلوا الاثنين حكماً واحداً!

فالآية تبدأ بالحكم العام وهو الأمر بكتابة الديون ولا تترك هكذا شفاهة, فتُكتب بالعدل ولا يبخس منه شيئاً, فيضيع حق الدائن: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً”

ثم تنتقل الآية للحديث عن حالة خاصة, وهي حالة أن المدين قد يكون على أحوال قد يُخدع ويظلم فيها, فقد يكون سفيها أو ضعيفاً أو (أمياً) لا يستطيع أن يملي: “فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ”,

فهناك -من الرجال- من قد يكون سفيها! وهذا بالتأكيد ليس انتقاصا لجنس الرجال, وكذلك كون بعض الرجال لا يستطيع أن يملي صيغة “العقد”, ليس انتقاصاً وإنما إشارة إلى عموم وشيوع الأمية في هذا المجتمع.

فإذا كان الرجال في مجتمع ما على هذه الدرجة من الأمية فمن الطبيعي والمشاهد في كل المجتمعات أن تكون نسبة الأمية بين النساء أعلى وأكبر! ولهذا كان من المنطقي أن يُطلب استشهاد رجلين, فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن يرضى المتداينون من الشهداء!

فهنا لا بد من وجود رضى من المتداينين عن المستشهدين! وجود اقتناع بأن هذين المستشهدين “يفهمان” في هذه الأمور! حتى يكونا صالحين لإلغاء إمكانية حدوث الخداع أو الظلم بحق هذا السفيه أو الأمي, وإلا فلا فائدة لهذا الاستشهاد!

إذا وكما رأينا فهذا الحكم المقتطع هو حكم مخصوص لحالة مخصوصة, إن وجدت في زمننا طٌبق الحكم, وإن لم توجد يُنزل الحكم الأصلي بتساوي الشهادتين.

وهذا الحكم لا انتقاص فيه لقدر المرأة, فهو وارد في سياق يتحدث عن سفاهة وضعف و”أمية” رجال, فلا هذا يعيب الرجل ولا ذاك ينتقص المرأة, إن كانت “الأمية” هي الحالة السائدة في المجتمع, وخاصة في الأزمنة القديمة, وفي المناطق النائية في أزمنتنا المعاصرة, بينما يشينهما كلاهما إن كانوا هما من اختارا لأنفسهم أن يكونا على هذا الحال من عدم المعرفة.

والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.