Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-02-07 10:50:34Z | |

الخوف من الله

كنت أشاهد ذات مرة “قناة أطفال” فوجدت في أغنية أن فتاة تسأل “أخاها المذنب” –بلغة عامية-:
ألست خائفاً من الله؟ ويأتي الرد من الولد بتلعثم: –تمثيلي- طبعا طبعا ً إلا طبعاً!

ولن نتوقف هنا لنقول أن الأطفال عامة لا يخافون الله بأي حال من الأحوال, ولو خافوه لكانت كارثة كبرى, وليس لديهم تصور “سليم” عن الله سبحانه, فهذا مما يفوق مداركهم!

وإنما نتوقف لنعرض لقضية: “خوف الله *”, والتي تحتل مكانة كبيرة في نتاج “المدرسة السلوكية/ الصوفية” الإسلامية! ولأن “التخويف/ الترهيب” أصبح منهجاً “سلوكياً” لديها لتحريك مشاعر الناس!! فمن الطبيعي أن نجد هذا الحديث الطويل عن الخوف من الله وكيف أنه لا يستقيم إيمان إلا بالخوف من الله!!

وكالعادة وعند النظر في المحتوى المقدم في أكثر كتابات المدرسة السلوكية الإسلامية, نجدها قائمة على خليط غير متجانس, من آيات أو أجزاء آيات من كتاب الله –مقتطعة من سياقها ومناسبتها- وأحاديث صحيحة وضعيفة وأقوال لأفراد لاحقين بعد الرسول ليس لديهم معرفة بالإنسان ولا باحتياجاته اتخذوا مواقف معينة .. متطرفة أحياناً, ثم يُخرج من هذا الخليط بتصور عجيب ما أنزل الله به من سلطان ولا رضي عنه الرسول محمد!

فالناظر يجد أن هذا التراث يقدم صورة “منفرة” عن العلاقة بالله, القائمة على الخوف!
فيصور هذا التراث أن الخوف مرتبط بالإيمان, فإذا زاد الإيمان في قلب المؤمن, لم يعد يستحضر في قلبه إلا الخوف من الله! (جملة منقولة بالنص من كلام أحدهم), ويذكرون حديثاً غير صحيح كدليل على هذا, مثل ما رواه الترمذي: “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله *”

فالمفترض أن المؤمن قويم الإيمان قد يصل إلى درجة من الخوف تدفعه إلى هجر النساء!!! وإلى الهيام في الصحراء والجبال, باختصار الخوف من الله يفترض أنه سيؤدي إلى الرهبنة! (وهو ما نهى عنه الرسول وحذر منه وحاربه في أحاديث كثيرة).

ولا يقتصر الخوف على شعور, وإنما يتعداه فيصبح فكراً قويما! ونجد هذا متجلياً في الجملة الشهيرة في التراث الإسلامي: “رأس الحكمة مخافة الله!”
فإذا كنت حكيماً فإن حكمتك هذه ستدفعك إلى خوف الله!

ونظراً لأن هذا المعنى غير جيد, وجدنا من حاول تحريف معنى الخوف, فقال “إن معنى الخوف من الله تعالى هو: استشعار عظمته والوقوف بين يديه، وأنه يعلم سر العبد وجهره”!
ولكن هذا ليس هذا هو المعنى الحقيق للخوف! وإنما هو ما نجده في رواية مكذوبة منسوبة إلى الله العظيم ((ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي) تقول:
فكأن أفضل ما يريده الله من خلقه أن يبكون خوفاً منه!! إن الضمير هو الذي يؤنب الإنسان إذا ارتكب معصية, فالإنسان يحزن ويندم وقد يبكي على مخالفة أمر ربه ومعصيته, وهنا ليس خوفاً وإنما لشعور الإنسان بتقصيره وضعفه وأنه غير صالح ولا مستقيم.

ولذا وجدنا من كان صريحاً مع نفسه فقامت بعمل اختبار نفسي لقياس درجة خوف المرأة من الله, فكتبت:
– “هل تشعرين بالخوف عندما تفكرين بصفات الله عز وجل ؟
(ولست أدري لماذا ينبغي أن يشعر الإنسان بالخوف عندما يتفكر في صفات الله!!)
– هل تكثرين في دعائك من قول: ” يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك ” ؟
– هل منعك خوفك من الله عز وجل من أكل الحرام مع كونك كنت محتاجة ؟
– هل تشعرين بالخوف إذا تفكرت بذنوبك الماضية والحاضرة ؟
– هل كففت يوماً عن معصية خوفاً من عقاب الله عز وجل عليها ؟
– هل تقومين بالطاعة وتخافين أن لا يتقبّلها الله عز وجل منك ؟
– هل تخافين أن تموتي على غير الإسلام ؟
” اهـ- هل تخافين من الموت وما وراءه من عذاب القبر وعذاب يوم القيامة
وكثير من مثل تلك الكتابات “الترهيبية”, التي تغرس في وعي المسلم أن عليه أن يكون في حالة خوف دائم من الله وبهذا يكون إيمانه قويما!! وليس الأمر كما قالوا وخطوا.
لذا نعرض لهذا الشعور محاولين فك بعض خيوط هذا الالتباس, فنقول:

الخوف
شعور غير محبوب ولا مرغوب فيه من كل البشر بلا استثناء, لأنه مرتبط بحدوث أمر مكروه أو ألم أو إيذاء!
ورغماً عن هذا فإن الخوف يلعب عنصراً رئيساً في أي عملية تربوية قويمة, وإذا خلت منه, لن تفلح بأي حال, فلا بد من التشجيع والتحفيز وكذلك وجود عقاب –متناسب- عند التقصير والمخالفة, والخوف من العقاب هو الذي يدفع كثيراً من الناس لعدم مخالفة القوانين البشرية وكذلك لطاعة أوامر الوالدين مثلاً!

ولم يكن الدين استثناءً, -فديننا سنني كما بيّنا مسبقا-, فلقد قال بأن الحياة كلها اختبار كبير من الله, وأنه سيثيب المحسنين بعد انتهاءه وسيعاقب المخالفين المجرمين. والخوف من عقاب الله هو الذي يجعل كثيراً من المؤمنين يترددون قبل ارتكاب المعصية أو لا يفعلونها أصلاً! فالمفترض أن الفطرة السليمة تمنع الإنسان من ارتكاب المحرمات ولكن نفسه وشهواته قد تسيطر عليه وتزينها له أو قد يكون في حالة ضعف واحتياج شديد للشيء فتنهار مقاومته, بينما يشكل العقاب حاجزاً إضافيا!

الشاهد أن عامة الناس يخافون العقاب, كما يخاف الطالب والطفل عقاب المدرس والوالدين, -والذي لا يشترط أن يكون ضرباً فقد يكون طرداً أو إبعادا أو هجراً-, وهذا لا إشكال فيه, فإذا حدث وانتقل الخوف من العقاب إلى الخوف من الشخص المعاقِِب نفسِه أصبح هذا أمراً غير محمود, وأصبح دليلاً على أن هذا الشخص قاسي يكثر من المعاقبة, أو يعاقب العقاب الشديد على الأمر تافه الخطب, ومن ثم لا يكون هذا الشخص إنسانا جيداً, وذلك لأن الإنسان بفطرته يتقبل العقاب على التقصير والمخالفة, بل إن الإنسان نفسه كثيراً ما يعاقب نفسه!

فليس عند أي إنسان إشكالية في العقاب, وإنما مشكلته في العقاب المتكرر بلا داعي أو العقاب الكبير الهائل, والذي قد يدفعه للخوف من المعاقب! وبالتأكيد إذا أصبح الابن خائفاً من أبيه فمن غير المقبول بحال من الأحوال أن يحبه, أو تكون هناك أي مشاعر جيدة تجاهه, وإنما غالباً ما يتحول الأمر إلى الكره والبغض أو على أقل تقدير عدم الرغبة في وجوده.
ولا يقتصر الأمر على مجرد كره وإنما يتعداه كذلك إلى ضياع الشخصية, فالإنسان الخائف غالباً ما يكون مذبذباً ضعيف الإرادة, ليس لديه رغبة ولا قدرة على الفعل, بينما يختلف الحال تماماً مع الحب, فالحب يدفع الإنسان للفعل والحركة.

قد يخطر بذهن القارئ سؤال: هل يعني هذا أنك تقول أن المسلم لا يخاف الله؟!
فأقول: لا بد من وجود “خوف” في العلاقة مع الله, ولكن كيف يكون هذا الخوف, هذا هو السؤال!
الأصل في علاقة الإنسان بربه هي: الحب, وفيه قال الله الرحيم: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ .. [البقرة : 165]”,
وهذا الحب مخلوط بالرهبة! وذلك مثل –ولله المثل الأعلى- أن يحب الإنسان عالم جليل رحيم ذا منصب كبير, فهو من ناحية يحبه لما يساعده به من معونات فكرية ومادية, وفي عين الوقت يهاب جنابه وينظر إليه بعين الإجلال والتوقير والاحترام.
وهذا ما نجده من عباد الله الصالحين, فهم يدعون الله رغباً ورهباً: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء : 90]

وبالإضافة إلى رهبة الله, فالإنسان المسلم ينبغي أن يخاف عقاب الله –وهذا أمر صحي- يدفعه لترك المعاصي والذنوب, ولا يقتصر الأمر على العقاب وإنما يتعداه كذلك إلى المقام: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات : 40]”

فالأمر ليس مجرد مسألة عقاب, وإنما ينبغي النظر إلى من فرض وحرّم, ومراعاة مقامه, فليست أوامره ونواهيه كأي أوامر للبشر.

قد يقول قائل: ولكن الله أمرنا في كتابه بأن نخافه.
فأقول: نعم, ولكن الملاحظ أن الآيتين اللتين ورد فيهما الأمر بالخوف والخشية, كانا نهياً عن خوف وخشية غير الله وأمر بخوف وخشية الله! أي أن الله يقول للإنسان الذي قد يدفعه الخوف من –عقاب- إنسان أو إله –مزعوم- لا يضر ولا ينفع, إلى فعل أمر ما, فالله يقول للناس: أنا أحق بالخوف, فلا تخافوهم وخافون أنا, فالله أحق أن يٌستحضر جنابه عند الإقدام على فعل المعصية!
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾
فهو أمر مخصوص وليس أمراً عاماً مطلقاً, بينما أتى الأمر العام المطلق بالرهبة, فالإنسان الذي يتعرف على الله سيشعر بالرهبة تجاهه لا محالة:
“وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ [النحل : 51]”

وبمناسبة الحديث عن الخوف أقول:
الآية الوحيدة التي ذُكر فيها أن الله يخوف عباده كانت في سورة الزمر: “لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر : 16]”, والتي جاءت رداً على تخويف المشركين للرسول والذي ذكره الله في نفس السورة: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر : 36]”, فإذا كانوا يخوفونك بكذا فالله يخوف عباده بكذا وكذا.

ولا يقتصر الخوف على الخوف من العقاب وإنما يتعداه كذلك إلى الخوف من عدم قبول الأعمال, بعبارة أخرى الخوف من عدم الرضا, -وهو المحرك الأكبر للأحبة ولعلاقة الوالدين بالأبناء-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾

إذا فالعلاقة مع الله فيها خوف, ولكن ليس كما تصور السابقون خوف من ذات الله, وإنما بالمقام الأول خوف عقابه, خوف البعد عنه, وهو شعور طارئ يفترض وجوده فقط عند الهم بارتكاب معصية أو الانحراف عن الصراط المستقيم وليس شعورا مستمراً, بينما الأصل هو الحب والرهبة.


* الفعل “خاف” متعد بنفسه في اللسان العربي وفي القرآن كذلك, ولكن لورود آية في سورة الإنسان تقول: “إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان : 10]”, ظُن أن الفعل متعدٍ بحرف الجر: من, بينما المخوف في الآية هو اليوم كذلك, وهي مثل قول الطالب: أخاف عقاباً شديداً من المدرس.
* أصل هذا الحديث صحيح “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً” صحيح, والزيادة بعد ذلك غير صحيحة

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.