حدود الله .. وتطبيقها

تطبيق الحدود
يُعتبر “تطبيق الشريعة”, بمعنى أن تُعمل الدولة كل أحكام الإسلام بدون تعطيل حكمٍ واحدٍ, حلماً عزيزاً عند الأكثرية الساحقة من المسلمين, متدينين كانوا أو غير متدينين, فيرون أنه بتطبيق الشريعة سينصلح حال المجتمع ونعود إلى السيادة وتتحقق لنا الريادة التي كنا عليها في الأزمنة السابقة.
وهناك من الجماعات الإسلامية من يمارس النشاط السياسي, آملاً في الوصول إلى سدنة الحكم لتحقيق هذا الحلم!

وبغض النظر عن أن الشريعة ليست أحكاماً فقط, وإنما تشمل الدين كله من أخلاق ومعاملات وعقائد! وحتى لو استخدمناها بالاستعمال المتأخر بمعنى: الأحكام, وجدنا أن النصيب الأعظم من الشريعة مطبق في كل الدول الإسلامية, وأن الخلاف يدور في المقام الأول حول تطبيق العقوبات (المعروفة ب: الحدود!)! فيرى الداعون لتطبيقها أن هذه الأحكام الرادعة كفيلة بتحقيق الأمن والأمان في المجتمع المسلم!

وهكذا فإن معركة كثيرين من المسلمين هي تلك الآيات العشرة التي تقدم أحكاماً بقطع الرقاب والأيدي وجلد الظهور! المعروفة ب “الحدود” ويجعلونها مقياس تطبيق الشريعة!

بينما لا يتحرجون من إهمال آلاف الآيات القرآنية الأخرى والتي لم ولا يُعمل بها! لأنها ليست من آيات الأحكام –تبعاً للتقسيم الفقهي!-, كما لا يتحرجون من كثيرٍ من الممارسات الخاطئة المنتشرة في المجتمع والمخالفة للشريعة كذلك, والتي يكون نصيباً منها من السلطة الحاكمة نفسها! وينسى هؤلاء بكل عجب أن مجتمعاتنا تُحكم بقوانين مستندة إلى الشريعة فعلاً ونحن نرى المحاكم كم هي ممتلئة!

فليست العقوبات هي من يصلح حال الناس وإنما “التزكية والتهذيب”, فلو نجحوا في فرض هذه الأحكام المعطلة, فإنها لن تكون بالنسبة للمواطن أكثر من حزمة قوانين جديدة فُعلت! بينما يختلف الحال تماما بالتزكية التي ستبعدنا عن الوقوع في المعاصي التي تُعاقب بهذه العقوبات!

ونحن نرى أن إقامة “حدود الله” تبعاً للاستخدام القرآني –وليس تبعا للاستعمال الخاطئ المشهور- سيكون سببا رئيسا في صلاح المجتمع! فمن خلال استقراء الآيات المذكور فيها “حدود الله” نجد أن المراد من هذا المصطلح هو الحدود التي جعلها الله لتنظيم علاقة الرجل بالمرأة ولضمان حقوق المرأة, حتى لا يُجار عليها

وليس للمصطلح علاقة بالعقوبات الجسدية بأي حال! وهذا ما قالت به المواطن السبعة التي ذُكر فيها “حدود الله” في القرآن.

فإذا نظرنا في أول موطن في القرآن يتحدث عن الحدود كان تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة في حالة الصيام, بينما أول حديث عن “إقامة الحدود” يقول: “الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”
فهنا الحديث عن إقامة الحدود وتعدي الحدود, وهو نفس ما نجده في آية الطلاق: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً [الطلاق : 1]”,

فالله أجرى العلاقة الأسرية بين الرجل والمرأة بشكل معين, ومن يتعداها فقد ظلم نفسه.

فإن تعداها كان له عقوبة معينة وهو ما وجدناه في عقوبة الظهار الواردة في سورة المجادِلة: “فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ”,
وكذلك ما جاء في سورة النساء بعد الحديث عن المواريث (تنظيم أنصبة الذكور والإناث) نجد الله يقول: “تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء : 13]

وهناك آية أخرى وردت في سياق عام, وهي قوله: “التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 112]”,
فتُحمل على هذه الآيات. ومن ثم فارتباط “الحدود” بالعقوبات أمر ينبغي أن يعاد التفكير فيه, فلم تُذكر كلمة “حدود الله” في القرآن في معرض الحديث عن العقوبات وإنما سُميت العقوبات بال “جزاءً” (جزاءً بما كسبا), أو: “العذاب” (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) أو بالقصاص أو الإيذاء (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما), لذا فينبغي الحديث عن إعادة تطبيق (بعض) العقوبات, وليس عن تطبيق الحدود, لأنه تُطبق ولله الحمد بين الرجال والنساء في بيوتنا.

إن السبب في إطلاق “حدود الله” على العقوبات هو اعتماد فهم غير دقيق لبعض الروايات الواردة عن النبي وفهمها بشكل معين بدون الالتفات إلى باقي الروايات والتي بمجموعها تعطي نفس المدلول الذي قال به القرآن.

ولا يعني هذا أننا ندعو إلى تعطيل “العقوبات”, فنحن من الداعين إلى إعمالها, ولكن يوضع كل شيء في مقامه, فهناك من أحكام الشريعة المعطلة ما هو أهم من الحدود

وهناك من القيم ما ينبغي ترسيخه ثم تفعيله وهو ما يُفترض البدء به, ثم بعد عملية تهذيبية طويلة لمواطني الدول الإسلامية, ترسخ القيم الإسلامية في قلوبهم, وتعرفهم بدورهم في الحياة, بعد ذلك يكون تطبيق العقوبات!

ما كان في زمن نزولها الأول, فمعظم آيات العقوبات متأخرة النزول, أٌنزلت بعد أن استقر الإسلام في قلوب المؤمنين, وتهذبوا بأخلاقه وآدابه!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

خطبة سورة النازعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.