الأناشيد الربانية!

ما هي “الأناشيد الربانية”؟!!
كلنا يعرف مصطلح “الأناشيد الإسلامية”, وربما “الأناشيد الدينية”! … بينما لم يسبق لأحدنا السماع بهذا المصطلح!! فما هي تلك “الأناشيد الربانية”؟!

فنقول: بادئ ذي بدء: يحرص “المتدينون كثيراً على استخدام لفظ “أنشودة/ نشيد/ أناشيد” تمييزا للأداء الصوتي ذي المحتوى الديني, المقبول شرعاً بشروط معينة لديهم, وتفريقا لها عن “الأغنية والأغاني”, والتي قد تقدم محتوى “خارج” لا يتفق مع الدين الإسلامي. –وإن كان هناك من يرى على الرغم من ذلك أن “الأناشيد الإسلامية ليست من أمور الإسلام-

وأنا أرى أن هذا التفريق في غير محله! فلا مستند له! فهذه أنشودة وتلك أنشودة! وهذه أغنية وتلك أغنية! سواء صُحبت بالموسيقى أم بالمؤثرات الصوتية أو البشرية!! أم لم تُصحب! فهي ضرب من تحسين الصوت وتلحينه بالكلام, ولهذا أتعمد أن أقول أحيانا أمام بعض الشباب الملتزم مصطلح “الأغاني الدينية”.

وبغض النظر عن المصطلح نعود للمضمون فنقول:
الأعم الغالب في “الأناشيد الإسلامية” أنها “حزائنية أخروية”, فالأناشيد غالباً تقدم بإيقاع وموسيقى حزينة, تتحدث عن الندم والتقصير والخطأ وربما النصح للنفس أو للآخرين “نصح النادم الحزين” وكذلك ربما عن الموت وما بعد الموت من الحساب والجزاء.

وعلى هذه الإيقاع الحزائني نجد كثيراً من الأناشيد الشيعية, والتي تأثرت بمفاجعهم في أئمة آهل البيت, ومن ثم أصبح الإيقاع العام الغالب للإنشاد هو الحزين, حتى وإن كان المحتوى غير ذلك!
كما أن لغة هذه الأناشيد هي في الغالب الفصحى القديمة وليست لغة القطر, ولا يعني هذا أننا ندعو لتهميش الفصحى, وإنما لماذا الرجوع في الغالب إلى “قصائد” شعرية قديمة, لماذا لا تُنشأ بالتوازي أناشيد بالفصحى الحديثة وكذلك أخرى عامية بلسان كل قطر؟!

والعجيب أن هناك أناشيد إسلامية لا تقدم هذا المحتوى “التندمي” وتقدم محتوى “إنساني”, مثل أنشودة للزوجة أو للأم, ورغما عن ذلك فإنها تقدم بذات الإيقاع … الحزائني!! فلماذا؟!
ونحن لا نقول أن هذه هي أصناف الأناشيد الإسلامية, فهناك أناشيد للأطفال, هي في الغالب أناشيد تعليمية, إما تعلم مثلا التاريخ, أو تلقن الأخلاق الحسنة, وما على الأطفال فعله وما عليهم تركه. والعجيب أننا لا نجد “أناشيد أخلاقية” تقريباً تخاطب الشباب, وإنما نجد دوما تلك “الأناشيد الوعظية”! وكأن الشباب قد عرفوا ما عليهم فعله وكيف ينبغي فعله ثم يخالفون عمدا فنكتفي بوعظهم!!

وبالإضافة لذلك هناك أناشيد الصوفية, وهي قائمة بدرجة كبيرة على “الحب” حب الرسول وآل البيت والأولياء والمدح والذكر! وإن كانت لا تخلو من شطح ومبالغة وربما بعض المخالفات, التي تجعل الاستفادة منها –غالبا- مجرد طرب و “وجد” يجده الإنسان في قلبه.

وعلى النقيض تماما من الأغاني الرقيقة للصوفية نجد “الأناشيد الجهادية” والحماسية! والتي تتحدث في المقام الأول عن الجهاد -الحربي وليس جهاد النفس- وعن الموت في سبيل الله والانتصار للدين ومجاهدة الأعداء وعن قتال الظالمين للمسلمين … الخ, والتي غالباً ما ينتجها ويستمع إليها “الجهاديون”, وهذه الأناشيد تُنتج بشكل سري وقد يكون وجودها على الحاسوب الشخصي لإنسان ما من أدلة تطرفه.

وبالإضافة لهذه التوجهات بدأت تظهر مؤخرا “أناشيد دينية”, بنفس أساليب وتقنيات الأغاني العادية, -باستثناء الموديلز!!- فهي تستخدم كل أشكال الموسيقى, حتى الحديث منها مثل الراب وما شابه! كما أن أسلوب التصوير والإيقاع الذي يقدَم عليه الأنشودة, والمفردات العامية أو التي هي خليط من العامية والفصحى! بل و”هيئة المغني” نفسها, تكاد تكون هي هي المقدمة في الأغاني العادية!

إلا أن هذا التوجه لا يزال هو الأقل حجما –وإن كان ربما أكثر انتشاراً- في الأناشيد الإسلامية! ولا يقبل عليه المتدينون, لأنهم ينظرون إليه باعتباره نوعاً من التلاعب ويرونه محتوياً لكثير من التجاوزات والمخالفات.
وبغض النظر عن مصطلح “الإسلامي” الملصق بالأناشيد, وعن الحد الفاصل بينه وبين “الدنيوي” وعن أني أرى أن كل ما لا يخالف الشريعة يمكن أن يُدرج تحت “الإسلامي”, فالأغاني الثورية والتي تتحدث عن المشاعر الإنسانية النبيلة هي كذلك “إسلامية”.

بغض الطرف عن هذا كله نعود للغاية الرئيس من الموضوع ونقول:
أين الله في الأناشيد الإسلامية؟
فكما رأينا من خلال هذا العرض المفصل, فهناك أصناف عدة, وأصناف جديدة ظهرت, توصف بأنها إسلامية, ورغما عن تنوع المشارب إلا أن القاسم المشترك بينها هو:
غياب الله في هذه الأناشيد.
وقلّب عزيزي القارئ ناظريك في الأناشيد الإسلامية, ستجد أن ما يتحدث عن الله هو أقل أقل أقل القليل!
نعم هناك أناشيد تتحدث عن حب الله والحب في الله, ولكنها قليلة, والأناشيد التي تتحدث عن حب الرسول ومدح الرسول وذكر مناقبه أكثر منها! ناهيك عن أن هذه الأناشيد كذلك ليس هي ما نقصد.

فالحديث عن حب الله في الأنشودة لا يجعلها “ربانية”, فهو مثل الحديث عن الندم أو التوبة والاعتراف بالخطأ والتحسر! هي أنشودة “إنسانية”, فهي تتحدث عن مشاعر الإنسان تجاه ربه, وعن بعده عنه أو رجوعه إليه أو تقربه له, أو نداءه إياه .. الخ!

وغياب الله في الأناشيد الإسلامية هو أمر منطقي, فإذا كان قد غاب في الخطاب الديني وحضرت أمور أخرى مثل الفقه والحديث … الخ, فهل سيظهر في الأناشيد؟
إنني أتطلع إلى “أناشيد ربانية” تقدم الرب الإله للمؤمنين به من خلال مفرداتها, فتكون هناك أناشيد تتحدث عن رحمة الله, وأخرى عن قوة الله, وغيرها عن عظمة الله, وغيرها عن جمال الله وخلقه, وغيرها عن حكمة الله وغيرها عن لطف الله بعباده. وعن معرفته بأحوالهم وتقديره لضعفهم وتقصيرهم … وهكذا!

باختصار نريد أن نقدم الله للمسلمين بواسطة أسماءه الحسنى عبر سلاسل طويلة من الأناشيد, تربطهم بربهم وتحببهم فيه, وترهبهم إياه, وتقربهم منه. وسنجد أن تأثير هذه الأناشيد سيكون أنجع بكثير في سلوك المستمعين من خطب طوال يلقيها مشائخ على المنابر وكذلك أقوى تأثيراً في ترسيخ “الإيمانيات/العقيدة” في قلوب المسلمين.

إنني إذ أقارن الأناشيد الإسلامية بالإنشاد الديني المقدم من أتباع الأديان الأخرى, أجد أن الإله حاضر في إنشادهم, وأجدهم يقدمون أناشيد رائعة تُذكر وتُحبب في الإله! وأتحسر على أنه لا يوجد لدينا في تراثنا الفني الديني –إلا نادراً- مثل تلك الأناشيد الراقية, ذات المفردات الرقيقة, والمعاني المعاصرة التي تدور حول الإله وأسماءه الحسنى!

إنني أحلم بذلك اليوم الذي تكون فيه “الأناشيد الربانية” هي الأكثر عددا والأكثر إنتاجاً وانتشاراً بين المسلمين! أو على الأقل تأخذ مرتبة متقدمة بين الأصناف الموجودة حالياً … فهل سأرى هذا الحلم يتحقق بعد سنوات؟!
هل سيتبنى بعض من شباب الشعراء المحبين لربهم هذه الفكرة فيكتبوا أناشيد عن الله وأسماءه وأفعاله في دنيانا؟
وهل سيتبني كذلك بعض من المنشدين/ المغنيين تلك الأناشيد فيقدمونها للمسلمين بألحان عذبة؟!
أحلم بأن يحدث هذا قريبا وسأدعو الله من أجل أن يتحقق.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.