المسوخ!

المسوخ
غالباً ما ينصرف الذهن عند سماع تلك الكلمة إلى تلك الكائنات “نصف بشرية” التي نراها في أفلام الرعب, مثل الرجل الذئب والوحوش المختلفة .. مشوهة الشكل!

وربما تنصرف أذهان بعض المتدينين إلى أفراد من البشر عوقبوا عقاباً إلهياً على بعض المعاصي التي ارتكبوها بأن حولوا إلى بعض الحيوانات مثل الفيل والعقرب والقرد والخنزير … الخ, وعُرف هذا العقاب في لغتنا العامية المصرية ب “السخْط”, ونسمع دوما الدعاء الشهير: “إلهي تتسخط قرد يا بعيد”!

والسؤال هنا:
هل تعتقد أنه تعيش بيننا مسوخ؟!
وستأتي الإجابة سريعا: بالطبع لا, فهذه كائنات خيالية, لا وجود لها في الواقع.

فنقول:
دقق النظر عزيزي القارئ .. فهناك حولك الكثير من تلك المسوخ!
الكثير من الزومبي (الموتى الأحياء) تحديدا! .. الكثير من القردة والخنازير!
دقق النظر وستكتشفهم!

ولكن انتبه:
هذه المسوخ ليسوا أصحاب وجوه مشوهة ولا أنياب تتقاطر منها الدماء!
بل غالباً ما ستجدهم حسني المظهر … أنيقي الثياب .. منمقي الكلمة!
لذلك فلن يجدي أن تنظر إلى وجوههم لتكتشفهم!
وإنما أنت بحاجة إلى أن تنظر إلى قلوبهم … وإلى أعمالهم!

فبها ستعرف إذا كنت تتعامل مع أحد هذه المسوخ –وإذا كنت أنت نفسك قد صرت مسخاً- أم أنك تتعامل مع إنسان!
وهذه المسوخ الحقيقية أكثر خطراً وأشد ضرراً من مسوخ الأساطير والأفلام.

فتلك الخيالية تفضحها هيئتها بحيث يسارع البطل إلى الهرب منها!
بينما مسوخ الواقع غالباً ما تفلح في خداع المتعاملين معها .. وذلك لأن التشويه لم يحدث في وجوههم وأجسامهم, وإنما حدث في قلوبهم ونفوسهم .. فأصبحوا “مشوهي القلوب” … وهو ما لا نلتفت إليه ولا نقيس به الناس.

وهؤلاء المسوخ ليسوا “الأشرار” معتادي الإجرام أو الضرر, المشهورين بذلك …
وإنما هم أفراد “عاديون” نتعامل معهم بكل أريحية وحسن نية .. ولا يخطر ببالنا أنهم بهذا القبح الداخلي!! وهم أنفسهم لا يرون أنفسهم سيئين, وإنما يرون أنفسهم يفعلون ما يجب فعله! لذا لا يتحرج أحدهم من أفعاله ولا يندم عليها, وإنما يستمر في الاستزادة منها!

والتشوه الرئيس في نفوس وقلوب هؤلاء بدء برؤيتهم أنفسهم أهم وأفضل من كل الآخرين, ولهم من الحقوق ما ليس لغيرهم! ومن ثم أصبح كل همّهم أنفسهم, فانحصر سعيهم وحركتهم لأنفسهم وما عدا ذلك فلا يهمهم ولا يحرك قلوبهم …

فيرون معاناة الفقراء والمحتاجين حولهم فإما أن يعرضوا عنهم ويغضوا الطرف … أو يكتفوا برمي بعض الملاليم والفتات إليهم .. يرضون بذلك ضميرهم .. ويظنون أنهم أتوا بما يجب عليهم تجاههم!

ولا يقتصر الأمر على التجاهل والإعراض وعلى كونهم “أنانيين نفعيين”, وإنما يتعداه إلى أنهم يبيعون مبادئهم وأصدقائهم إذا أصبحوا عائقا عن الوصول ل “المصلحة”.

ولا يقتصر الأمر على الجانب المادي وإنما يتعداه إلى الجانب الإنساني!

فهناك من يرون أنفسهم أنهم “أولاد ناس” فهم يستحقون كل شيء, بينما الآخرون “ولاد …”, ومن ثم فلا قيمة لهم ولا يستحقون إلا أن يكونا “عبيداً” خادمين, منفذين لرغبات الأسياد!
ولا يقتصر الأمر على نظرة “الأثرياء” للفقراء, وإنما يتعداه كذلك لنظرة “مطحونين” لإخوتهم المعدمين مثلهم!

فهنا لا يقيمون الإنسان بماله وإنما ب “أفكاره ومعتقداته”! فالأهم لدى هؤلاء أن تكون موافقاً لهم فيما يعتقدون!
فإذا وافقت كنت إنسانا كامل الحقوق! أما إذا خالفت في “المذهب الديني أو السياسي” أو الرأي الفكري! نُزع عنك كل هذه الحقوق وأصبحت في نظرهم كائنا لا قيمة لك ولا وزن!

فالموافقون لهم –لأنهم مثلهم- لهم فقط لهم الحق في الحياة والكرامة! بينما المخالفون “فليذهبوا إلى الجحيم” أو بمعنى أدق: “فليهلك الآخرون وليموتوا”! فمهما حدث لهم, فسواء قُتلوا أو حُبسوا أو شُردوا .. لا يعني هذا بالنسبة لهم أي شيء ولا يحرك لهم جفن!!

ونجد هذا بكل أسف من “متدينين” بل ومن مدعي الاهتمام بحقوق الحيوان!! فلأنك مخالف له في مذهبه الديني فأنت “ضال” تستحق ما نزل بك! ولأنك “متشدد” في نظر الآخر فلا تستحق الرأفة … بينما الحيوانات المسكينة بحاجة إلى من يرأف بها!!

وإذا صدر هذه الأفعال الدنيئة منهم تجاه أفراد من غير جنسهم أو لونهم أو وطنهم أو لسانهم أو دينهم! لكان هذا غير مستبعد وهو ما يحدث من أكثر الناس أنهم لا يهتمون إلا بالمشتركين معهم في هذه السمات! ولكن وبكل عجب تجد هذا منهم تجاه إخوتهم في الدين والوطن واللسان وكل شيء! فيتجاهلون المظالم التي تقع بهم, بينما ينتفض هؤلاء لينقدوا زيادة قروش في سعر سلعة معينة, أو نتيجة مباراة ما, وللسخرية من الفريق المنافس!

ولا يقتصر الأمر على مجرد التجاهل وإنما يتعداه إلى الفرح بالمصاب الذي نزل بالآخرين وإلى الشماتة بهم! وإن كان لا يظهر هذا بلسانه, وإن كان في قرارة نفسه شامتا متشفيا!!

ومن هؤلاء المسوخ كذلك “صائدو الفتيات”, الذين يتلونون ويتشكلون حتى يستطيعوا الوصول إلى فتاة ما, وعندما تُسلمه المسكينة نفسها! يفر منها ويتحول إلى غيرها, وربما يكتفي بإلقاء بعض الأموال لها! ظناً منه أنه دفع لها مقابل ما أخذ منها, وأن هذا سيرضيها .. ومن ثم فهو لم يظلمها!! أو يبرر لنفسه أنها إنسانة غير جيدة!! ومن ثم فهي لا تستحقه!

وكذلك الأزواج … الذين يتزوجون ليستغلوا زوجاتهم! فهم يريدون أن تفعل لهم “زوجاتهم” كل شيء, بينما لا يرون لزوجاتهم حقوقا عليهم!! فهم يتزوجون ليأخذوا بدون أن يعطوا!

وكثيرٌ غير هذه النماذج المذكورة أوصلهم ظنهم أنهم أفضل “وأجمل” من غيرهم! إلى أن أصبحوا “نفوسا” قبيحة مشوهة! تنحدر وتنحدر! وكم من حسن المظهر .. مسخي المخبر!

وحاول أن تتفكر عزيزي القارئ في أصناف أخرى من المسوخ التي تتحرك حولك فستكتشف أصنافا أخرى غير المذكورة!

والإنسان على نفسه بصيرة … هو أعلم بها إذا كانت مشوهة ممسوخة … أم ترى للآخرين ما تراه لنفسها بل وترى لهم عليها حقوق المساعدة والإعانة.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.