حكم شاتم الرسول

فلقد سمعنا كلنا عن حادث الاعتداء الذي وقع على الجريدة الفرنسي شارلي أبيدو, والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً! وذلك لأن هذه الجريدة قامت بنشر رسومات مسيئة للرسول الكريم! ومن ثم فإن حكمهم –كما قالت كتب الفقه- هو: الإعدام! وهو ما قام بعضهم بتنفيذه في هذه الحالة وفي حالات سابقة وسيتم تكراره فيما بعد انتصاراً لرسول الله!

ولأن مسألة سفك الدماء والحكم بإراقتها ليست بالأمر اليسير وخاصة إذا كانت عقاباً على مجرد كلمة يقولها الإنسان لا تقدم ولا تؤخر, لذا نتوقف مع هذا الحكم القاسي لنقدم للقارئ الكريم نموذجاً للأحكام الفقهية التي زيدت واخترعت بعد الرسول وقامت على التخليط في الاستدلال ثم نُسبت إلى الدين وإلى الله الغفور الرحيم, فنقول:

الناظر في كتب الفقه يجد أنه يكاد يوجد إجماع على هذه المسألة, وأن الفقهاء كلهم تقريباً يقولون بهذا! فما هو مستندهم لهذا القول؟ هل جاء الأمر بهذا في القرآن أو حتى في أحاديث الرسول الصحيحة أو الضعيفة أن من سب الرسول يُقتل, مسلماً كان أو غير مسلم؟

تأتي الإجابة بأن لا, لا لم يأت دليل يقول بهذا بشكل مباشر: من سب الرسول فاقتلوه .. من سبني فاقتلوه!, وإنما وردت آيات وأحاديث تتحدث عن عذاب لمن يؤذي الرسول وعن عقاب أنزله الرسول بأفراد, -وكقاعدة عامة: إذا لم يأت الحكم صريحاً مباشراً في كتاب الله, لا يمكن الحديث عن حكم الدين في المسألة, فليست الاستنباطات مما يُنسب إلى الله- ولكن نقول: عمدة أدلتهم في الاستدلال هو ما جاء في سورة التوبة:

“وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ”

وليس في الآيات أن ساب الرسول يُقتل, ولكنهم ربطوا بين السباب والكفر وحد الردة, فبما أنه سب الرسولَ فقد كفر, ومن كفر يقام عليه حد الردة –الذي لم يثبت أصلاً, ويمكن الرجوع لبحثنا حول هذا الحد المفترى المخالف للقرآن-, ومن ثم وجدنا ابن تيمية –أشهر من كتب في المسألة, والذي أفرد لها كتاباً كاملاً أسماه: الصارم المسلول على شاتم الرسول- مثلاً يقول:

“إن سب الله أو سب رسوله كفرٌ ظاهرًا و باطنًا، وسواءٌ كان السابُّ يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل”.
وقال كذلك: هذا مذهب عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن حدّ من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل. وممن قاله مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي..
وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من يسب النبي صلى الله عليه وسلم القتل.
وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله.” اهـ

فإذا قلنا أن هذا مسلمٌ ارتد, فما هو حكم غير المسلم؟
نجد أن الحال اختلف قليلاً وإن كان قد وصل في نهاية المطاف إلى نفس النتيجة! فعند الفقهاء خلاف في الذمي هل يُقتل أم لا, والمشهور أنه يُقتل! اعتماداً على أنهم نقض العهد على احترام الدين الإسلامي! ومن ثم يُقتل!

وإن –إن- قبلنا هذا في الذمي فما هو مستند قتل غير الذمي الذي يسب الرسول؟ فهو غير مسلم ولا يقيم في بلاد المسلمين ولم يعاهدهم في يوم من الأيام على أي شيء, فما هو المستند لقتله؟ لا تجد مستنداً لهذه الفعلة النكراء إلا الكلام الإنشائي, من قبيل:

“قد أوجب الله تعالى على الأمة محبة نبيها وتعظيمه وتوقيره ونصرته وتعزيره واحترامه وحفظ مقامه. وقد شرع الله تعالى من العقوبة لمن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحفظ مقام نبينا، ويردع مَن سوَّلت له نفسه التجرؤ على هذا المقام بالسب أو الانتقاص أو الاستهزاء”

ولم تقتصر قسوة الحكم على مجرد الحكم بقتل الساب وإنما تعدته كذلك إلى الحكم بأنه لا يُستتاب ولا تُقبل توبته لإسقاط حكم القتل! فربما تُقبل توبته عند الله, إنما عند البشر توبته هذا لا وزن لها ويُقتل ثأراً لرسول الله!
وذلك “لما يدخل من المعرة بالسب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو حق لآدمي لم يعلم إسقاطه.”, فطالما صدرت هذه الكلمة من فمك لم يعد الأمر كفراً وإيماناً وإنما أصبح مثل قتل النفس لا يمكن التراجع فيها!!

وكما يقال: أثبت العرش أولاً ثم انقش! لذا نتوقف مع الأدلة التي يستدلون بها لنبين أنها في غير موطنها البتة ولا تنهض للقيام كدليل في مثل هذه المسألة الخطيرة, فنقول:
آيات التوبة التي يذكرونها لم تحدد عقاباً محدداً إنما توعدت بعذاب أليم: “وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “,
وهو مما يمكن فهمه على أنه عذاب دنيويً بالخزي أو الهزيمة أو الذل أو أخروي,
 ويؤكد أنه أخروي الآية التالية: “أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ”,
وأن الآية تتحدث أصلاً عن منافقين غير محددي الأشخاص, ومن ثم فلا إمكانية للحديث عن عقاب تنفذه الدولة لأنه لا دليل مادي! بينما العقاب الرباني سيطال أي إنسان!! ناهيك عن أن الآيات تتحدث عن إمكانية العفو عن طائفة: “إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ”.

والمسألة الفاصلة أن هؤلاء القوم لم يقتصر فعلهم على مجرد سباب وإنما كان سباب ومحاداة واستهزاء! وكانوا يبدون بخلاف ما يبطنون, والله العليم هو الوحيد المطلع على ما في القلوب, فمن له أن يحكم الآن –أو في أي زمان- على نفاق إنسان وسوء سريرته؟!
ويؤكد هذا آية الأحزاب:
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً [الأحزاب : 57]”,
فاقتصرت الآية على الوعيد باللعن وإعداد العذاب المهين -والذي لن يكون إلا متأخراً-, ومن ثم فالآيات لم تذكر أي عقاب “حكومي” ينزل بمن يسب الله أو رسوله!!

إن حدوث سب لرسول يأتي بدين جديد يقول للمخاطبين أنهم ضالون هو أمر بديهي!! فما من نبي إلا وسبه قومه, وكذلك سُب نبينا:
” وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [صـ : 4]”
“وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر : 6]”
“وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات : 36]”

ولم يأت أي وعيد دنيوي للرد على هذا السباب, وإنما كان الرسول يؤمر بالتولي والاستمرار في التذكير:
“كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات : 55]”
وكذلك: “فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور : 29]”

واختلاف الرد في الآيات المدنية عن هذه الآيات لأن الوضع لم يقتصر على مجرد تكذيب للرسول وإنما تعداه إلى أن الأمر هنا تعدى إلى معاداة ومحاربة ومكيدة ورمي للمؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا, فتعدى إلى ما يمكن تسميته بفتنة مجتمعية! ومن ثم كان الوعيد بالعذاب الشديد (ورغما عن ذلك لم يكن هناك عقوبة على مجرد السباب وإنما وعيد).

ومن ثم فمن غير المنطقي أن ننتظر أن يتعامل غير المسلمين مع نبي الإسلام بكل قداسة, نعم من المفترض التعامل باحترام وأدب (كما يُفترض أن نعامل مقدساتهم كذلك باحترام), ولكن إذا حدث وسببنا مقدساتهم فإنهم يسبون مقدساتنا وبالعكس, ولم نجد –على حد علمي- من أصدر قانونا بأن من سب مقدساً معينا يُقتل!

نعم هناك قوانين تجرم وتحرم سب المقدسات, لما تسبب من حساسيات بين الشعوب, وهذا هو المفترض فعلاً, ولكن فارق بين المعبود والبشر! والمسلمون لا يقولون أن محمداً إله أو نصف إله أو ابن إله! وإنما هو بشر! وبطبيعة الحال يختلف الأمر بين نقد بشري –كائناً ما كانت رتبته- وبين السخرية من معبود قوم ما!!

إن محمداً لو كان إلها يعبده المسلمون وقال المسلمون إن الحكم في دينهم على من يسب إلهاهم –سواء كان يؤمن به أو لا يؤمن به- هو أن يُقتل, لكان هذا أكبر من كاف لأن يصد الناس عن الإيمان به وبدينه ولتنفير الناس عنه, ولاعتبار الإسلام ديناً دموياً مثل عدد من أديان القبائل المتوحشة التي تعيش في الغابات!
تلك الأديان التي لم يسمع واضعوها بما يُعرف ب: حرية الرأي, ولا ب: المجتمعات التعددية.

إن الواقع يقول أن كثيراً من المسلمين كانوا ولا يزالون –وسيظلون- يسبون ويسخرون من آلهة غير المسلمين الوثنية, بل وكذلك من “تصور الإله” عند المسيحيين!
فهل يقبل المسلمون أن يغتالهم مسيحيون في بلادنا العربية لأنهم يسخرون من مقدساتهم, أو مجرد أن تعتقلهم الحكومات الغربية عندما يذهبون لبلادهم, لأنهم يسخرون من مقدساتهم, ناهيك عن أن يُحكم عليهم بالإعدام؟! ودعوى امتلاك الدين الحق لا تعطي أحداً الحق في الحكم على الآخر, فكل أتباع دين يرون أنفسهم أتباع الدين الحق!!

ولا يقتصر الأمر على مجرد إبطال الأدلة المستدل بها والاستدلال العقلي, وإنما يتعداه إلى أدلة كثيرة من السنة, تُصرح وتَصرخ بأن الرسول لم يكن يخطر بباله –مجرد خاطرة- أن من يسبه يستحق القتل! وأن له وضعا مخصوصاً في مسألة الاحترام والسباب يختلف عن باقي الناس! فثمة روايات كثيرة حدث فيها تجاوز على الرسول ولم يلمح الرسول إلى وجود عقوبة أصلا, وإنما كان يكتفي بالمسامحة, فمثلاً:

يروي ابن ماجة في سننه:
“عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ وَالْغَنَائِمَ وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلَالٍ فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ. فَقَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ. فَقَالَ عُمَرُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَابٍ أَوْ أُصَيْحَابٍ لَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ” اهـ
فالرسول يكتفي بتوبيخه قائلاً: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل!

ويروي أحمد الرواية في مسنده بتفصيل أكبر فيقول:
“عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ قَالَ فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ يَحْكِي الرَّجُلَ”

ويروي البخاري “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ وَقَالُوا لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً” اهـ
فها هو الرجل –الذي قالت روايات أخرى أنه يهودي- يغلظ للرسول, ولا يلمح الرسول لوجود عقوبة له! وإنما يأمر بحسن معاملته وحسن الإيفاء!

ويروي البخاري كذلك: “عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ
كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ”
فهل يجوز جذب الرسول والتطاول عليه بينما يُقتل سابه؟!

ويروي كذلك:

“عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ” اهـ
فالنبي يسمع من يتهمه بالمحاباة فيصبر على الإيذاء ولا يلمح لوجود عقوبة!

ويروي الطبراني في المعجم الكبير:
“عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَومَ أُحُدٍ:”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ” .
وعنه كذلك: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسَهِ، وَإِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ يَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَمَنْ يَنْقُلُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَمَاذَا جُعِلَ عَلَى جُرْحِهِ حَتَّى رَقَأَ الدَّمُ؟ كَانَتْ فَاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَنْقُلُ الْمَاءَ إِلَيْهَا فِي مَجَنَّةٍ، فَلَمَّا غَسَلَتِ الدَّمَ عَنْ وَجْهِ أَبِيهَا أَحْرَقَتْ حَصِيرًا، حَتَّى إِذَا صَارَتْ رَمَادًا أَخَذَتْ مِنَ ذَلِكَ الرَّمَادِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى رَقَأَ الدَّمُ، ثُمَّ قَالَ:”يَوْمَئِذٍ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ كَلَمُوا وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ:”اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ”.” اهـ

فهؤلاء القوم يخرجون لقتال الرسول والمسلمين ويقتلون من المسلمين ويجرحون الرسول, ثم يكون رده: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون! إن القول بأن ساب الرسول يُقتل ولا يستتاب يعني كذلك من باب أولى أن من قاتله وحاول قتله وكذلك من جرحه يُقتل ولا يستتاب! وأعتقد أن القتال ومحاولة القتل والجرح أشد من السباب! ورغما عن هذا لم يزد الرسول عن الدعاء لهم بالمغفرة!

وغير ذلك من الروايات التي تقول أن الرسول كان يطبق قول الله العلي الحكيم: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت : 34]”, فهو كان يصفح ويغفر لمن يسبه ويؤذيه ويقابل الإساءة بالإحسان!

إن رد السبة بسبة لا يتفق مع مكارم الأخلاق ولقد عاب الرسول على الصديق عندما رد على من يسبه! فما بالنا بمن يرد السبة بالقتل؟! هل يقبل هذا في أي عرف أو فطرة؟!!

إن الناظر في كتب الفقه يجد أن الذي انتصر هو فعل الصحابة وليس الهدي النبوي, فكلما كان يؤذي النبيَ شخصٌ كان الصحابة يهمون به انتصاراً للرسول فينهاهم الرسول!

والصحابة غالباً ما كانوا سيقتلونه وإنما كانوا سيؤدبونه فيضربونه لتطاوله ثم يتركونه –لأنهم يعلمون حرمة النفس-, فأتى الفقهاء فيما بعد وجعلوا جزاء من يسب الرسول القتل!!

المشكلة أن الفقهاء غضوا الطرف عن المسامحة والعفو اللذين كان يصدرهما الرسول في كل موقف, حتى العفو العام عن أهل مكة, وجعلوا هذا هو الاستثناء وتمسكوا بحالات بعينها –لها أسبابها- وقالوا أن هذه هي الأصل! ونعرض لأشهر حالة وهي حالة قتل كعب بن الأشرف, والتي قالوا أن الرسول قتله لأنه كان يسبه!

فنقول: على فرض وقوع الحدث كما جاء في الرواية, فكعب هذا كان معاهدا للمسلمين على ألا يحاربهم بل يحارب من يحاربهم, وكان زعيما في قومه, فنقض العهود وأخذ يؤلب العرب على قتال المسلمين!
وحث على قتل النبي وأخذ يتآمر على المسلمين, ووصل به الحال إلى أن شبب بنساء المسلمين وطعن في أعراضهن! والأولى منها أكثر من كافية لأن يُقتل! وشتان البون بين شخص يسب الرسول وبين آخر يوقد نار حرب بين بلدين هو معاهد لأحدها!

وفي الختام أقول:
قتل كل من يسب الرسول لن ينصر الرسول ولا الدين ولن يورثه هيبة, وإنما سيؤكد عند غير المسلمين ما يقال بشأنهم أنهم إرهابيون سافكو دماء! وستأخذهم الحمية للاستمرار في السخرية والزيادة فيها نكاية بهؤلاء البربر –نحن- وانتصارا لحرية التعبير .. الخ!

ولو حتى أفلحنا في منع من يسخر بقانون أو بسلاح, ففي القلوب ما فيها من الكره والبغض والاستخفاف! ومعركتنا كمسلمين ليس قوانين ولا قوالب وإنما قلوب, نريد أن نملأها بنور الله, ونجذبها إلى دينه, ولن يكون هذا بالتعالي عليهم وإعطاء أنفسنا مميزات وحقوق ليست لغيرنا!

ولم يكن معاصرو الرسول والصحابة يدخلون في دين الله لأن المسلمين كان لهم مزيات عليهم, وإنما لما يرون من الإنصاف وحسن المعاملة بل وتقديم المسلمين الآخرين عليهم, والتسامح واللين.

“كسر الأقلام وتكميم الأفواه” لم يكن في يوم إلا أسلوب الطغاة السياسيين, الذين يريدون إسكات الأصوات المعارضة, وهؤلاء لا يجدون نصيراً إلا من المنتفعين الوصوليين! فإذا استخدم دين هذا الأسلوب نفر الناس منه وتحاشوه! والمظلومية تجذب تعاطف الناس ومساندتهم!

إن الفكر لا يواجه إلا بالفكر والمقال بالمقال! ومن ثم فإن الواجب علينا نصرة لنبينا عندما يسبه ساب أن نرسل إلى الأفراد أو المؤسسات التي قامت بهذا كتيبات أو كُتب تعرفهم بالنبي, ونقيم ندوات تعريفية كذلك ندعوهم بأفرادهم إليها وندعو غيرهم من العوام وأرباب الأقلام, نصحح فيها الصورة التقليدية المغلوطة عن النبي, كما يمكن القيام ببعض التظاهرات الاحتجاجية المتحضرة, نظهر فيها استياءنا من الإساءة لنبينا!
كما يمكننا الضغط على الحكومات لاستصدار قوانين تمنع هذا!

هناك أساليب كثيرة يمكننا بها أن ننصر الحبيب محمد, ونظهر رفضنا وإنكارنا ولكن بدون إساءة إلى الآخرين ولا الاعتداء عليهم!

جعلنا الله وإياكم من المقتدين بصاحب الخلق العظيم
المتسامح الحريص علينا ما عنتنا.. الرؤوف المبعوث رحمة للعالمين!
سيدنا محمد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.