مقالي: قتله فكره!

قتله … فكره!
“قتله من أخرجه”
أي قارئ في التاريخ “الإسلامي” يعرف هذه الجملة جيداً, والتي تُستخدم عند الإشارة إلى قلب الحقائق, والتي قيلت عند مقتل عمار بن ياسر –والذي كان في جيش علي بن أبي طالب- على يد جيش معاوية, ولأنه كان مشهورا بين المسلمين تلك النبوءة التي أطلقها الرسول في حقه

كما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: “كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمر به النبي (ص) ومسح عن رأسه الغبار وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار”,
ولما قُتل عما ارتبك عمرو بن العاص كما يروي أحمد في مسنده: “فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية ، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار ! فقال معاوية: قد قُتل عمار فماذا ؟ قال عمرو: سمعت رسول الله يقول: تقتله الفئة الباغية! فقال له معاوية: دَحَضْتَ في بولك أَوَ نَحْنُ قتلناه؟ إنما قتله عليٌّ وأصحابُه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا. أو قال بين سيوفنا” اهـ


وقريب من هذا هو حال كثيرٍ من المسلمين, الذين يرون جواز قتل المخالفين لهم, لمجرد أنهم يحملون في رؤوسهم أفكاراً مخالفة لهم
فذلك الإنسان الذي ترك الدين لأنه لم يعد مقتنعاً به يجب قتله بإقامة حد الردة عليه. وفي الساحة الإسلامية حولنا لا نزال نسمع من يُروج لفكرة “الفرقة الناجية” بين المسلمين, وكيف أن طائفته هي الناجية حتماً, لأنها تؤمن بالعقيدة الصحيحة
بينما الآخرون عقيدتهم غير صحيحة .. فهم ضالون مضلون! وهم يحاولون هدم الإسلام! وجلنا يعرف المقولة الشهيرة التي يكررها كثيرٌ من السلفيين أن “الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى”!!

ورغما عن أنه أمر بديهي أن المختلف معي فكريا أو دينياً سيقول بأقوال لن تعجبني, وسأرى أنها تبعاً لعقيدتي نوعاً من السباب! إلا أن التيار السلفي مثلاً تقبل هذا وبكل عجب من أتباع الأديان الأخرى –فلكم دينكم ولي دين- بينما لم يتقبل هذا من المنتسبين إلى الإسلام!!

فقال مثلاً أن من يسب السيدة عائشة يُقتل حداً أو تعزيراً بعد أن يُستتاب! ولكن يوكل هذا الأمر إلى السلطان حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى!! وقالوا كذلك بجواز قتل المبتدعين والزنادقة “إذا كان في قتلهم مصلحة للدين وللإسلام والمسلمين”, إذا كانت بدعتهم مغلظة مكفرة! واستتيبوا فلم يتوبوا .. بل وقال بعضهم يُقتلون بدون أن يُستتابوا!!

وعندما يتم “شيطنة” المخالف, وإظهاره بمظهر المحارب لله ورسوله, يصبح سفك دمه أمراً هيناً, بل وربما مستحباً .. أو ليس ذلك نصرة للدين!! وهذا الخطاب الطائفي من أتباع المذهبين السني والشيعي هو السبب في حوادث القتل الكثيرة بين الفريقين!

وبكل عجب يرى كل أتباع كل مذهب تطرف الخطاب الديني للفريق الآخر, بينما لا يرى تطرف خطاب فرقته! ويعجب أكثر المسلمين من هذا ويتساءلون من أين يأتي التطرف ولماذا هؤلاء المتطرفون في ديننا السمح؟ وتأتي الإجابة بأن التطرف أتى من كتب التراث, التي لا يقرأها العوام! وإنما تُقدم لهم نسخة بسيطة “وديعة” من الدين, من المشائخ الذين يؤمن أكثرهم بالآراء التي آمن بها هؤلاء المتطرفون إلا أنهم يرون إيكال الأمر إلى الحاكم وليس تنفيذه شخصياً!!

إن القرآن كان صريحاً وحاسماً في مسألة العقاب بالقتل هذه, فقال أنه يكون على أمرين اثنين –وهذا ما كان في كل مراحل الدين, وما عقوبات القتل الكثيرة الموجودة في اليهودية إلا من افتراءات الكهان كذلك-, وهما: قتل النفس والإفساد في الأرض: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة : 32]”

وحتما فإن وجود بعض الأفكار في الرؤوس أو حتى الدعوة إلى بعض الأفكار ليس مما يستحق الإنسان القتل به! وليس هذا هو الأسلوب الأنجع في المواجهة, وإنما يواجه الفكر بالفكر, ولا “يقتل” الفكرة ويؤدها إلا فكرة أخرى أقوى برهانا! بينما مواجهة الفكرة بالسيف إلا يؤدي إلا إلى انتقالها من حالة العلانية إلى حالة السرية, بل وربما يكون هذا الاضطهاد سبباً أكثر في انتشارها وإقبال الناس عليها!

إن الكارثة الكبرى الآن هي تقبل كثيرٍ من المسلمين لقتل المخالفين لهم, لمجرد حملهم أفكاراً معينة في رؤوسهم, نراها نحن ضالة, بدون أن يعتدوا علينا أو يسفكوا دماءنا!

الكارثة هي تقبلنا لفكرة تنصيب أنفسنا قضاة وجلادين نحاسب الناس على أفكارهم, بدلاً من أن نكل هذا إلى الله الحق الرحيم ليحاسبهم في الآخرة! ولسان حال كثيرٍ من المتقبلين لهذا المسلك إذا سئلوا: هل مجرد وجود “ضلالات” في رأس إنسان كافية لأن أطير رأسه؟ لسان حالهم: لسنا نحن من قتلناه, وإنما قتله فكره!! فلو ظل على الحق ما قُتل!

لذا نتوقف –بإذن الله- في مقالات قادمة مع أشهر المسائل “الفكرية” التي قيل بأن “مرتكبها” يستحق القتل, مثل الردة والبدعة والعقيدة الضالة! لنبين كيف أن الدين لا يعاقب بحال من “يرتكب فكراً”, وإنما من “يعتدي فعلاً”.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

نبوءات ما قبل “آخر الزمان”

ونلاحظ في هذه التصورات جميعها أن البشرية تنتهي بتدخل "إلهي" حاسم, -من خلال إرساله أفراد خارقين, وكذلك ظهور كائنات غيبية مثل الشياطين- يؤدي إلى سيادة الخير والانتصار المبين على الشر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.