استعداء المخالفين

لم يكن اعتماد المسلمين أسلوب “القتال الدعوي”, أي عرض الدين على الأقوام المخالفة عن طريق الجيوش, استناداً فقط إلى إرسال الرسول للسرايا مصاحباً للدعاة بعد فتح مكة –كحماية لهم-, وإنما إلى نص صريح في المسألة وارد عن الرسول
هو ما رواه أبو داود –وغيره-: “عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا وَقَالَ: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ.” اهـ

ومن ثم وجدنا المسلمين يخرجون في جيوش لدعوة البلاد المجاورة إلى الإسلام أو دفع الجزية أو القتال! ورغما عن أنه مسلك قاسي, إلا أن كثيراً من المسلمين يبررون هذا بأننا نقدم لهؤلاء الأقوام الضالة الهداية! ورغما عن أنه غريب أن أقاتل أقواماً وأقتل منهم آلافاً لأوصل لهم هذه الهداية!

بدلا أن أدعوهم إليها بالتي هي أحسن أو أدعو لهم بالهداية!
وبغض النظر عن أن هذه الهداية لن تكون رحمة وإنما ستكون هداية دموية! فإن وضع الجزية كاختيار ثالث يبطل مسألة الهداية هذه! فلو قلت أني أعرض الإسلام أو القتال, فربما يكون مقبولاً! إنما يكون هناك خيارٌ ثالث, أن تعطيني المال فأعرض عناك ولا أقاتلك! فهذه بالتأكيد “إتاوة” وحركة من أجل المغنم وليس لنشر الدين!!

وكذلك فهذا الحديث صحيح وليس موضوعا ولا مختلقاً ولكنه أُنزل في غير موضعه! فهذا الحديث كان خطاباً لقادة سرايا جيوش المسلمين الذين يخرجون لقتال “العدو من المشركين”! والرسول طيلة عمره لم يقاتل إلا المعتدين! حتى قبل نزول قوله تعالى: “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة : 190]”,

ومن ثم فهناك اعتداء مسبق من المشركين الكافرين, والمسلمون خارجون لصد هؤلاء المعتدين! ومن رحمة الرسول حتى بالمعتدين يأمر قادة جيوشه أن يعطوهم فرصة أخيرة, فلا يبدئوهم بالقتال, وإنما يعرضوا عليهم عروضا تجنبهم القتال, وهي أن يسلموا أو يعلنوا انطوائهم تحت جناح المسلمين ومسالمتهم ودفع الجزية –كنوع من الغرامة-, وفي هذه الحالة لن يقاتلهم المسلمون, فإن أبوا يقاتلهم المسلمون!!

ولا حرج ولا إشكال في هذا المسلك! المشكلة أن المسلمين اعتمدوا هذا التوجيه النبوي الرحيم الخاص بالمعتدين, وعمموه فجعلوه قبالة كل غير المسلمين,!

ونسوا التوجيه النبوي الآخر, الذي اعتمده الرسول مع المسالمين من غير المسلمين, وهو ما رواه البيهقي في السنن الكبرى –وغيره-,

عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأتى قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم ان الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم وإياك ودعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.” اهـ

فالرسول يوجه سيدنا معاذ بن جبل إلى أنه سيدعوهم إلى شهادة الوحدانية, فإن أجابوه فينتقل إلى المرحلة التالية وهي تعليمهم الصلاة!
وإن لم يستجيبوا؟ هل يقاتلهم؟
لا لم يقل الرسول هذا, وإنما لن ينتقل سيدنا معاذ إلى المرحلة التالية, وسيتحول إلى غيرهم يدعوهم فلربما يجد منهم استجابة! وهذا هو نفس المنهج النبوي الذي اعتمده الرسول الرحمة طيلة دعوته!

الشاهد أنه كان هناك منهج دعوي واحد, التزمه الرسول هو ودعاته طيلة الدعوة, ولكن كانت هناك حالات استثنائية ربما كان يُصحب فيها الدعاة بحرس أو يُقدم الدين كمحاولة أخيرة لتجنيب المعتدين القتال, وكان له منهج واضح في القتال –القتال الدفاعي لصد المعتدين- اتبعه الخلفاء من بعده, ولكن مع تطاول الزمان وتباعده

اعتُمدت هذه الحالات الاستثنائية خطأً أو عمداً –والله أعلم بالنوايا- بعد الخلفاء في تقديم الدين لغير المسلمين أو اتخاذها متكئاً لغزو بلادهم والسيطرة على ثرواتها تحت اسم الدين!
وهكذا أصبح المسلمون يرون كل غير المسلمين أعداءً لهم يجب قتالهم ..! لإدخالهم في الدين وإيصال الهداية إليهم! أو بمعنى أدق إلى أبناءهم ونساءهم الذين سيبقون أحياءً .. والذين لن يرونه بأي حال رحمة .. وإنما وبال وهلاك وخراب .. ودين الله حتماً ليس كذلك!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

خطبة سورة النازعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.