الرجم

هل هناك رجم في الإسلام؟

الناظر في القرآن يجد أنه ليس ثمة آيات تتحدث عن عقاب بالرجم في أي جريمة من الجرائم, إلا من الأقوام الأخرى الذين كانوا يعاقبون المخالفين بها, مثل:
اإِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف : 20]
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود : 91]
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً [مريم : 46]
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ [الدخان : 20]
بينما لم نجد لها استخداما كعقوبة في الإسلام!
إلا في موطن الخلاف هنا وهو عقوبة الزاني المتزوج! فهل يمكن اعتباره الموطن الوحيد لاستخدامه في الدين؟!
نقول: بخلاف عدم وجود آيات تذكر الرجم كعقوبة كانت هناك آيات تتحدث عن عقوبة عامة للزناة وهي آيات النور!! ومن ثم فالمفترض أن يكون الأمر واضحا بأن عقاب الزاني هو الجلد!!

طبعاً سيقال: ولكن ورد في السنة روايات تقول أن الرسول (صلوات الله عليه) رجم! ومن ثم فهي عقوبة ثابتة!! مخصصة للنص القرآني, فالآيات ذكرت عقوبة غير المحصن, والسنة ذكرت عقوبة المحصن!

نقول: أثبت العرش أولا ثم انقش, لذا ننظر في آيات القرآن هل تسمح فعلاً بوجود عقوبة بجوارها ومن ثم يمكن الحديث عن ورود عقوبة أخرى توضع بجوارها, أم أن الآيات جاءت بصياغة عامة مغلقة؟ لذا ننظر في الآيات بالتفصيل لنر ماذا تقول:

أولا: يرى العلماء أن العبرة في التعامل مع النص القرآني هو عموم اللفظ لا خصوص السبب, ولكن على الرغم من ذلك فإن سبب نزول الآية دليل لنا فيما نقول, حيث أن مناسبة نزول الآية والآيات التالية كما نعرف هو حادثة الإفك, عندما خاض الناس في أم المؤمنين عائشة وهي امرأة متزوجة,

فما وجه المناسبة أن تنزل آية تتكلم عن حكم الزاني الغير محصن –على تقسيمهم- وتقول: الزاني الغير محصن إذا فعل الفاحشة فعاقبوه بكذا, والواقعة كلها تدور عن امرأة متزوجة؟

لا وجه للمناسبة أما إذا قلنا أن الآية عامة وتشمل المحصن وغير المحصن – على تقسيمهم- فيكون المعنى مقبولا.
ثانيا: لنتتبع مفردات الآيات كلمة كلمة, لنر ماذا تقول وهل تسير على منوال واحد أم أنها تتحرك في نطاقين مختلفين .
بدأت الآيات بقوله تعالى “الزانية والزاني” وهما لفظان عامان ولا مبرر لتخصيصهما فيحملان على المحصن وغير المحصن – سنتعرض لأحاديث الرجم فيما بعد- .

“فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله” ثم تأمر بعدم الرأفة بهما, والجلد عقوبة لا تقارن بالرجم, وعلى الرغم من ذلك تراها الآية عقوبة قد تؤدي إلى تساهل الناس ولين قلوبهم, فتأمرهم في هذا الموقف بعدم الرأفة بهما.

ثم قالت “وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين” فالآية عندما تحدثت عن الجلد مائة جلدة وصفته بأنه “عذاب” ثم عندما تحدثت عن اللعان قالت “ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات”, وكلمة العذاب معرفة بالألف واللام, وهما هنا للعهد, أي ويدرؤا عنها العذاب المذكور أي الجلد مائة جلدة أن تشهد ……..إلخ الآية, فهنا عندما تحدثت الآية عن عقاب المرأة المحصنة ذكرت “العذاب” وهو ما استعملته مع الجلد.

ولقد أورد الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب رأي الخوارج في الرجم وأنهم أنكروه, وحاول الرد عليهم, فقال:
“المسألة الأولى: الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } [ النساء : 25 ] فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها
وثانيها : أن الله سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة، ولم يستقص في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا ،
ألا ترى أنه تعالى نهى عن الزنا بقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } [ الإسراء : 32 ] ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما في كل المعاصي ، ثم ذكر الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب إحضار المؤمنين
رابعاً ، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله : { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله }
خامساً ، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة ، وسادساً ، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه ،
ثم قال سابعاً : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً }
ثامناً من رمى زوجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى
ثم ذكر تاسعاً أن { الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } [ النور : 3 ] ،
ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلاً وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها ،

ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير واجب وثالثها : قوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا } يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة ، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، وهو غير جائز .

لأن الكتاب قاطع في متنه ، وخبر الواحد غير قاطع في متنه ، والمقطوع راجح على المظنون ، واحتج الجمهور من المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ،

قال أبو بكر الرازي روى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية والغامدية وقال عمر رضي الله عنه : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف . والجواب : عما احتجوا به أولاً أنه مخصوص بالجلد . فإن قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر المتواتر لما بينا أن الرجم منقول بالتواتر ، وأيضاً فقد بينا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز والجواب : عن الثاني أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي تقضي وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك الآيات والجواب: عن الثالث أنه نقل عن علي عليه السلام أنه كان يجمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود ” اهـ

ورحم الله الخوارج فما جانبهم الصواب دوما وليست كل أقوالهم خاطئة, فإذا تأملنا أدلة الخوارج ورد الإمام الرازي عليهم لوجدنا أن رده عليهم واه, لا يتناسب مع الأدلة الناصعة الكثيرة المأخوذة من النص,
فما رد عليهم إلا في مسألة واحدة فقط وهي مسألة تخصيص القرآن بخبر الواحد أو الخبر المتواتر, ونحن نرى أن هذا الخبر غير متواتر بداهة لأنه لو كان متواترا لعرفه الخوارج فهم كانوا قريبي العهد من موت النبي (ص),

ولا يوجد ما ينفي أنه كان منهم نفر من الصحابة, وحتى إذا لم يكن منهم فلو كان الخبر مشتهرا لاستُدل به عليهم. فدل هذا على أن الخبر خبر أحاد وليس متواترا, والآحاد لا يخصص القرآن ولا ينسخه, أما قوله أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز في أصول الفقه, فهذا رأيه الذي لا يلزمنا, وينفيه القرآن .

ولم يرد الإمام الرازي رحمه الله على باقي المسائل والأدلة التي ذكروها, وغض الطرف عنها, فلم يوضح, لم لم يذكر الله هنا عقوبة المحصن إذا كانت الآية خاصة وقد فصل في الآيات التاليات كل الأحكام المتعلقة بالزنا من ملاعنة وقذف إلخ .

والأهم من ذلك أنه لم يقل كيف يقسم العذاب “الرجم” على الأمة المحصنة “المتزوجة” في قوله تعالى: “فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ” هل سترجم نصف رجمة؟!

ونلاحظ أيضا أن القرآن تكلم عن المرأة المطلقة التي تزني, ولم يذكر أنها تُقتل, فقد تكون الزانية زوجة مطلقة لا تزال فى فترة العدة، ومن حق المطلقة فى فترة العدة أن تظل فى بيت الزوجية،

ولكن تفقد هذا الحق إذا وقعت فى الزنا، وحينئذ يكون من حق زوجها أن يطردها, ولكن بشرط أن تكون جريمة الزنا مثبتة حتى لا يتاح لزوجها أن يتجنى عليها بالباطل، يقول تعالى عن تلك الزوجة المطلقة “لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ” [الطلاق : 1] .
والقرآن يصف الفاحشة بأنها “فاحشة مبينة” أى مثبتة ضماناً لعدم الافتراء بلا دليل.. وعقوبة الطرد هنا تضاف إلى العقوبة الأخرى وهى مائة جلدة, فاكتفى القرآن بالقول أنها تُخرج, فكيف التوفيق مع من يقول أن عقوبتها الرجم, الذي يؤدي إلى الموت؟!

وهناك عقوبة أخرى لتلك الزوجة المطلقة إذا وقعت فى الزنا بعد الطلاق، وهى أنه من حق الزوج أن يمنعها عن الزواج إلى أن تدفع له بعض ما أعطاه لها فى الصداق أو المؤخر.
والشرط أن تكون جريمة الزنا فى حقها مثبتة بالدليل، يقول تعالى: “يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ [النساء : 19]” ،
والعضل هو منع المرأة من الزواج، والقرآن يحرم العضل إلا فى حالة المطلقة الزانية.. فيجعل من حق الزوج أن يمنعها الزواج, إلى أن تعيد له بعض ما دفعه إليها فى المهر.

وفى حالة نساء النبى يقول التشريع القرآنى ﴿ ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ [الأحزاب : 30], . فوصف عقوبة الجلد بأنه “عذاب” أى مائتا جلدة .. والقائلون بأن عقوبة المتزوجة هى الرجم كيف يحكمون بمضاعفة الرجم لنفس الشخص؟ وهل يموت الشخص مرتين؟

إن الله تعالى بيّن في كتابه العزيز أن عقوبة القتل هي على أمرين اثنين فقط, هما: القتل والإفساد في الأرض:
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة : 32]
ومن ثم فإن الحديث عن قتل بجرم آخر هو تقول على الله!
وهما ما يستحقان فعلا أن يقتل الإنسان قبالتهما, فنفس بنفس أو إفساد في الأرض, إنما يُقتل إنسان لأنه لم يستطع السيطرة على شهوته!!

فهذا ليس عدلاً! إن ذلك الإنسان تصرف بحيوانية, ومن ثم فإن عقوبته هي أن يعامل كحيوان … فيُجلد!! إنما نقتله مقابل الشهوة!! ليست هذه الفعلة مما يستحق أن يموت الإنسان قبالتها!!
ثم ما الفارق بين الفعلة من المتزوج وغير المتزوج؟!
فقد يكون مطلقا أو أرملا أو على خلاف مع زوجه أو على سفر طويل …. أو .. أو!
وحتى لو كان مع زوجته وفعل الفاحشة! فالقوانين تخفف العقوبة أو تغلظها تبعاً للظروف, فمن الممكن رأفة بالإنسان تُقلل العقوبة ومن الممكن لأسباب أخرى أن تُغلظ (فمن الممكن الحديث عن زيادة جلدات مثلا, وهو غير موجود) إنما لا تُنقل من عقاب بدني إلى القتل لاختلاف مؤثر بسيط!

هذا لا يتفق مع العدل بأي حال من الأحوال!!!
ومن ثم فإننا ننزه الله العدل عن أن يكون فرض عقوبتين متفاوتتين عظيم التفاوت على نفس الفعل!! وهو الرحيم يرى أن الأولى -الجلد- قد يتهاون فيه!! فكيف يأمر بالثانية؟!!

التوفيق بين الآيات وآيات النساء
ونأتي إلى التوفيق بين الآيات الواردة في سورة النور والواردة في سورة النساء فنقول :
آيات النساء تقول: “َواللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سبيلا وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً [النساء:16,15]”

وألفاظ الآيات لا تحتم النسخ ولا ترجحه, ولكن وردت الروايات التي توضح أن هذا الحكم كان في صدر الاسلام وكان في الزنا ثم نسخ, حيث روى أصحاب الحديث روايات مثل ما رواه الترمذي “ 1354- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ الرَّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ”, فجعلت الرواية آية النور ناسخة لآية النساء.

واختلف المفسرون في القول بالنسخ في هذه الآيات اختلافا شديدا؛ فمنهم من قال: كان الأمر باديء ذي بدء بالإمساك ثم نسخ بالإيذاء ثم نسخ بالجلد والرجم, ولكن اختلفوا هل كان ذلك في المحصنين وغير المحصنين؟ أم كان في المحصنين فقط أم كان في الفتيان قبل أن يتزوجوا؟

ومنهم من قال بالعكس أي أن العقوبة كانت أولا الإيذاء ثم صارت الحبس , وهذا كله على تفسير الآيتين على أنهما ورادتين في الزنا.

ونحن نرى أن الآية محكمة ولا وجه للتعارض أو اللبس فيها, ونقول أن الآية الأولى التي فيها: “واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ” هي خاصة بالنساء ومتعلقة بحكم السحاق, والآية الثانية “واللذان يأتيانها منكم” خاصة بالرجال ومتعلقة بحكم اللواط, وهذا هو اختيار النحاس عن ابن عباس وقول مجاهد, لمن يريد أن يعرف هل قال به أحد من السلف.

والدليل الواضح على صحة هذا الرأي هو اللغة, ف “اللاتي” جمع “التي” وهي اسم موصول للمؤنث, فيكون المقصود من الآية هو عقوبة السحاق, وهي الحبس حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا, أي بالشفاء من هذا المرض أو بالزواج أو بالتوبة,

والآية الثانية قال فيها: “واللذان” وهو مثنى “الذي” وهو اسم موصول للمذكر, فتكون هذه الآية في حكم اللواطي, وهو الإيذاء ومن الممكن أن يكون الشتم أو التعيير أو غيره, ويختلف الإيذاء بحسب المجتمع فقد تركه القرآن مفتوحا تبعا لحالة المجتمع.

والدليل على أن ” الفاحشة” لا تستخدم حصرا في الزنا هو استعمال القرآن لها مع قوم لوط, حيث قال في حقهم: “ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون[النمل: 54] “

وهذا دليل على جواز استعمالها في السحاق ايضا, وهذا التأويل أولى من غيره حتى لا يؤدي ذلك إلى مخالفة اللغة, والتكرار والقول بالتعارض والنسخ.

وهذا ما يرفضه الجميع حيث نُسخت الآيات أكثر من مرة .
أما حديث ” خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم” فيمكن رده على أساس مخالفته للقرآن,
و من ناحية أخرى فهو حديث مضطرب فقد روي بدون “قد جعل الله لهن سبيلا”, وعلى فرض صحة الحديث كيف ينسخ الحكم بالإمساك وقد نسخته الآية التالية له وصار الحكم الإيذاء؟
فيجب القول أن هذا الحديث مفبرك, لتعارضه حتى مع باقي الروايات التي جاءت في هذا السياق.

التوفيق بين الآيات والأحاديث
ونصل إلى التوفيق بين الآيات والأحاديث الواردة في موضوع الرجم, فنقول:
لا بد من الاعتراف بأن الروايات في الباب كثيرة, ولا يمكن الإدعاء بأنها كلها ليس لها أصل, فنقول:
نقر أن الرجم حدث فعلا, ولكن هل هناك دليل على أنه كان بعد آية النور؟


لا يوجد دليل على أن الرجم كان بعد آية النور, والدليل على ذلك حدوث الشك عند بعض التابعين في حكم الرجم هذا, فيروي لنا البخاري ” 6315- …..عن خالد عن الشيباني قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى ” هل رجم رسول الله(ص)؟ قال نعم . قال قلت : قبل سورة النور أم بعد ؟ قال : لا أدري ” .
فهذه الرواية تظهر أن الحادثة من الممكن أن تكون قبل آية النور وتكون اجتهادا من الرسول (ص) أو موافقة منه لأهل الكتاب, -وهذا ما أرجحه- ثم نزل الوحي بآية النور .
قد يقول قائل: وربما كانت بعده .. أنت تقول هذا حتى تلغي الحكم!!
أقول: لا, قولي أنه قبله, يعني أن ألفاظ آيات النور دقيقة محكمة, وهي جاءت لإلغاء هذا الحكم القاسي المطبق من أهل الكتاب في المدينة, ومن ثم فلا إشكال!

أما على قولك فأنت تقول أن الله أنزل نصاً غير محكم الصياغة, عبر بشكل عام على صنف مخصوص … فإذا جاءت هذه الصياغة في قانون بشري فإن صياغته توصف ب “المهلهلة” وغالبا سيعزل مؤلفه لأنه وضع صياغة فاشلة للقانون!!

تصور: يعاقب مرتكب الفاحشة بالجلد!
ثم يكون المقصود مرتكب الفاحشة هو غير المتزوج! ويصر صاحب القانون أن صياغته دقيقة محكمة!!
فهل تقبل هذا مع الله العليم الحكيم؟

لقد وردت بعض الروايات التي تقول أن عليا رضي الله عنه جلد ورجم , وهذه الروايات كانت مصدر قلق عظيم لي جدا فكيف يُلغى الحكم ويطبقه على رضوان الله عليه, إلى أن ظهر لي وأنا اقرأ في كتاب “شرح مشكل الآثار” للإمام الطحاوي,

أن هذه الروايات دليل لنا لا علينا, فأولا: هذه الروايات وردت عن الشعبي وهو مشكوك في رؤيته للإمام علي, فعلى هذا يكون الحديث معتلا, ولكنا لن نأخذ بهذا القول وسنقول أنه رأه وأن هذه الروايات سليمة صحيحة, فماذا تقول هذه الروايات؟
تقول كما روى الإمام أحمد : “1248- .….فَقِيلَ لَهُ لِمَ جَلَدْتَهَا ثُمَّ رَجَمْتَهَا قَالَ جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”
فهذا القول ينسف الإدعاء أنه كانت هناك آية تتكلم عن الرجم ثم نسخت, فلو كان ذلك لقال “جلدتها ورجمتها بكتاب الله ” ومعلوم أن الآيات المنسوخة -هذا إن وُجدت- لا تعتبر سنة بل هي من عند الله!,

ويصحح هذا ما ذهبنا إليه من أنه كان اجتهادا من الرسول الأعظم, ثم جاءت آية النور فأبطلت هذا الحكم, والإمام علي لم ير أن الحكم نُسخ, بل اعتقد أنه مازال ساريا.

أما الحديث الذي ورد عن عمر والذي رواه الأئمة والنص هنا لأحمد ” 333- ….. وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا أَثْبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ لَأَثْبَتُّهَا كَمَا أُنْزِلَتْ “

و هذا الحديث رواه البخاري أيضا ولكنه من معلقاته وهو معلول, ونحن نرد هذا الحديث ونُجل الفاروق عن أن يصدر منه هذا الكلام من أنه يخشى كلام الناس!,
ومن يقرأ الخطبة التي فيها هذا الكلام من الفاروق, يشعر أنه مدرج عليها, فالكلام قبله لا علاقة له به, ورواية علي السابقة تبين أن الرجم كان من “سنة” (فعل) الرسول ولم يكن من كتاب الله!! ومن ثم فلا مجال للحديث عن آية نٌسخت!!

ناهيك عن التقليد الركيك لآية السرقة: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله”
وليس كل شيخ متزوج!!
(ولم يحدث أصلا أن نزلت آيات في كتاب الله ثم رُفعت, فهذه من الكذبات التي نسبت إلى دين الله زورا وبهتانا)

إن من أكبر الأزمات التي تعرض لها الإسلام هي محاولة بعض “السلف” تقوية آراء موجودة بينهم بنسبتها إلى الرسول! وهي أقوال للصحابة, وهو ما كان هنا, فبدلا من أن يُكتفى بالقول أن الرسول فعلها, جعلوها آية قرآنية, ومن ثم فلا مجال للقول أنها حكم مؤقت أو ما شابه!!

إذن فهناك نص قرآني ثابت قاطع بأن الزنا عقوبته الجلد, ونص آخر يقول أن العقاب بالقتل في دين الله يكون فقط على القتل والإفساد في الأرض.
وهناك روايات تقول بالرجم! فهل نقول بتأخرها فنوجد تعارض في كتاب الله, ونظهر الرب بمظهر غير العادل القاسي, أم نقول بوقوعها قبل نزول الحكم وهي ما أوقف العمل به, ومن ثم فلا إشكال؟!!

نترك الإجابة للقارئ الكريم!!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.