ملاحظات على نظرية الانفجار العظيم

متأخرون عن الكون خُلقنا
نشأنا كلنا فوجدنا حولنا عالما متكاملاً يحيط بنا .. كونا يشملنا ويحتوينا!

ولأننا رأينا حولنا كيف تنشأ المخلوقات من نباتات وحيوانات .. وبشر, وُلدوا حولنا .. فشاهدنا بأعيننا بدايات هذه المخلوقات .. وكيف نمت وكبرت ووصلت إلى ما سارت إليه.

كان من المنطقي أن نتساءل: وكيف كانت بداية هذا الكون كله؟!
واكتفى أكثر الناس بالإجابات التي قدمتها الأديان بشأن كيفية خلق الله للكون! والقرآن العزيز وإن كان قد عرض لمسألة خلق الكون هذه إلا أنه لم يقدم تصورات تفصيلية بشأنها, واكتفى بأن قدم ما يمكن القول بأنه الخطوط العريضة لخلق الكون, إلا أن هذه الأطروحات لم تكن مقنعة للعلماء الباحثين, إما لعدم شموليتها أو لعدم علميتها, ومن ثم أخذوا في البحث والتنقيب والاكتشاف من أجل الوصول إلى إجابة لهذا السؤال.

واختلفت التصورات المطروحة لبداية الكون عبر العصور, إلا أن النظرية التي نالت حظاً أوفر من الانتشار بين البشرية هي نظرية الانفجار العظيم, وذلك لعولمة العلوم الطبيعية, ولأنها قدمت أدلة علمية قوية عليها, والتي ترى أن الكون نشأ من انفجار ذرة متناهية الصغر تمتاز بكثافة لا نهائية ودرجة حرارة عظيمة جداً ثم انفجرت هذه الذرة البدائية, ومن انفجارها تكون الكون.

وتقبل كثيرٌ من علماء المسلمين (الدينيين والطبيعيين) هذه النظرية, بل وقالوا أن القرآن الكريم قال بها قبل أن يكتشفها الغرب, وذلك لأن الله تعالى قال
: “ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”, ومن ثم فالقرآن الكريم سبق العلماء بالقول بالانفجار العظيم, إلا أننا لم نفهمه!
وليس للآية علاقة ببداية خلق الكون.
ومن خلال نظري في خلق الله حولي وسننه في الخلق, وجدت أن النظرية مقبولة بدرجة كبيرة, وإن كان لي عليها بعض الاعتراضات والتعديلات!

فالقول أولاً بأن الكون بدء بذرة جد صغيرة, هو من سنن الله في خلقه, فالله لا ينشأ المخلوق هكذا على حجمه أو حتى على حجم صغير منه, وإنما ينشأه من ذرة جد صغيرة, ثم تبدأ هذه الذرة في الانقسام والنمو حتى ينشأ ما يمكن اعتباره نموذجاً مصغرا من الكائن الذي أراد الله تكوينه,
فمثلاً الإنسان لا ينشأ من طفل جد صغير يوضع في رحم المرأة, وإنما ينشأ من حيوان منوي واحد من قرابة 200 مليون حيوان منوي ينزلها الإنسان, ثم يخصب هذا الحيوان المنوي بييضة المرأة, ومن الحيوان المنوي والبويضة ينشأ الإنسان. ولك أن تتخيل النسبة بين حجم الحيوان المنوي والإنسان! وهكذا الحال مع باقي خلق الله مع تفاوت في النسب.

ومن ثم فلا مجال للتخيل أن الله خلق الكون هكذا على حجمه هذا ولكن كان في صورة غازية مثلاً ثم تغيرت صورته إلى صلبة وسائلة .. الخ.

كما أن القول بالتمدد مقبول جداً وهو من السنن كذلك, فكما المخلوق من نبات أو حيوان أو غيره يبدأ صغيراً ثم يأخذ في النمو والزيادة حتى يصل إلى حجم معين يتوقف نموه عنده ..
فلن يختلف الحال مع الكون, لذا أصبحنا نتقبل جداً نظرية تمدد الكون –بعد أن كنا نرفضها مسبقاً!- وإن كنا نرفض القول بالتمدد اللانهائي, فسيتوقف الكون عند مرحلة معينة –وهو ما يقول به أكثر العلماء- ونرفض كذلك حدوث الانكماش مرة أخرى حتى يعود مرة أخرى إلى حجم الذرة!
وإن كنا نتقبل أن يحدث بعض التغيرات في بنية الكون مثل الضعف الذي يحدث للكائنات في آخر عمرها –هذا إذا وصلنا إلى هذه المرحلة من عمر الكون-, إلا أنها لن تعود إلى ما كانت عليه حتما!!

كما أن القول بالتحول من حالة إلى حالة من السنن كذلك, فأصل الإنسان ماء … مهين .. إلا أن هذا الماء تبدل وتحول إلى عظم ولحم وجلد وشعر وأعصاب .. وكذلك النبتة الخضراء التي تشق البذرة وتخرج منها ثم تتحول إلى شجرة مثمرة وافرة الأوراق .. ومن ثم فإن الأصل في سنة الله في الخلق هو أن تكون مادة الخلق مغايرة للمواد التي تشكل الصورة النهائية التي يكون عليها المخلوق.

إلا أن لي تحفظين بشأن صلب المسألة, أولهما: مسألة الانفجار العظيم, فأنا لا أراه انفجاراً بقدر ما أراه تمدداً, فأرى أن النعت الأمثل للحال –والله أعلم- أنه كان انقساما .. فهذه الذرة انقسمت وانقسمت … واستمر هذا الانقسام متمدداً حتى تكون “جنين الكون”, والتمدد يقول بمُوجّه, بينما الانفجار فوضى, ولم نرى حولنا خلقاً يحدث بفوضى ولم يكن الانفجار من سنن الله في خلقه.

والتحفظ الثاني هو إضافة واعتراض, فالعلماء لم يحددوا السبب الذي دفع هذه الذرة البدائية للانفجار, بينما أرى أنا أن سبب انقسام/ انفجار هذه الذرة هو ذرة أخرى أصغر حجما!

فالكون لم يبدأ بذرة واحدة وإنما بذرتين اثنتين, وهذه سنة الزوجية, فالله الواحد الحكيم سنّ أنه من كل شيء خلق زوجين اثنين لعلنا نتذكر, ومن ثم فالأولى أن يكون الكون كذلك بدء بزوجين اثنين, كما بدء خلق الإنسان وغيره من الكائنات .. ذرة كبيرة نوعاً ما (بمثابة: البييضة) تُلقحها / تنشطها ذرة أخرى (بمثابة: الحيوان المنوي), فتبدأ الذرة في الانقسام والنمو! وهكذا حتى تكون الكون على هيئته الحالية.
والله أعلى وأعلم

داعين الله أن يرينا الآيات وأن يبصرنا السنن, إنه عليم حكيم محيط.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.