وسِّعوا Weltanschauung كم!!

نتحدث اليوم بفضل الله وفتحه عن كلمة ذات أهمية في العمليات الذهنية القلبية للإنسان, وهذه الكلمة هي:
Weltanschauung
(فِلْت أن شاوونج)
وهي كلمة ألمانية تعني حرفيا: المنظور للعالم
أي كيف ينظر اﻹنسان إلى العالم وإلى موقعه ودوره فيه.

ولهذا تترجم أحيانا إلى العربية بكلمة: “عقيدة”
وذلك لتشابه أثر ونتيجة كلٍ منهما, فتبعاً للعقيدة –في المنظور الإيماني الإسلامي- يفهم المسلم دوره في الحياة, وتكون قبلة أفعاله.

وأنا لا أتقبل هذه الترجمة, لأن العقيدة وإن كان لا يُشترط أن تكون في الإيمانيات, إلا أن هذا هو الغالب على استعمالها, والتي يكون مصدرها الوحيد النصوص الدينية, بينما يختلف الحال مع: المنظور للعالم, فهي مفردة لا ترتبط بالدين, كما أن مصادرها متنوعة ومتعددة وتشمل كل ما حول الإنسان من أفكار وأفراد ومبادئ ونظريات وأديان, والتي تكون بمثابة “المدخلات” التي تدخل الإنسان, ثم يقوم العقل والقلب الإنساني بدمجها بشكلٍ ما, ومن هذا الخليط يتكون منظور الإنسان للحياة, والذي يختلف من فرد إلى آخر.


وتبعا ل “نوع وكمّ” المدخلات يختلف منظور الناس للحياة اختلافا بينا بين السعة الشاسعة والضيق المتداخل, فغير القارئ مثلاً تكون مدخلاته أقل, لاعتماده على المرئي والمسموع حصراً ومن ثم يكون منظوره للعالم بسيطا, لأنه يرى العالم من ثقب إبرة!,

ومن يستطيع القراءة تزيد مدخلاته قليلاً ومن ثم يصبح منظوره أرحب, ومن يقرأ فعلاً سيكون ذا منظور أكثر رحابة … وهكذا وبقدر ما يقرأ الإنسان وبقدر تنوع ضروب المقروء بين علمية وأدبية وتاريخية … الخ تتسع النافذة التي يرى منها العالم, فيستطيع أن يرى العالم بشكل أفضل ..
وأوضح, لأنه يستطيع أن يتحرك أمام هذه النافذة فيرى العالم من زوايا مختلفة, بينما لا يراه الآخرون إلا من زاوية واحدة أو زاويتين أو من ثقب إبرة .. كما قلنا!

ومن ثم يستطيع الناظر من النافذة الواسعة أن يصدر أحكاماً أكثر دقة, لأنه يرى بشكل أفضل, ولأنه يرى ما لا يراه الآخرون, ومن ثم يأخذه في اعتباره عند إصدار الأحكام, وكذلك يستطيع أن يبصر إمكانيات أرقى لدوره في الحياة وللواجبات عليه ولإمكانيات القيام بها وكذلك حقوقه .. الخ.

إلا أن عامة الناس لا يهتمون بحجم النافذة التي يطلون منها على العالم ولا بنوعيتها, ويظنون أنهم بمعارفهم المحدودة هذه –والخاطئة في قدرٍ لا بأس به- وبثقب الإبرة الذي يرون منه العالم قد حازوا الحقيقة المطلقة وأن منظورهم للعالم لاعتماده على بعض الأفهام لبعض الحقائق الدينية هو الصواب الذي لا خطأ فيه!

ويغفل هؤلاء عن أن فهم الدين يعتمد بدرجة كبيرة على “المعارف العلمية”, فبقدر سعة المعارف العلمية والإمكانيات التطبيقية وفهم الكون (آيات الله) حول الإنسان بقدر ما يفهم الإنسان الدين بشكل أدق وأصح! ومن ثم فالعلاقة بين الدين والعالم تبادلية, فبهذا يُفهم ذاك بشكل أفضل .. وبالعكس.

لذا فالمفترض في المسلم أن يختبر ويفحص منظوره للعالم, فالإنسان … منظوره! فلينظر الإنسان ما هو؟ وكيف صار وتشكل؟ ما هي مستنداته التي كونت هذا المنظور, وهل هذه المستندات قطعية أم أنها ظنية أم أنها وهمية!! هل هو من كون نفسه اعتماداً على قراءات متتابعة متتالية وعلى اتباع للدين وعمل به, أم أنه نسخة مكرورة من غيره, شكلها له غيره بإيصالهم له ما يريدون!! فأصبح هو … غيره!!

كما عليه أن يفحص دوما كم هي مساحة النافذة التي يبصر بها العالم .. ويعمل على توسيعها قدر الإمكان ولا يركن إلى المساحة التي وصل إليها … فهذه النافذة غير ثابتة .. فهي إن لم توسع … ضاقت!

وعلينا أن نأخذ “المنظور للعالم” بعين الاعتبار عند خوضنا لأي جدال, فالإنسان لا يعتمد في الحكم على مجرد دليل, وإنما دليل مندرج داخل بناء منظوره الكلي, فحتى لو أبطل الإنسان الدليل فإن المقابل لا يغير رأيه –بغض النظر عن الهوى- وذلك لأن كل ما فعلته أن أسقطت لبنة من لبنات هذا البناء, وتركت هذه اللبنة فراغاً في البناء …

وأنت تحاول أن تضع مكانها لبنة مغايرة, وﻷنها ذات مقاسات أخرى لن تنسجم مع هذا البناء ومن ثم فسيلفظها تلقائيا, وإما يظل مكانها فارغا أو تنزلق أو تتضخم لبنة أخرى لتسد هذا المكان الفارغ!!

فإذا أخذنا الجدال حول الدين كمثال نجد أنه قديما كان المنظور للعالم نابعاً من مصدر واحد تقريباً عند الأكثرية الساحقة من البشر وهو: الدين, وبتعبير أدق: من فهم رجال الدين للدين ومن تصوراتهم, وتبعاً لهذه الإملاءات يكون المنظور للعالم,

أما الآن فالحال اختلف بدرجة كبيرة –وخاصة في العالم الغربي-, فلم يعد الدين فقط هو ما يشكل المنظور للعالم, وإنما أصبحت منظومة متكاملة من النظريات العلمية والفكرية يمثل الدين أحد أضلاعها

وأصبح عند الغربي تصور واضح عن “إمكانيات وحدود الدين”, والدور الذي ينبغي أن يلعبه في الحياة ولا يتجاوزه! لذا فعندما تحاول أن تجادل الغربي لتثبت له بطلان دينه, فغالباً ما يرفض الغربي, ليس لمنطقية دينه مثلاً أو لقوة براهين إلحاده, وإنما لأنك تحاول أن تحكم على كل مصادر منظوره للعالم بالبطلان, مقدماً له بديلاً عبارة عن دين حاكم على جميع جوانب الحياة .. حتى العلمية منها وله تدخل فيها! ومن ثم فلن يتقبل هذا غالباً, أولاً تمسكاً بذاته, وثانياً: لأنهم –كشعوب- مروا بهذه المرحلة سابقاً وعانوا منها الويلات!

ومحاولة هدم أي بناء كاملا غير ممكن وغير مطلوب .. لوجود كثير صحيح في أي بناء, مشترك بين كل الناس, ناهيك عن أنه غالباً ما سيرفض, بينما الحل الأنجع والأصعب أن تستبدل أبرز عناصر هذا البناء بعنصر جديد بشكل تدريجي, وتبعاً لهذا العنصر (الدين تحديداً) سيتغير حكمه للأمور كلها, وليس الأمر مجرد إدخال إنسان في الإسلام, فكم من غير مسلم دخل في الإسلام وهو محمل بتصوراته المسيحية أو الإلحادية أو البوذية .. الخ!

فالحديث هنا عن استبدال منظور كامل بغيره عن طريق غرس تعاليمه ومبادئه … وهذا صعب عسير يحتاج إلى جهد جهيد ونفس طويل وفكر عميق إلا أنه هو الناجع في تغيير أراء وأفعال الإنسان.

فإذا تحولنا عن الدين وعن المثقفين إلى غير القارئين نجد أن الأمر أسهل وأيسر, فالحل الوسط هو توسيع منظورهم للعالم قليلاً شيئا فشيء عن طريق تغذيته بشكل غير مباشر بالتعاليم الدينية والأفكار العلمية وإحياء الفطرة الإنسانية, وسيتغير حكمه على الأمور بدرجة ما, إن لم يقف الهوى عائقاً أمام هذا التغيير!

وحري بمن يحاول أن يوسع منظور غيره أن يغير منظوره هو نفسه, وأن يفحصه دوما وأن يعمل على تجديده, وخير موسع هو: كتابا الله: الكون والقرآن, فلينظر فيهما قدر الإمكان وسيخرج منهما بإذن الله بمدخلات موسعات تصحح وتوسع نافذته للحياة وتضعه في المكان المثالي لها! وأن يكون دوما هو السابق السائل الباحث وليس ذلك المنتظر أن تأتيه المعارف .. فهذا سيظل دوما في حيرة وظلام .. لا يستطيع أن يبصر أو يرى أو يحكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.