فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل!

نتوقف اليوم بإذن الله وعونه مع آية سببت إشكالاً كبيراً للمفسرين, واتخذت مطعناً من غير المسلمين للطعن في الرسول! وهي قوله تعالى: ” فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس : 94]”

فقيل أن ظاهر الآية أن الرسول كان يشك في الوحي الذي يأتيه هل هو وحي رباني أم؟ ومن ثم أُمر بسؤال الذين يقرءون الكتاب من قبله! وحتى تبعاً لهذا الفهم فإن الآية ليست مما يُتخذ مطعنا! لأنها تعني حتما أن الرسول يوحى إليه وليس أنه من يؤلف القرآن من عند نفسه!!!

والقول بهذا التصور يسبب إشكاليات كثيرة, ومن ثم حاول المفسرون أن يقدموا توجيها لهذه الآية فجعلوا المخاطب بالآية ليس الرسول الكريم نفسه, فنجد الإمام ابن عاشور يقدم –في تفسيره: التحرير والتنوير- احتمالين لفهم الآية زاعماً أنه لا ثالث لهما, فيقول:

” ثم أن الآية تحتمل معنيين لا يستقيم ما سواهما؛ أولهما : أن تبقى الظرفية التي دلت عليها ( في ) على حقيقتها ، ويكون الشك قد أطلق وأريد به أصحابه ، أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك ، أي يشكون في وقوع هذه القصص ، كما يقال : دخل في الفتنة ، أي في أهلها . ويكون معنى { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد عن صفة تلك الأخبار يخبروا بمثل ما أخبرتهم به ، فيزول الشك من نفوس أهل الشك إذ لا يحتمل تواطؤك مع أهل الكتاب على صفة واحدة لتلك الأخبار . فالمقصود من الآية إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعاً لمعذرتهم .

وثانيهما : أن تكون ( في ) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى : { فلا تكُ في مرية مما يعبد هؤلاء } [ هود : 109 ] ويكون سوق هذه المحاورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة .

وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكُونَنّ من الخاسرين } [ الزمر : 65 ] أو كان في ذلك الإلقاء رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى داود المذكورة في سورة ص .

وكلا الاحتمالين يلاقي قوله : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب ، وأنهم يشهدون به ، وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من إعلانها والشهادة بها . وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية ، ويقتضي أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لمكان قوله : { من قبلك } .

وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب ، لأن قوله : { مما أنزلنا إليك } يناكد ذلك إلا بتعسف . ” اهـ

فبعد أن ذكر الاحتمالين يقرر أن ما سواهما يعني أن الرسول الكريم نفسه هو من شك, وهو مما لا ينبغي قوله!
بينما اختلف الحال مع الإمام الفخر الرازي, والذي بيّن الإشكاليات المترتبة على القول بشك الرسول, ذاكراً احتمالية شك الرسول, وإن عاد فشكك في وقوع الشك من الرسول الكريم, فمما قاله الإمام الفخر الرازي في تناوله للآية في تفسيره الكبير: مفاتيح الغيب

“اختلف المفسرون : في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل غيره ، أما من قال بالأول : فاختلفوا على وجوه .
الوجه الأول : أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر ، والمراد غيره كقوله تعالى : { ياأيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب : 1 ] وكقوله : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] وكقوله : { ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } [ المائدة : 116 ]
ومن الأمثلة المشهورة : إياك أعني واسمعي يا جاره .

والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه : الأول : قوله تعالى في آخر السورة { ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } [ يونس : 104 ]
فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز ، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح .
الثاني : أن الرسول لو كان شاكاً في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية .
والثالث : أن بتقدير أن يكون شاكاً في نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار ، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل ، فالكل مصحف محرف ، فثبت أن الحق هو أن الخطاب 

وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة ، ومثل هذا معتاد ، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير ، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص ، فإنه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم . (……..)


الوجه الثالث: هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر ، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات ، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس 
ونظيره قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } [ هود : 12 ] وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع .
ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه أن كون الخمسة زوجاً يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع ، فليس في الآية دلالة عليه 

والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر ، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة .” اهـ

وباقي أقوال المفسرين تدور في فلك هذه الأقوال المذكورة ولا تقدم جديدا! ولهذا وُجد من رفض هذه الأقوال وقال أن الرسول كان تراوده بعض الشكوك في بداية البعثة بخصوص الوحي الذي يأتيه! ثم استقر الأمر عنده لاحقا!

والذي أوقع المفسرين في هذه الإشكالية هو قراءتهم التجزيئية التقطيعية للقرآن, والتي جعلتهم يفهمون الآية –وآيات أخرى كثييييييييرة- على غير ما تقول, ثم محاولة إيجاد تبريرات وتعليلات تكون في نهاية المطاف من التعقيدات والإشكالات وليس الحلول!! وهكذا لم يجدوا حلاً سوى القول بأن المخاطب ليس الرسول أو أنه لم يشك! مع أن الآية صريحة في أن المخاطب هو الرسول وفي أنه شك!

إن أصل الإشكالية هو أن المفسرين اعتبروا أن “أنزلنا إليك” هي الوحي لا محالة, ومن ثم أصبح الشك في أصل الرسالة! وذلك لأنهم لم ينظروا في السورة من أولها, ماذا تقول وفيما تدور!
وليس الأمر كما قالوا! , فمن خلال النظر في السورة يظهر أن الرسول لم يكن يشك فيما يأتيه هل هو وحي من الله أم من الشيطان -معاذ الله- وإنما كان شك الرسول -بعد سنين من البعثة- في القضية التي نزلت السورة في الرد عليها ودارت حولها, وهي:

نزول الهلاك بالظالمين وحدوث البشرى للمؤمنين, وهو ما بدأت به السورة حيث قالت:
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ [يونس : 2]
فكان غير المؤمنين يتعجبون من دعوى القرآن –والرسول- هلاكهم وحدوث التمكين للمؤمنين في الدنيا والآخرة, فكان يستبعدون حدوث هذا, ويتمسكون بما هم عليه, لأنه ليس ثمة دلائل على حدوث هذا –من وجهة نظرهم هم-! وكان الرسول نفسه بعد سنوات من البعث وبعد الحديث كثيراً عن عذابهم ولا ينزل عذاب قاطع, يتساءل في نفسه: متى يأتي وعد الله فيدخل الناس في الدين وينتصر الدين؟!

ولك أن تتصور حال إنسان يؤمر بأن يقول لقوم ما: سيحدث لكم كذا, فلا يحدث, ثم يؤمر مجددا مرارا وتكرارا بقول نفس الشيء, وتمر سنون ولا يقع!

هذا من الصعب العسير, والأنبياء في نهاية المطاف بشر قد يشعرون بالإحباط وقد يصلون إلى فقد الأمل: “حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف : 110]”,
فقيل له: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك, فلقد عذبوا واضطهدوا وأوذوا, ثم كان التمكين والنصر لهم في النهاية بعد هلاك الظالمين, فوعد الله متحقق وإن تأخر!

ويؤكد هذا الفهم بالإضافة للمعنى المبثوث في السورة كلها, الآيات التالية لها, فنجد الله تعالى يقول: “وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)”

فالله ينهى الرسول أن يكون من الذين كذبوا بآيات الله, التي نصبها في كونه فلم يصدقوا بما تدل عليه من قدرة الله وعلمه (أو حتى آيات الله المتلوة, فلم يصدقوا أن ما فيها سيتحقق!)
ولا يعني كون البشرى للمؤمنين أن الناس سيدخلون كلهم الدين فهذا ما لن يحدث أبدا, فلا تحزن على المعاندين فالذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية, وسيستمرون على موقفهم وعنادهم حتى يأتيهم العذاب الأليم!

غفر الله لنا وتقبل منا ونفع بنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.