حواري حول: الإنسان والدين .. الموقع والحجية

تفضل الأخ الفاضل بدر العبري قبل عدة أيام بإجراء حوار معي على صفحته في الفايس بوك -داخل سلسلة المطارحات الفكرية التي يجريها على صفحته مع المفكرين- وقمت أنا بتحديد هذا العنوان, كمحور للحوار.
والحوار كان مفتوحا وليس فقط بينه وبيني.
ونقدم هنا للمتصفحين الكرام تفريغ الحوار:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين ثم أما بعد:
نشكر للإخوة جميعا سؤالاتهم وتفاعلهم وأرجو من الله المعين أن يوفقني لإجابة شافية.

رداً على سؤال الأخ الكريم بدر العبري:
ما الخطوط العامة التي تحويها دراستكم الحالية حول الإنسان والدين الموقع والحجية ليتضح للقراء الكرام؟
أقول:
للرد على هذا السؤال يحتاج الأمر إلى تمهيد سأحاول ألا يكون طويلا: كباحثٍ يمر المرء بمراحل من التطور الفكري, قد تكون في بعض الأحيان ليست من ضروب التطور وإنما “التغيّر”.

البداية كانت مع “النص” الديني, حيث كان النص هو المنطلق وهو … الغاية, وكفردٍ (ي) تلقى تعليماً دينياً في بلد “سني” كانت البداية بالفكر السني فالانجذاب إلى الفكر السلفي منه, ثم اكتشاف أن المنظور السلفي غير متطابقٍ تماما مع “النص”, ومن ثم الخروج بعد ذلك من بوتقة الفكر السلفي إلى توجه فكري أرحب أفقاً, وإن كان لا يزال داخل إطار المنهج السني

وعند اكتشاف دور “العقيدة” والتاريخ في توجيه النصوص, كان التحرر من المنهج السني, فالحق ليس محصوراً في آراء “أهل السنة والجماعة”, وعند الفرق الأخرى الكثير من الصحيح .. الأقرب للنص. وأثناء سنين البحث هذه كان السؤال المحوري: كيف نجذب الناس إلى الدين؟! ولماذا هم بعيدون عنه ولماذا لا يؤثر فيهم؟!

وبعد سنين من البحث كان التحول الكبير باكتشاف –نعم اكتشاف- أن المشكلة في .. الوجهة! فنحن ك “دعاة” نريد أن نجعل الناس للدين, بعبارة أخرى “نُعبد الناس” لخدمة الدين! والله أنزل دينه ووحيه للناس! فالدين للناس وليس العكس, وهذا مبثوث بوفرة في كتاب الله العظيم وهو الأصل الثابت في منهج النبي الكريم.

وللأسف كان جل تركيز الدعاة طيلة التاريخ الإسلامي على تربية المسلمين على مقام “العبودية”, وهو مطلوب, ولكن أُهمل المقام الآخر “مقام السيادة/ الخلافة” بدرجة كبرى, فكان قول الله العظيم: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً “ منسيا, وكان قوله: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” هو الحاضر نصب أعين العاملين في الحقل العلمي أو الدعوي.

ومن ثم انطلقوا في تأصيلهم للعلوم الإسلامية من منطلق أن الناس “عبيد” لله, ونسوا أو تناسوا أنهم: إنسان, كائن مفطور على فطرة معينة من الرغبات والاحتياجات والطموحات, ومن ثم نسى المسلمون المتدينون أنهم … بشر, وأصبحوا لا يعرفون إلا أنهم عباد لله, ولهذا لم يأخذوا الجوانب الإنسانية المتعددة في اعتباراتهم بقدر كبير عند الفتوى وعند التهذيب, وإنما عملوا على تعريف الناس ب “النص” قبل أن يعرفوهم بنفوسهم! ومن ثم وقعوا في مأزق “التكليف قبل التعريف”

ولهذا نفر الناس من الدين, فهم لم يروا للدين فضلاً عليهم, فلم يروا منه إلا إلزامات وقيوداً تعسر عليهم وتحرج عليهم حياتهم وتعاملاتهم, أو علوما كغيره من العلوم مستقرها الرأس ولا أثر لها في القلب ولا العمل في غالب الأحيان. وحتى من انشغلوا بالجانب التهذيبي للإنسان “الصوفية” كان جل همهم “الوصل بالرب”, وكان طريقهم إلى هذا هو الانخلاع من الدنيا أو التجرد منها قدر المستطاع, فبهذا تصفو النفوس وتصل إلى المراد!!!

ولم يكن الأمر مقتصراً على الوجهة وإنما إشكاليات أخرى مثل الإشكالية الكبرى التي وقع فيها المجتمع الإسلامي وهي: تفكيك الدين وتحويله إلى مجموعة من “العلوم”, ففُكك النص القرآني إلى مجموعة من العلوم المختلفة من فقه وعقيدة ولغة .. الخ, أصبحت هي السبيل الوحيد للتعرف على الدين, ولا إشكال في وجود العلوم الدينية فهذا مطلوب, ولكن المشكلة أنه لم يوجد من يقدم الدين ككل, كما قدّمه الرسول, فلم يوجد من يُزكي (يربي) المسلمين أولاً, ويعلمهم الكتاب والحكمة, وإنما من وُجد من يعلمهم بعض فروع العلوم ويلزمهم بها! باختصار قُدّم الدين بشكل مقلوب (مفكك) ففر الناس منه!

ولهذا كانت الخلافات في التاريخ الإسلامي خلافات “صناعية” حول حجية العقل وموقفه من “النقل” وأيهما يُقدم على الآخر! وكانت الكتابات الكثيرة –ولا تزال- في ترجيح أولية أيهما. وغفل المتحمسون لهذا أو ذاك أن الإنسان ليس عقلاً فقط, وإنما كائن متكامل, تمثل قوة الإدراك “العقل” لديه جانباً واحداً ليس هو الأهم عند عامة الناس, وإنما تركيبة متكاملة لا بد من رعايتها كلها.

باختصار نحن نقول:
الإنسان هو الأصل فهو السابق للدين, والله أنزل الدين للإنسان, فالدين ل “مصلحة” الإنسان, الدين لبناء الإنسان .. البناء الأخلاقي والروحي والنفسي, وإذا تعارضت مصلحة الإنسان ومصلحة الدين يُقدم الإنسان (وهذا تعارض افتراضي, فليس ثمة تعارض بينهما)
الدين حُجة على الإنسان بانسجامه مع فطرته التي فطر الله الناس عليها, يرفع دعوى الغفلة وعدم العلم وهو “حياة الروح”. والإنسان “آية” من آيات الله لم يأخذها الفقهاء بعين الاعتبار في تأصيلهم للأحكام وفي استخراجهم “مصادر التشريع” فجعلوا العرف والمصالح المرسلة وقول أهل المدينة منها, ولم يجعلوا الاحتياجات الإنسانية الأصيلة فيها! فإن كان ثمة مصادر تشريع إسلامية بعد كتاب الله ف “الإنسان” ينبغي أن يكون أولها.

…………………………………….
لماذا لم يؤثر مبحث المقاصد كثيرا على أنسنة الخطاب الديني وإعطاء دور محوري للقاضايا الإنسانية الكبرى كالعدل والأخلاق، باعتبار أن كليات المقاصد ترسخ حفظ كرامة الإنسان؟ إذ لا يزال الخطاب الديني يرزح تحت وطاة الاهتمام بالمظاهر والشكليات أو الفتن والعصبيات، ويغفل عن قضايا اخلاقية محورية.

وما السبيل إلى تجاوز هذه النظرة الضيقة وتركيز بؤرة الخطاب الديني على كرامة الإنسان الذي أتى الشرع ليحمي مصلحته، هل يتم ذلك بنقد اتساع دائرة المنقولات الروائية، أم بنقد الأدوات الاجتهادية التي أسرفت في القياس الجزئي وتوليد أداوت الإلزام كالإجماع وسد الذريعة..الخ، ام أن الأمر لا يعدو الخطأ في بعض التطبيقات والمنظومة الأصولية على منهج قويم في هذا الجانب؟
تحياتي.

كالعادة أسئلة الأخِ أبو نصر ثقيلة ثمينة, فنستعين بالله قائلين:
لم يؤثر مبحث المقاصد كثيراً لأنه أولاً مبحث متأخر الظهور, فلم يُكتب له الظهور المبكر, ناهيك عن أنه لم يُكتب له الانتشار بالقدر الكافي, وذلك لأنه “يُهمش” النص في منظور كثيرين, بل يرونه تعدياً وجوراً على النصوص, وقد يفتح أبواباً للتلاعب, ومن ثم يرى كثيرون أن الإيمان هو بإعمال النصوص كما هي, وكلما أخذ المرء بالنص كما هو كان أكثر إيمانا وأكبر أجرا!!

وثانياً: النظر إلى الدين باعتباره “حق الله” على العباد, وليس “رحمة وهداية من الله” للعباد, ومن ثم فالدين مطلوب لذاته! ومن أدراك أن الحكمة أو الغاية من النص الفلاني كذا, فالله هو الأعلم بمراده, ومن ثم يُؤخذ بالأحوط! ورغما عن أن النصوص القرآنية في الأعم الغالب كليات, إلا أنه لم يُلتفت إلى هذا وإنما روعيت الأفعال والأقوال النبوية, والتي لم تؤخذ كنماذج كثرى لترسيخ القيم الإنسانية المطلقة والأخلاق الكريمة الصالحة, فلم يُنظر إليها كوسيلة وإنما اعتُبرت هي نفسها غاية
على الرغم من التنوع في النصوص, وإقرار “السنيين” أنفسهم, أن الاختلاف راجع إلى مراعاة الحالة, وأن قول النبي لسائل مرة أن خير الأعمال هو الصلاة على وقتها والآخر بر الوالدين وغيره كذا, هو راجع لحال السائل (الإنسان هو الميزان), رغما عن هذا جعلوا النصوص نفسها “موازين”
ومن ثم أصبح المسلم في حيرة من أمره, فليس لديه موازين عامة “قيم” قليلة يزن بها بسهول, وإنما آلاف الموازين, عليه الرجوع إلى الراسخين في العلم من أهل المذهب لمعرفة بأي من هذه الآلاف يزن. وأولئك الراسخون همهم الأكبر تعريف التابع بخصوصيات المذهب ومن ثم فإن الكليات الإنسانية بعيدة عن فكرهم عظيم البعد.

أعتقد أن تجاوز هذه النظرة الضيقة هو تصحيح الوجهة والعطاء, بالتركيز أولا على أن الدين للإنسان وليس العكس, ثم التربية على الدين بغرس قيمه ومبادئه وأخلاقه العامة في نفوس المسلمين من مرحلة الطفولة –بعيداً عن الخلافات والخصوصيات المذهبية والمسائل الفرعية-, فيُغرس الجانب العملي القيمي الأخلاقي الفكري مبكرا بما يتناسب مع المرحلة العمرية للمتلقي, ومن ثم عندما يشب الفتى ويكبر يجد للدين عليه فضلاً في تكوينه شخصيته القوية المتوازنة, فللدين عليه فضل .. وبالفضل يكون الحب .. فيحب دينه ويتعلق به ويعمل به –بل ويدعو إليه تلقائيا!- بدون أن يجد فيه قيودا وعسرا!

وأتفق معك أخي الكريم في أننا بحاجة إلى نقد بعض المرويات ونزعها نهائيا من ثقافتنا وأخلاقنا, ولكني لا أرى أن المشكلة في اتساع دائرة المنقولات الروائية فهي تراث تزكوي أخلاقي تاريخي عظيم, وإنما هي المشكلة في كيفية إيصالها للمتلقي وتقديمها على الكليات القرآنية بدلاً من جعلها تابعة لها ومندرجة تحتها ومنطوية تحت لوائها, وأوافقك على أننا بحاجة إلى نقد الأدوات الاجتهادية
وهذا ما قمت به فعلاً مؤخراً في كتابي: فقه الإنسان, فعرضت لبعض مصادر التشريع ولبعض القواعد الفقهية الشهيرة المستقرة بالنقد, كما انتقدنا المسار العام الذي سار فيه الفقه الإسلامي في تاريخه, وكيف أن الأكثر العظيم منه هو “مدني إنساني” ولا يستحق أن يُسمى ب: “الإسلامي”.
تحياتي الطيبة أخي أبو نصر.

اين تضع الانسان اليوم وفق العقل التراثي
مرحبا بك أخي الكريم حمود الرحبي
أعتقد أنك تقصد: أين ترى الإنسان وفق العقل التراثي؟!
الإنسان تبعاً للعقل التراثي في منزلة لن أقول أنها متدنية .. وإنما أقول منسية غير معترف بها, فهم يزعمون أنه مكرم, ولكن تأصيلاتهم تناقض هذا الزعم!!
كائن دوره في الحياة أن يقلد –وليس أن يبدع-, دوره أن يسمع ويطيع, لا أن ينظر ويتفكر, دوره أن ينخلع من الدنيا ويتجرد منها ويزهد فيها قدر المستطاع وإن عمرها فلا بأس, دوره أن يظل تابعاً حائراً طيلة عمره يسأل الثقات من العلماء كيف يعيش (بمعنى أدق: يموت) بشكل صحيح, عليه أن يتجاهل احتياجاته الجسدية والنفسية العديدة ليكون مسلما صحيح الإسلام قويم الإيمان!

باختصار أنا أرى الإنسان المسلم في مجتمعاتنا التراثية يعيش في “ثقافة صناعية” مميتة, هي خليط من قليل من الدين وكثيرٍ من العادات والأعراف العربية الجاهلية المصادمة للدين وللفطرة وتقدم كلها باسم الدين, والذي أصبح مستقره الفكر وليس: القلب!! الإنسان قبل الدين كان يعيش بشكل “فطري إنساني”, والمفترض في الدين أن يتوافق مع فطرته ويزيده “إنسانية” ويهديه سبل الرشاد ويكرمه .. ويسيّده, ويعرفه والأهم يحببه في رب العباد, لا أن يدخل معركة خاسرة مع فطرة الله التي فطر الناس عليها.

فعندما يجد الإنسان أن الدين قوة دافعة ومحرر له من قيود الأوهام والشهوات ومرّقٍ له إلى المعالي وحامٍ له من الدنايا, وأنه طمأنينة لقلبه .. عندما ينبض قلبك بالدين فاعلم أنك في الموقف الصحيح.

نرحب بالاستاذ عمرو الشاعر ظيفا واخا جزاه الله الفضل والخير
سؤالي الاول :الاستاذ العزيز قدمت اطروحه علمية في نقد منهج القرآنين ولكن في نفس الوقت قد يحسب الاستاذ عمرو الشاعر على القرآنين لانه ينكر مفهوم السنة كما هو عند التيار السلفي او التقليدي فما هو تعليقك على ذالك ؟ السؤال الثاني ما تقول في حكم الحجاب ؟ ولي عودة ان شاء الله ان كان هناك شي اسئلة اخرى .
مرحبا بك أخي الكريم هيثم وجزاك الله فضلا وخيرا:
رغما عن أن سؤالك بعيد عن محور الحوار إلا أني سأوظفه تبعا للموضوع فأقول: منهجي يختلف كثيراً عن منهج القرآنيين, فالقرآنيون هم رد فعل متطرف للتيار السني ليس أكثر, فهم لا يختلفون قدر أنملة عن المنهج السلفي سوى في الوجهة, هؤلاء أقصى اليمين وهؤلاء أقصى اليسار ولكن على نفس الخط بلا أي انحراف, فكلاهما “منهج صناعي علمي”
والدين ليس علومأ! فماذا فعل القرآنيون؟! أنكروا السنة .. ثم .. أنكروا اللغة .. ثم؟! قدموا للمسلمين كتابا قائلين: هذا كتاب الله العليم وهو مبين, فتدبروه وافهموه! وهكذا أصبح لا حاكم لفهم القرآن, فلا لسان ولا تاريخ .. وإنما حسبما يزين لكل إنسان عقله.

فمنهجي –الذي وصلت إليه مؤخرا- يختلف عن القرآنيين في أننا لا ننكر اللغة ولا نرد الروايات وإنما نُعمل منها ما لا يخالف القرآن حتى ولو كان ضعيف سنداً فالعبرة عندنا بالمتن وليس بالسند, والنقطة المحورية أننا لا نقدم “دينا علميا”, عبارة عن نص, وإنما نقول أن النص لا ينفصل عن الإنسان
فلا بد للمنهج من إنسان يحمله ويبلغه للناس ويعلمه لهم (وهو ما قصرنا فيه لسنين واكتفينا بالدين العلمي الصناعي كمن حولنا وندعو الله أن يغفر لنا ويعيننا لنحمل), كما كان الحال من الرسول
فالله قال في حق الرسول: ” لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ”
 فالرسول دوره أن يتلو آيات الله (الكونية) ويعلم الكتاب والحكمة, ومن ثم فليس من أدوار الرسول التشريع, ولهذا نقول أن الروايات (السنة) لا تزيد عن القرآن, وكذلك لا نردها, فالرسول ارتضاه ربه مزكيا ومعلماً للحكمة, ومن ثم فهو إنسان يتربع على قمة الحكمة البشرية ويتفرد بنفس إنسانية زاكية يستطيع أن يفيض من أخلاقه على من حوله فينصحهم بما هو وافر لديه

لذلك فالإرث النبوي تراث تزكوي حكمي عظيم, أحمقٌ هو ذلك الذي يرده ويفرط فيه, وإذا كان الرسول أُمر بالاقتداء بهدي الأنبياء السابقين, أفلا نقتدي بهدي رسولنا العظيم الحبيب؟!

وغياب طبقة المزكِين هذه من الطوام في التاريخ الإسلامي, وسبب رئيس لما نحن فيه الآن من الانحدار الأخلاقي والتردي الفكري, فالأمة الإسلامية بحاجة إلى فريق من المزكين الحكماء, الذين يعلمون أبناءها الكتاب والحكمة ويتلون عليهم آيات الله .. فهل يخرجون قريبا؟!

الله المستعان.
………………………..
كيف ترى الخطاب الديني اليوم مع الانسان و قيمه؟؟
عودة مرة أخرى للأخ حمود الرحبي فنقول:
بصفتي من العاملين في مجال الدعوة الدينية يمكنني أن أقول أن الخطاب الديني الحالي بشكل عام هو خطاب كارثي النتائج, لأنه لا يعمل على ترسيخ القيم الإنسانية وإنما همّ المتصدرين له بالدرجة الأولى الانتصار لخصوصيات المذهب والدين
فبدلاً من التركيز مثلاً على حرمة الإنسان وكرامته كائناً ما كان جنسه ودينه ولونه, نجد التركيز على خصوصيات المسلمين وتميزهم عن غيرهم من أتباع الأديان الأخرى, وما هي الحقوق الخاصة بالمسلم والتي ليست لغير المسلم, ومن ثم يرسخ في يقين المسلم أن غير المسلم “بشر درجة ثالثة”, ناهيك عن إبعاد المسلم عن غير المسلمين, ويكفيك الدعاء على غير المسلمين على المنابر.

ومسألة الخصوصيات هذه كارثية فالإنسان بفطرته يميل إلى العدل والمساواة ويكره الظلم ويحتاج إلى من يقوي له هذه القيم, إلا أنه يُصدم دوما بنصوص تُعتبر استثناءً أو مخالفة لهذه القيم, ومع كثرة النصوص وتواليها تُهدم هذه القيم في نفس الإنسان.

أعتقد أن دور الأئمة في هذه المرحلة هو من الأهمية بمكان لترسيخ هذه القيم عند المسلمين, ولكن مع وجود العصبيات المذهبية, والبديهية التي تقول: “كل إناء بما فيه ينضح” فلا نتوقع هذا في القريب العاجل –ونرجوه في الآجل-, فالأئمة لُقنوا في دراستهم الأكاديمية جزئيات أُفهموا أنها الدين, ومن ثم لن يقدموا للناس إلا ما حُشيت به عقولهم, وما وجدوه في كتب المذهب. ومن ثم فعلى المتصدرين للإصلاح الديني ألا يكتفوا بالكتابة وإنما عليهم النزول إلى الناس بخطاب مباشر حتى يسمع الناس خطاباً مختلفاً فليس كل الناس قارئ.

لماذا ظهرت بقوة القرآت القرآنيه في مصر أهي رده للاتجاه السلفي ؟؟
بخصوص سؤال الأخ حمود الثالث:
سواء كنت تقصد القراءات القرآنية أو التيارات القرآنية أقول لك: بالمقام الأول هي رد فعل للاتجاه السلفي الذي لا يمثل إلا قراءة تاريخية مظهرية للدين (وليست: ظاهرية, بأي حال, فالسلفيون لهم من “لي النصوص” الكثير والكثير, وأنا أعد نفسي حتى الآن: ظاهري, ولكن ظاهرية ليست كظاهرية ابن حزم, يمكنك التعرف عليها من خلال كتابي الأول: لماذا فسروا القرآن), والاتجاه السلفي لا يقتصر على التيار المعروف حالياً ب “السلفيين”, وإنما يتعداه كذلك إلى باقي التيارات السنية فهي في نهاية المطاف “سلفية”, وهم يقرون بهذا كذلك!

فكلهم يقولون أنهم متبعون للسلف الصالح, ولأقواله مكانة مخصوصة تكاد تكون مقدسة! ومن ثم تحرر القرآنيون من الفكر السلفي وأصبح كل تركيزهم على هدمه .. وهو ما يأخذ الجانب الأكبر من عملهم, لهذا أقول دوما: هدم القرآنيون ولم يبنوا, فلقد قدموا بديلاً خاليا مثاليا لا يصلح للبناء.

وهذا ما لخصته في عنوان كتابي القديم حولهم: القرآنيون والبديل اللاواقعي ثم في العنوان الذي ظهر به الكتاب: القرآنيون مصلحون أم هادمون! وهذه مشكلة الناقد الذي لا يرى البديل بوضوح.

سامي المعمري:
مسألة الخضر عليه السلام كما يقال حينما قتل الغلام وعلل قتله بأن أبويه مؤمنان فخشي أن يرهقهما طغيانا وكفرا هل هذه الخشية وهذا الظن هو مسوغ لقتله وحتى لو تيقن من ذلك هل ذلك مسوغ لقتله أفدني واشرح لي ذلك لقلة فهمي وضعف علمي ولك الأجر.


عيسى العلي:
هل في موقف خرق السفينة كما في سورة الكهف تقعيد لفكرة الغاية تبرر الوسيلة؟
بخصوص السؤالين الإضافيين أشكر لك أخي هذا الظن الحسن بي, وبسؤال الأستاذ عيسى العلي سيكون الابتداء فأقول:
لا ليس في خرق السفينة تقعيد لفكرة الغاية تبرر الوسيلة وليس لها أي علاقة بها!! وإنما هي تطبيق صريح لقاعدة: دفع المفسدة الكبيرة بالمفسدة الصغيرة, وهي من البديهيات العقلية عند عامة البشر.

بخصوص سؤال الأخ الفاضل سامي المعمري أقول:
قصة العبد الصالح (المعروف بالخضر) ليست مما يُبنى ويُقعد عليها أحكام فقهية في المعاملات الإنسانية, وإنما مما يُبنى عليها “قواعد إيمانية” مثل الإيمان بعلم الله المحيط الشامل وبرحمة الله التي قد تظهر في مظهر الضر, وأن علم الإنسان قاصر وأنه لا يرقى في كثير من الأحايين لمعرفة حكمة الله في فعله ولكنه كمؤمن عليه الرضا والقبول والحمد.

وقولنا أن مواقف العبد الصالح ليس مما يُبنى عليه حكم فقهي راجع لأنه “موقف استثنائي” غير قابل للتكرار, لأن هذا العبد كان قد أوتي من لدن ربه علماً! “وآتيناه من لدنا علما”, ومن ثم ففعله لم يكن ظنا, وإنما يقينا, وليس مجرد يقيناً فقط, فاليقين لا يكفي لإزهاق نفس, وإنما كونه ممن مُنح الحق لتحقيق إرادة الله! “فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما”
فإرادة الرب العلي كانت الرحمة بالأبوين الصالحين بأن يموت ابنهما … فمن يمكنه أن يتحدث الآن باسم الله ويقول أنه منفذ لإرادته!! لذا فالقصة مما يُذكر في التربية الإيمانية وليس مما يُؤصل به حكم فقهي يُعمم .. وهو غير قابل للتعميم ولا للتكرار!!

………………………………
أشكر الأستاذ عمرو الشاعر على هذه الإفاضة:
السؤال: أليس جميع العلوم المفسرة والمتعاملة مع النص في خدمة الإنسان من خلال ارتباطه بربه وخالقه من خلال فهم النص وإنزاله كواقع، وهي تدخل في العلوم الإنسانية؟
والسؤال الثاني: كيف نجعل من الاحتياجات الإنسانية مصدرا آخر من مصادر التشريع، ما آليته وأبعاده، وهل لكم منهج في هذا له معالمه وضوابطه؟
والسؤال الأخير: لماذا توقف حراك العقل المسلم في إيجاد مصادر للتشريع بعد القرون الأولى، ما السبب في رأيك؟
ولنا عودة فقط نترك المجال للقراء الكرام.

بسم الله الرحمن الرحيم
نعود مجددا لإجابة الأسئلة ونبدأ بسؤالات الأخ بدر العبري فنقول:
بخصوص السؤال الأول: نعم جميع العلوم المتعاملة مع النص هي من العلوم الإنسانية من حيث أنها نتاج إنساني, ولكن هل كانت نتائجها أو آثارها إنسانية؟! هذه هي القضية, نعم العلوم نتاج إنساني ولكنها لم تُنمّ الإنسانية لم تنم الأخلاق لم تنم الفطرة السليمة!
وجزء لا بأس منها يُسخر الإنسان للدين ويجعل الدين غاية وليس وسيلة! الدين سبيل الهداية والرشاد

بينما الغاية هي أولاً: الله العلي ثم الإنسان, وللأسف أكثر العلوم لا تربط الإنسان بخالقه وأكثر الداعين لا يتحدثون عن الله, ونظرة في الخطاب الدعوي أو الديني عامة تُظهر أننا وبكل أسى ناسون لله! ناهيك عن أن نصيباً من العلوم لا تنزل النص كواقع وإنما تخلق واقعا قديما على المسلمين الرجوع إليه للعيش فيه, بدلاً من إنزاله في واقعنا المعاصر بما يتناسب معه.

بخصوص السؤال الأخير أقول:
إذا كان العقل المسلم قد توقف عن إنتاج أحكام جديدة وأصبح التقليد في الفتوى هو الأعم الغالب, وأصبح من يقولون بحكم جديد حالات فردية يعتمدون على أنهم يقولون بها في مسائل متناثرة ومن ثم فلن يلاموا عليها! فهل يُعتقد أنه في مثل هذه الأجواء قد يُستخرج مصادر تشريع/ تقنين جديد؟!

أعم المتصدرين للعمل في المجال الفقهي كانوا “موظفين” مقلدين, وليسوا حراس عدالة, وكانوا يعتبرون ما يجدونه في كتبهم دينا! فمن يظهر من العلماء بالجديد يُرمى بكل مسلبة ومذمة, أنت مبتدع ضال مضل, ويُشوش عليه ويُنفر الناس عنه, وما مناظرة ابن حزم لقاضي قضاة المالكية في الأندلس ببعيد!! وأمام العوام هذا قاضي وهؤلاء قضاة!!

لذا رضي كثيرون من الفقهاء أن يندرجوا تحت لواء السابقين وأن ينفعوا الناس بعلمهم بدلاً من أن يُمنعوا عنهم كلية!
ناهيك عن أن كثيراً منهم كان لا يرى أن المشكلة في الأصول وإنما في الفروع, وأن الفتيا ببعض الأحكام الجديدة ستحل الأمور وتنهي المشاكل وترفع الأزمات!! ونغض الطرف عن أولئك الذين كانوا يعيشون في بطون الكتب ولا يرون أي إشكاليات بل كانوا يزيدون الحياة تعقيداً ويرون أن الأجر بالمشقة!!

بخصوص السؤال الثاني أقول:
أنا أرى أن مصدر التشريع في الإسلام واحدٌ حصرا وهو القرآن, ولقد قلت بأعلى: فإن .. كان ثمة مصادر تشريع إسلامية بعد كتاب الله فالإنسان ينبغي أن يكون أولها!

ولقد عرضت في كتابي: فقه الإنسان ل: المصادر المسماة بمصادر التشريع مثل القياس والعرف والاستحسان .. الخ, وقلت أنها أدوات وآليات جيدة ولكن ليس لاستخراج تشريع, فالله هو المشرع ولا يمكن أن آتي بحكم لم يُنزله وأنسبه إليه

ولا يعني هذا ألا يكون للأمة الإسلامية موقف مما لم يرد في القرآن, فهذه المصادر جيدة لاستخراج تقنين, فهي مما يمكن القول أنه “مصادر التقنين” وكذلك: “موارد التهذيب”.

ولقد قلت في كتابي فقه الإنسان بشأن هذه المسألة: والنقطة المحورية هي أننا سنعتبر النتاج الفقهي الزائد عما في القرآن, والمستنبط منه أو من باقي المصادر: “قوانين مدنية” أو “إرشادات تهذيبية”, تستخدمها الدول الإسلامية في سن قوانينها وفي تشريعاتها!

ولا مانع من تسميتها كذلك ب “القوانين الإسلامية”, لاستنادها إلى مرجعية الدين الإسلامي! كما يمكن أن تستخدم في العملية التربوية التزكوية المخاطب بها النشأ, أو الراغبين في تطهير قلوبهم من البالغين! ولكن لا يُنظر بحال إلى أقوال الرجال على أنها دين يُتعبد الله به, وإنما يُتعبد الله باقتناع الإنسان بطِيب أو خبث الأمر وتصرفه تبعاً لقناعته القائمة على أدلة قرآنية عقلية ضميرية, فيفعل هذا أو يجتنب ذاك ابتغاء مرضات الله, فبما وقر في نفس الإنسان يتعبد المرء ربه.

المشكلة أن الدين اتسع كثيرا بكتب الفقه وأصبح على الإنسان المسلم أن يعرف حكم كل كبيرة وصغيرة في الحياة واختلاف العلماء بشأنها والقول الراجح في المسألة!!
وهذا يسبب عسراً ما بعده عسر للمسلم ناهيك عن انقطاعه عن الحياة وتفرغه للعلم! بينما على قولنا يُعلم الإنسان الكتاب ويُهذب, باختصار: منهج الفقهاء يعطي المسلم السمك, أما منهجنا فيعطيه الشبكة التي يجب عليه أن يصطاد بها بمفرده.

واعتذر للإطالة ولكنها ضرورية للإجابة, فنقول:
الاحتياجات الإنسانية لن تكون مصدر تشريع وإنما ستكون مصدر تقنين, فيمكن الاعتماد عليها في استخراج قوانين تيسر للإنسان الحصول والوصول إلى هذه الاحتياجات بشكل رسمي بحيث لا يلجأ للتحايل للوصول إليه, وكذلك تجعلها من حقوقه الأصلية التي يجب على الدولة توفيرها لرعاياها حتى يكونوا مواطنين صالحين.
إلا أني أعود فأقول:
في الغالب لن تكون الاحتياجات الإنسانية مصادر تقنين وإنما ستكون “موارد تهذيب”, فالاحتياجات الإنسانية تتعلق بالجانب النفسي الأخلاقي بدرجة أكبر, وهي مما لم يلق له السادة الصوفية عظيم بال في تأصيلهم لمنظومتهم الأخلاقية السلوكية, فخرجت تأصيلاتهم متطرفة مبالغ فيها ..

وكذلك معوجة مشوهة القوام, ومن ثم فنحن بحاجة إلى النظر في الاحتياجات الإنسانية الأصيلة الثابتة الراسخة عند كل البشر باختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم, للخروج بتصور قويم للهيئة الأخلاقية النفسية السليمة, لإخراج إنسان خالي من التشوهات الفطرية!
إنسان منسجم مع نفسه ومع ربه ومع مجتمعه, فنفحص مجددا كتائب “العيب والمكروه والمستحب” في منظومتنا الفكرية تبعاً للاحتياجات الإنسانية الراسخة وليس تبعا للتصور الصوفي القديم الذي يلغي الإنسان ويجعل تفكير الإنسان في ذاته وهو يقوم بعملٍ ما غير خالص لله! وبمعرفة الطيب النافع منها يُعمل على تنميته وتزكيته وتقبله ..

(وكم من تلك الاحتياجات لا تزال مستنكرة مرفوضة في مجتمعاتنا العربية ويُنظر إليها بعين الاستهجان .. رغما من أن أكثرنا يفعلها سرا!), كذلك يُعمل على ترسيخ العديد من القيم وغرسها في نفوس المواطني, مثل قيمة الجمال والإبداع والتي ستقضي تلقائياً على كثير من سلوكياتنا السيئة التي نفعلها بلا حرج!!

أين موقع الخطاب الأشعري في مصر اليوم ؟
وهل يمكن اعتبار خطاب الأزهر خطابا أشعريا؟

مرحبا بك أخي الكريم خالد السيابي
بخصوص سؤالك –الذي لا علاقة له بمحور النقاش- أقول:
الخطاب الأشعري الآن في مصر يتبناه بعض أساتذة جامعة الأزهر في محاضراتهم ليس أكثر! ولا يكاد يوجد له أثر في المساجد وبين الناس!! وأكثر الطلبة الذين يسمعون لهؤلاء الأساتذة غير مقتنعين به, لأنهم إما سلفية أو إخوان, أو غير مهتمين بهذه الجوانب أصلاً!
نعم كتب العقيدة التي تُدرس في الأزهر أشعرية نعم, ولكنها مما يُدرس ليُمحتن ثم يُنسى!! نعم هناك من الصوفية من يأخذ به, ولكن هذا بين طلبة العلم من الصوفية وهم قلة, بينما أغلب الصوفية مهتمون بالأوراد والأذكار وبأحوال القلب.

بخصوص سؤالك: هل يمكن اعتبار خطاب الأزهر أشعريا؟!
أقول: الأزهر لم يعد يظهر له وجهه حالياً, فأكثر الأساتذة فيه إخوان أو سلفية, ومن ثم يتوه الطلبة غير أصحاب التوجهات المسبقة بين أفكار ثلاث: سلفية صوفية إخوان!! ناهيك عن أن الأزهر وعلمائه لم يعد لهم تأثير إلا على كبار السن الذين يستمعون إلى إذاعة القرآن الكريم ذات الخطاب التقليدي العتيق, أما الشباب فلا يسمعون لهم لأسلوبهم القديم أولاً, وثانياً لأنهم يعتبرونهم علماء سلطة! وذلك لأن الأزهر أصبح منذ سنوات تابعاً للحكومة, يسبح بحمدها ويهلل لها, ومن ثم يمكن القول أنها أصبح: سياسيا وليس أشعريا!!

كيف يتم اعتبار الإنسان في الفكر التراثي القديم منسي وقد وجدنا أن الأصوليون وضعوا كليات أو ضروريات خمس من مقاصد الشريعة حفظها كالنفس والعقل والعرض وكل هذه من مكونات الإنسان! أم أن الدين والمذهب تدخل في هذه المقاصد وجعل تحفظ فقط للمسلم أو المعتنق لنفس المذهب ومن ثم استبحت حرمات وضروريات الإنسان .. المخالف!!

بخصوص سؤال الأخ غسان نقول:
نحن لا نقول أنه كان منسياً تماما ولكنه كان كشذرات متناثرة, حيث التوجه العام الدين أولا!! ولاحظ أخي متى ظهر الفكر المقاصدي, فلقد تأخر قروناً بعد قرون من اللهث وراء نصوص يصدرون بها أحكاماً في القضية المستجدة!! وعامة المشكلة ليست في كون علماء المذهاب حصروها في أتباع الدين واستباحوا المخالف, وإنما الإشكالية الكبرى كانت في جعل “الحفظ” مقصداً للشريعة!! ورضاهم بهذا وإعجابهم به واعتبار علماء في عصرنا الحديث هذا من مناقب الشريعة!!

فهذا كان مقبولاً فيما مضى أما الآن فعليهم تجاوز هذه المرحلة, ولقد عرضت لهذه النقطة في كتابي: فقه الإنسان, فقلت:
“حصر الفقهاء مقاصد الشريعة في “الحفظ”, وبهذا جعلوا دور الشريعة سلبياً مقتصراً على المنع! بينما نرى نحن أن المقصد الأولي للشريعة ليس الحفظ بحال, -فهذه غريزة موجودة داخل كل إنسان, تدفعه للحفاظ على نفسه من المخاطر, وعلى استمرار نسله, وللدفاع عن ممتلكاته (بما فيها أبنائه!)-, ناهيك عن إمكانية وجود أنظمة سلطوية تحفظ هذه الضروريات, إلا أنها لا تكون مرضية عند ربها, ولا تخرج الإنسان الذي يريده الرب, لأن الجسد قد يكون حياً والإنسان ميتاً (وما أكثر هؤلاء في بلادنا … الإسلامية!) وما من تربية في العالم تقتصر على الحفاظ على أمور بعينها, فليس ثمة إنسان يحرص فقط على الحفاظ على: النسل, وإنما يتعدى حتماً إلى إعطاء نسله توجيهات وإرشادات! لذا فإن مقصد الشريعة الأولي هو: الترقية والإرشاد, والذي يؤدي إلى إنشاء إنسان “رباني” عاملٍ صالح يعمر الأرض, يستجيب لفطرته في العمل على الحفاظ على هذه الضروريات لنفسه أو لغيره, كما يعمل على ترقية غيره وهدايته لما فيه مصلحته.” اهـ
……………………….

أستاذي الجليل .. أهلا بك ..

من يقرأ في العهد النبوي ومن بعده عهد أصحابه الأول يجد أن الاهتمام كان منصبا في بناء الإنسان و الحفاظ عليه وترسيخ كرامته وحقوقه كأصل لا يتغير في المجتمع. ويتضح هذا في القصة المشهورة مع الفاروق و الغلام القبطي ، وقبل ذلك في حرب المسلمين مع فارس إذ كان الجيش يضم المسلمين وغير المسلمين.

بل وقبل ذلك في العهد النبوي ، وكيفية تعامل النبي مع غير المسلمين في المجتمع ، من معاهدات و تجارة وغيرها .

كيف أو لماذا تغير الأمر في ما بعد ، حتى أصبحت دائة التعامل مع غير المسلمين ضيقة ، وابتعد الفقهاء كثيرا عن روح الإسلام الأولى لدرجة تظن أن بعضهم لا يهمه إلا أن يُدخل من لا يوافقه فكرا في النار.

بوركتم

مرحبا بك أخي أبو عمر
أوافقك في ملاحظتك هذه, وبخصوص سؤالك هذا أقول:
سؤالك هذا يحتاج إلى كتاب وكُتب للإجابة عنه بتتبع التحول والانحراف الحادث ولكن أجيبك بتمثيل: تطبيق منهج غير الذي طبقه الرسول وسار عليه طيلة حياته, واعتماد بعض روايات الله أعلم بثبوتها أو بالموقف الذي قيلت فيه ومخالفة الثابت الراسخ المستمر من فعله! باختصار تم تفكيك الدين وإعادة تركيبه, (وكانت الخطوة الأولى بتفكيك القرآن إلى آيات منفصلات متقطعات, ثم إعادة إسقاطها تبعاً لروايات الله أعلم بها) نعم المكونات هي نفسها –مع بعض القليل الدخيل- ولكنها مركبة بشكل مختل

وتصور أن تأخذ صورة لوجه إنسان وتفككها ثم تعيد تركيبها فتجعل الأنف بجوار الأذن والعين تحت الفم والوجنة أسفل الشعر والجبين أسفل الأنف!! وأدخلت الأظافر في الوجه وهي ليست منه! نعم الدخيل قليل ولكن التركيبة مختلة تماما وهي تركيبة مشوهة

ومن ثم فإننا بحاجة ماسة إلى إعادة تركيب الصورة لنحصل على الهيئة الجميلة النافعة التي أنزلها الرب العليم, أما محاولات تزين ذلك الوجه المسخ بوضع بعض مساحيق التجميل عليه فلن تجدي بحال, فهو مشوه لا محالة!! والمسلمون يتقبلونه لأنه يقدم لهم مقسما, فيقدم لهم الأنف مستقلاً والعين بمفردها وهكذا, فيرون صنعة جيدة مقبولة! ولكن الأجزاء منفردة ليست الدين ولن تؤثر, فالأجزاء الصغيرة للآلة لا تعمل بمفردها .. ولا بد من رص أجزاءها بجوار بعضها لتعطي الأثر القوي الفعال للآلة!!
بوركت أخي الكريم
……………………

ذكرت بأننا نرد الروايات التي تخالف القرآن بغض النظر عن السند ولكن أحيانا نفهم المتن بطريقة خاطئة فنحن مجهل حيثيات النص وسبب ذكره وحتى مقاصد النص الذي أتى به الرسول الكريم؟ هل علينا أن نرفض الرواية أم لا نعمل بها بالمفهوم العام ﻷنها تخالف القرآن دون رفضها

سؤال آخر : هل نعاني من تضخم في الخطاب الديني في مجتمعاتنا؟

مرحبا بك أخي الكريم ناصر الحارثي
بخصوص سؤالك عن رد الروايات أقول:
نحن لا نتسرع هكذا في رد الروايات المخالفة للنص, لأنه ربما تكون وردت في موطن غير موطن ورود الآية المتعلقة بالمسألة, فربما قيل القول في مناسبة بعينها, لذا نتتبع الروايات المختلفة للحديث حتى نخرج بصورة شاملة مجملة له, نستطيع معها أن نحكم ونحن مطمئنون بأنه مختلق أو أنه مما قيل ولكن في ظروف معينة, وكم من الأحاديث ردها القرآنيون وقبلناها نحن
وكم من الأحاديث لم يستند إليها الفقهاء في قولهم بأحكام, ووظفناها نحن بحمد, وكم من روايات عديدة في حادثة معينة خرجوا منها بتصورات مختلفة!! جمعناها نحن وخرجنا منها بصورة واحدة شاملة!
وكم من روايات نُسبت إلى الرسول واكتشفنا نحن أنها من أقوال الصحابة وأنها مما رُفع إليه! فالمسألة ليست نص مقابل نص, وإنما نص ثابت مطلق مقابل نص له نقولات تاريخية عدة, فلا بد من التحري والتقصي للحكم بقبول أو برفض الرواية.

بخصوص سؤالك عن تضخم الخطاب الديني في مجتمعاتنا أقول:
أوافقك في أن مجتمعاتنا تعاني من تضخم في الخطاب الديني, ولكنها تعاني كذلك من ضمور!! وفي الآونة الأخيرة ظهرت بعض الصيحات التي تنادي ب “تجديد الخطاب الديني” وأخرى تنادي ب “ترشيد الخطاب الديني”, بينما أرى أنا أن الخطاب الديني لا يحتاج إلى تجديد بقدر ما يحتاج إلى “تغيير مقاسات”! وبعبارة أدق هو بحاجة إلى: “تغيير مسارات”.

فهو بحاجة إلى التوسيع ليشمل كثير من النطاقات والجوانب التي اهتم بها القرآن وغفل عنها المتصدرون للدعوة, وبحاجة إلى التضييق ليكف عن التدخل في أمور لا ينبغي له العروض له وليتعالى عن صغائر الأمور, وليتجاوز المرحلة الأولى التي لم يبارحها المتصدرون للدعوة, فيزعمون أن الصغائر والشكليات هي المرحلة للتغيير والتي سيليها مراحل أخرى ينصلح بها حال المجتمع!! ولا تأتي هذه المراحل أبدا!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.